برلين – BAZ NEWS | 5 أيلول/سبتمبر 2026
حذرت روسيا ألمانيا من تداعيات خطط برلين لتطوير وامتلاك أسلحة بعيدة المدى، معتبرة أن امتلاك الجيش الألماني قدرات قادرة على ضرب أهداف على مسافات تصل إلى نحو 2000 كيلومتر يمثل، إذا نُفذ، «تهديداً مباشراً» لروسيا ودولة الاتحاد الروسي-البيلاروسي.
وجاء التحذير في رد رسمي نشرته السفارة الروسية في ألمانيا رداً على سؤال من صحيفة «إزفيستيا»، وذلك بعد تقارير عن خطط ألمانية لإنشاء ترسانة جديدة من الأسلحة بعيدة المدى تقدر تكلفتها بنحو 12 مليار يورو.
وقالت السفارة إن برلين تتجه إلى امتلاك قدرات مستقلة من الصواريخ الدقيقة بعيدة المدى والأنظمة غير المأهولة، بهدف تمكين الجيش الألماني من ضرب أهداف «في عمق أراضي الخصم» على مسافات تصل إلى 2000 كيلومتر.
موسكو: الأسلحة الألمانية ستكون تهديداً مباشراً
بحسب نص رد السفارة الروسية، ترى موسكو أن ألمانيا تضع في وثائقها العسكرية والأمنية مساراً واضحاً نحو امتلاك أسلحة دقيقة بعيدة المدى، إضافة إلى أنظمة مسيّرة.
واعتبرت السفارة أن هذه القدرات، إذا دخلت حيز التنفيذ، ستشكل تهديداً مباشراً لروسيا وللاتحاد الروسي-البيلاروسي، مضيفة أن مواقع نشر هذه الأسلحة قد تصبح، في حال اندلاع مواجهة عسكرية، «أهدافاً عسكرية مشروعة» بالنسبة لروسيا.
وتُعد هذه التصريحات جزءاً من خطاب روسي متصاعد تجاه إعادة تسليح ألمانيا وتوسيع القدرات الأوروبية للضربات بعيدة المدى، لكنها في الوقت نفسه تمثل موقف موسكو الرسمي وليست تقييماً مستقلاً لطبيعة التهديد.
برلين تؤكد خططاً لصواريخ يتجاوز مداها 2000 كيلومتر
وتؤكد الوثائق والتصريحات الرسمية الألمانية وجود برنامج لتطوير قدرات Deep Strike بعيدة المدى.
ففي مؤتمر صحفي للحكومة الألمانية في مايو/أيار، أوضحت وزارة الدفاع أن ألمانيا وبريطانيا تعملان معاً على تطوير قدرات تتجاوز 2000 كيلومتر ضمن مبادرة European Long-Range Strike Approach – ELSA.
وقال مسؤول في وزارة الدفاع الألمانية إن البرنامج يتضمن تطوير صواريخ كروز بعيدة المدى يبلغ مداها نحو 2000 كيلومتر، إلى جانب سلاح انزلاقي فرط صوتي.
كما أكدت القوات المسلحة الألمانية في 4 سبتمبر/أيلول أن الجيش يخطط لاقتناء أسلحة بعيدة المدى، بينها صواريخ يمكن أن تصل إلى مئات أو أكثر من 1000 كيلومتر، إلى جانب أنظمة يجري تطويرها محلياً وأوروبياً.
نحو 12 مليار يورو لبرنامج الضربات بعيدة المدى
وتكشف تقارير متخصصة أن برلين تخطط لاستثمار ما يقارب 12 مليار يورو في منظومة جديدة من الأسلحة بعيدة المدى.
ووفق وثائق لوزارة الدفاع الألمانية نقلتها وسائل إعلام متخصصة، يتكون البرنامج من عدة مسارات تشمل شراء صواريخ جاهزة، وتطوير أنظمة أوروبية جديدة، والحصول على صواريخ أميركية، إلى جانب تطوير أسلحة فرط صوتية مع بريطانيا. وتشير التقديرات المنشورة إلى أن الجزء الأكبر من الإنفاق سيذهب إلى برنامج السلاح الفرط صوتي.
ولا يعني ذلك أن ألمانيا خصصت بالفعل كامل مبلغ الـ12 مليار يورو وأن جميع هذه الأنظمة أصبحت جاهزة؛ فبعض المشاريع لا يزال في مرحلة التطوير أو يحتاج إلى إجراءات موافقة وتمويل رسمية.
صواريخ أميركية وسلاح أوروبي جديد
وفي يوليو/تموز الماضي، أعلنت القوات المسلحة الألمانية أن برلين مهتمة بشراء صواريخ توماهوك الأميركية مع منصات إطلاق Typhon.
وقالت وزارة الدفاع الألمانية إن هذه الخطوة تأتي ضمن مساعي سد فجوة في قدرات الضربات بعيدة المدى، في انتظار تطوير أنظمة أوروبية خاصة.
وبالتوازي، تعمل ألمانيا وبريطانيا على تطوير جيل جديد من الأسلحة بعيدة المدى. ووفق الحكومة البريطانية، فإن الصواريخ التي يجري تطويرها ضمن التعاون الألماني-البريطاني ستكون قادرة على قطع مسافات تتجاوز 2000 كيلومتر، مع توقع دخولها الخدمة خلال ثلاثينيات القرن الحالي.
ماذا عن المسيرات؟
لا تقتصر استراتيجية برلين على الصواريخ.
فالحكومة الألمانية أعلنت أنها تسعى إلى تطوير وشراء مسيرات بعيدة المدى ومنخفضة التكلفة يمكن استخدامها بأعداد كبيرة، ضمن تصور أوسع لتعزيز قدرة الجيش على تنفيذ ضربات دقيقة في العمق.
وفي مايو/أيار، أوضحت الحكومة الألمانية أن أحد محاور خطتها يتمثل في شراء أنظمة مسيّرة بعيدة المدى نسبياً وقليلة التكلفة، بهدف استخدامها لإغراق الدفاعات الجوية المعادية وإجهادها.
وبحسب تقرير حديث، بدأت بالفعل في ألمانيا عملية إنتاج أكثر من 5000 طائرة مسيرة قتالية لصالح أوكرانيا، بينها طرازات يصل مداها إلى نحو 1500 كيلومتر، ضمن عقد يستمر حتى منتصف عام 2027.
وهنا يجب التفريق بين مدى بعض المسيرات وبين الرقم البالغ 2000 كيلومتر المرتبط أساساً بالقدرات الصاروخية والضربات العميقة التي تطورها ألمانيا وبريطانيا.
أوكرانيا تدخل في الحسابات الألمانية
يشكل التعاون العسكري مع أوكرانيا أحد العناصر الأساسية في التحول الألماني الجديد.
ففي أبريل/نيسان 2026، وقعت ألمانيا وأوكرانيا إعلاناً للشراكة الاستراتيجية نص صراحة على تعزيز التعاون في الدفاع الجوي والصواريخ والذخائر وقدرات الطائرات المسيّرة والقدرات بعيدة المدى.
كما اتفق البلدان على تعزيز التصنيع المشترك وتبادل البيانات والخبرات والتعاون في البحث والتطوير والابتكار في مجال المسيرات.
وأكدت الحكومة الألمانية لاحقاً استمرار دعم صناعة المسيرات الأوكرانية وإنشاء مشاريع إنتاج مشتركة.
وفي أحدث تطور، أعلنت كييف وبرلين أن اتفاقاً واسعاً للتعاون في مجال المسيرات والصواريخ والبرمجيات بات قريباً من الاكتمال، فيما يجري توسيع التعاون بين شركات ألمانية وأوكرانية في مجال الطائرات المسيّرة والدفاع الجوي.
«الخبرة الأوكرانية» جزء من التحول الألماني
وتتوافق هذه الخطوات مع اعتراف ألماني رسمي بأن الحرب في أوكرانيا أظهرت أهمية التكنولوجيا الجديدة، وخصوصاً المسيرات والضربات بعيدة المدى.
وفي مايو/أيار، قالت وزارة الدفاع الألمانية إن برلين تريد الاستفادة من القدرات التي طورتها أوكرانيا خلال الحرب، مشيرة إلى أن الأنظمة الأوكرانية تمر بدورات ابتكار سريعة، وأن التعاون يشمل مشاريع مشتركة وتبادل الخبرات على مستوى القوات والصناعة الدفاعية.
كما أن ألمانيا وأوكرانيا أعلنتا رسمياً أن التعاون بينهما يهدف ليس فقط إلى دعم كييف، وإنما أيضاً إلى تعزيز القدرات الدفاعية الألمانية والأوروبية.
برنامج أوروبي أوسع للضربات العميقة
التحرك الألماني لا يأتي بمعزل عن بقية أوروبا.
ففي يوليو/تموز، أعلنت بريطانيا مبادرة أوروبية لتطوير قدرات Deep Precision Strike، بمشاركة 12 دولة، مع تعهدات بإنفاق أكثر من 50 مليار دولار خلال عشر سنوات على قدرات الضربات الدقيقة بعيدة المدى.
وتقول الحكومة البريطانية إن الهدف هو تعزيز الردع الأوروبي وتقليل الاعتماد على القدرات الأميركية.
كما أطلقت حلف الناتو مبادرات متعددة الجنسيات تشمل تطوير قدرات الطائرات المسيّرة للضربات الدقيقة العميقة، في إطار تعزيز القدرات الأوروبية للحرب الحديثة.
لماذا تتحرك ألمانيا الآن؟
ترى برلين أن الحرب الروسية في أوكرانيا غيّرت البيئة الأمنية الأوروبية بصورة جذرية.
وتقول الحكومة الألمانية إن تطوير القدرات بعيدة المدى يأتي في سياق الردع والدفاع عن أوروبا، وليس بهدف شن حرب هجومية على روسيا.
وفي مايو/أيار، ربطت الحكومة الألمانية برنامج ELSA مباشرة بالتهديد الذي تمثله القدرات الروسية بعيدة المدى، مشيرة إلى نشر صواريخ روسية مثل «إسكندر» في كالينينغراد وغيرها من المواقع.
وبحسب الموقف الألماني الرسمي، فإن تطوير قدرات الضربات العميقة هو جزء من محاولة أوروبا سد فجوة في الردع، وليس مؤشراً بحد ذاته على قرار بشن هجوم على روسيا.
موسكو وبرلين أمام معادلة ردع جديدة
التحذير الروسي يأتي إذاً في وقت تنتقل فيه ألمانيا من الاعتماد الكبير على القدرات الأميركية إلى بناء قدرات أوروبية مستقلة للضربات بعيدة المدى.
وبينما ترى موسكو أن هذه الأسلحة تهديد مباشر لأمنها، ترى برلين وحلفاؤها أن تطويرها ضروري لتعزيز الردع الأوروبي في مواجهة روسيا.
ويزيد من حساسية الوضع أن بعض الأنظمة الجديدة لن تقتصر على الدفاع الجوي أو حماية الأراضي الألمانية، وإنما ستكون قادرة نظرياً على ضرب أهداف عسكرية في عمق أراضي الخصم.
وهذا التحول يفتح فصلاً جديداً في التوازن العسكري الأوروبي، خصوصاً مع تزامن ثلاثة مسارات: إعادة تسليح ألمانيا، تطوير قدرات أوروبية بعيدة المدى، والاستفادة المتزايدة من التكنولوجيا والخبرة الأوكرانية في الحرب الحديثة.
الخلاصة
المؤكد أن ألمانيا تعمل بالفعل على بناء قدرات بعيدة المدى، وأن برلين وبريطانيا تطوران أنظمة يتجاوز مداها 2000 كيلومتر، وأن ألمانيا تتعاون بشكل متزايد مع أوكرانيا في مجال الصواريخ والمسيرات والتكنولوجيا الدفاعية.
أما وصف هذه القدرات بأنها «تهديد مباشر» لروسيا فهو الموقف الرسمي الذي أعلنته السفارة الروسية، وليس تقييماً مستقلاً؛ في المقابل، تقول برلين إن الهدف من هذه القدرات هو تعزيز الردع والدفاع الأوروبي في مواجهة البيئة الأمنية التي تغيرت منذ الغزو الروسي لأوكرانيا.