واشنطن – BAZ NEWS | 5 أيلول/سبتمبر 2026
أفادت تقارير استندت إلى تقييمات استخباراتية أميركية حديثة بأن إيران باتت أكثر ثقة بقدرتها على مواصلة المواجهة مع الولايات المتحدة، رغم الأضرار التي لحقت بقدراتها العسكرية والاقتصادية خلال الأشهر الستة الماضية، فيما تشير التقديرات إلى أن طهران تستعد لاحتمال استمرار الحرب لأشهر إضافية، وتدرس القيادة الإيرانية المتشددة خيارات لتصعيد كبير جديد.
وبحسب ما نقلته صحيفة نيويورك تايمز عن مسؤولين أميركيين حاليين وسابقين وأشخاص اطلعوا على التقييمات، فإن إيران طورت خلال الحرب فهماً أكبر لقدراتها العسكرية وحدود القوة الأميركية، وأصبحت ترى أن بإمكانها تحمل حرب طويلة وفرض تكاليف إضافية على واشنطن وحلفائها. وأكدت تقارير مستقلة نقلت مضمون التقرير أن أجهزة الاستخبارات الأميركية ترى مؤشرات على أن طهران لا تستعد لتسوية سريعة، بل تبدو مصممة على إطالة المواجهة.
طهران أكثر ثقة بقدرتها على مواصلة الحرب
يشير التقييم الأميركي إلى أن إيران، رغم تعرضها لضربات كبيرة، لم تعد تنظر إلى نفسها باعتبارها الطرف الأضعف في الصراع.
ونقلت صحيفة نيويورك تايمز عن عضو لجنة الاستخبارات في مجلس النواب الأميركي، النائب الديمقراطي جيسون كرو، أن الإيرانيين ينظرون إلى وضعهم بدرجة متزايدة من التفاؤل، وأنهم باتوا يتبعون استراتيجية أطول أمداً مما كانوا عليه في السابق.
ويستند هذا التقدير، وفق التقارير، إلى استمرار امتلاك إيران قدرات مهمة في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة، فضلاً عن قدرة طهران على استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط اقتصادية وسياسية.
إيران تراهن على مضيق هرمز
يمثل مضيق هرمز أحد أهم عناصر القوة التي تعتمد عليها طهران في حساباتها الحالية.
وترى التقييمات الأميركية أن إيران اكتسبت خبرة خلال الأشهر الماضية في كيفية استخدام تهديد الملاحة عبر المضيق لرفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي.
ويشير تحليل لمعهد دراسة الحرب إلى أن أحد الأهداف الإيرانية الرئيسية في الحرب يتمثل في الحصول على اعتراف دولي بنفوذها على المضيق، إلى جانب إضعاف قدرة الولايات المتحدة ورغبتها في مواصلة الحرب واستعادة الردع في مواجهة واشنطن وشركائها الإقليميين.
وفي المقابل، أفادت رويترز بأن الحصار البحري الأميركي والضغوط الاقتصادية أديا إلى تراجع كبير في صادرات النفط الإيرانية، ما يزيد الضغط على الاقتصاد الإيراني وقدرة طهران على تمويل الحرب على المدى الطويل.
هل تراهن إيران على انتخابات التجديد النصفي الأميركية؟
من أبرز ما تضمنته التقييمات الأميركية احتمال أن تسعى طهران إلى إطالة الحرب حتى انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.
ويقوم هذا السيناريو على اعتقاد إيراني محتمل بأن استمرار الحرب، وارتفاع أسعار الطاقة، وتزايد كلفتها على الولايات المتحدة، يمكن أن يزيد الضغوط السياسية الداخلية على الرئيس الأميركي دونالد ترامب والحزب الجمهوري.
وقال النائب جوش غوتهايمر، وهو عضو ديمقراطي في لجنة الاستخبارات بمجلس النواب، إن الإيرانيين يعتقدون أنهم يمتلكون حالياً أقصى قدر من النفوذ، ما قد يدفعهم، من وجهة نظرهم، إلى مواصلة الضغط على الإدارة الأميركية بدلاً من تقديم تنازلات.
وكانت رويترز قد أفادت في وقت سابق بأن مسؤولين كباراً في إدارة ترامب يحاولون إبقاء التصعيد العسكري تحت السيطرة قبل انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار الحرب وارتفاع أسعار الوقود إلى خسائر انتخابية للجمهوريين.
واشنطن تواجه قيوداً عسكرية
وتتضمن الحسابات الإيرانية، وفق المسؤولين الذين اطلعوا على التقييمات، تقديراً بأن قدرة الولايات المتحدة على تنفيذ ضربة واسعة جديدة قد تكون أكثر محدودية مما كانت عليه في بداية الحرب.
ويرتبط ذلك، جزئياً، باستنزاف مخزونات الولايات المتحدة من الصواريخ والذخائر خلال أشهر القتال.
وكانت تقارير استخباراتية أميركية سابقة قد خلصت إلى أن إيران لا تزال تمتلك مخزوناً مهماً من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، كما قدرت وكالة الاستخبارات المركزية في أيار/مايو أن إيران قادرة على تحمل الحصار البحري الأميركي لعدة أشهر قبل أن تواجه تداعيات اقتصادية أشد.
وتشير هذه المعطيات إلى أن طهران لا تحسب فقط حجم الأضرار التي يمكن أن تتعرض لها في حال استمرار الحرب، وإنما تحاول أيضاً تقدير الكلفة التي تستطيع فرضها على الطرف المقابل.
مخاوف من تصعيد إيراني جديد
الأكثر إثارة للقلق في التقييمات الأخيرة هو احتمال أن تكون القيادة الإيرانية المتشددة تبحث بالفعل في خيارات تصعيد إضافية.
وبحسب التقارير، لا تستبعد واشنطن تكرار هجمات من النوع الذي نفذته إيران خلال الأشهر الماضية ضد قواعد أميركية في الشرق الأوسط، إضافة إلى استهداف السفن في مضيق هرمز أو البنية التحتية المرتبطة بالطاقة.
وكانت إيران قد شنت خلال الأيام الأخيرة هجمات بصواريخ وطائرات مسيّرة على مواقع أميركية في المنطقة، فيما ردت القوات الأميركية بضربات داخل إيران. ووصف معهد دراسة الحرب الهجمات الأخيرة بأنها مؤشر على أن صناع القرار الإيرانيين، وخصوصاً التيار المتشدد داخل الحرس الثوري، يسعون إلى تغيير مسار الحرب من خلال استخدام القوة.
الحرب السيبرانية تدخل الحسابات الإيرانية
ولا تقتصر المخاوف الأميركية على الهجمات العسكرية التقليدية.
فبحسب المعلومات التي أوردتها نيويورك تايمز ونقلتها مصادر أخرى، يعتقد مسؤولون أميركيون أن قراصنة مرتبطين بإيران كانوا على الأرجح وراء هجمات استهدفت أكثر من 100 نظام للمياه في الولايات المتحدة أواخر تموز/يوليو.
ولم تؤد تلك الهجمات، وفق المعلومات المتاحة، إلى جعل مياه الشرب غير آمنة، لكنها تسببت في اضطرابات ببعض المنشآت، واضطرت بعضها إلى استخدام إجراءات تشغيل يدوية، فيما أبدت الجهات الأميركية قلقاً من اهتمام مجموعات مرتبطة بإيران بالبنية التحتية الأميركية لقطاعي النفط والغاز.
ويرى مسؤولون وخبراء أن الحرب السيبرانية قد تكون أداة جذابة لطهران، لأنها تتيح إحداث اضطرابات وتكاليف سياسية واقتصادية داخل الولايات المتحدة من دون الحاجة إلى تنفيذ هجوم عسكري مباشر واسع.
لماذا يصعب التوصل إلى اتفاق؟
في الجانب الدبلوماسي، تشير التقييمات الأميركية إلى وجود مؤشرات محدودة جداً على استعداد طهران لتقديم تنازلات كبيرة لواشنطن في المرحلة الحالية.
ويأتي ذلك في وقت تحاول فيه إدارة ترامب الجمع بين الضغط العسكري والاقتصادي لإجبار إيران على تقديم تنازلات تتعلق بمضيق هرمز والبرنامج النووي.
لكن بعض المسؤولين الأميركيين الذين اطلعوا على التقييمات يحذرون من أن العقوبات الاقتصادية قد تؤدي في المدى القصير إلى زيادة التوتر بدلاً من دفع إيران إلى التراجع.
كما أن الوضع الاقتصادي الإيراني يزداد صعوبة. وأفادت رويترز بأن العقوبات والحصار على صادرات النفط أضعفا قدرة طهران على الوصول إلى العملات الأجنبية، في وقت تواجه فيه البلاد تضخماً مرتفعاً وتراجعاً في التجارة وإمدادات الوقود.
صراع استنزاف مفتوح
وتشير الصورة التي ترسمها التقييمات الأميركية إلى مفارقة واضحة: إيران تعرضت لأضرار عسكرية واقتصادية كبيرة، لكنها لا ترى نفسها مهزومة، بل تعتقد أنها اكتسبت خلال الحرب خبرة وقدرة أكبر على الصمود وفرض التكاليف على خصومها.
وفي المقابل، تواجه الولايات المتحدة ضغوطاً عسكرية واقتصادية وسياسية متزايدة، فيما بات إنهاء الحرب أكثر تعقيداً مما كان متوقعاً عند اندلاعها.
ويأتي ذلك في وقت يؤكد فيه معهد دراسة الحرب أن طهران ما زالت تسعى إلى تحقيق أهداف استراتيجية تشمل إضعاف قدرة واشنطن على مواصلة الحرب، واستعادة الردع، واستخدام مضيق هرمز لتعزيز نفوذها.
وبذلك، لا تشير المعطيات الحالية إلى نهاية قريبة للمواجهة، بل إلى صراع استنزاف قد يستمر لأشهر، مع بقاء احتمال التصعيد المفاجئ قائماً، خصوصاً إذا فشلت قنوات التفاوض أو قررت طهران اختبار حدود قدرة الولايات المتحدة على مواصلة الحرب.
ملاحظة تحريرية: التقييمات الاستخباراتية الأميركية المشار إليها في هذا التقرير ليست وثائق استخباراتية منشورة للعامة؛ المعلومات الواردة عنها تستند إلى مسؤولين ومصادر اطلعت عليها أو إلى تقارير صحفية نقلت مضمونها، وعلى رأسها نيويورك تايمز. لذلك صيغت المعلومات المتعلقة بالنوايا الإيرانية المحتملة بصيغة «بحسب التقييمات» و«تشير التقديرات» وليس باعتبارها قرارات إيرانية معلنة.