من اختطاف أطفال في الدنمارك إلى اتهامات بالتجسس.. كيف قادت قضية كريستينا بلوك إلى اعتقال رئيس الاستخبارات الألمانية السابق؟

 

برلين – BAZ News | 8 أكتوبر 2026

تحولت قضية اختطاف طفلي سيدة الأعمال الألمانية كريستينا بلوك من نزاع عائلي وقضية جنائية شغلت ألمانيا منذ نهاية عام 2023، إلى مدخل لواحدة من أخطر قضايا التجسس التي تواجه أجهزة الأمن الألمانية منذ نهاية الحرب الباردة.

ففي 6 أكتوبر/تشرين الأول، أوقفت السلطات الألمانية الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الخارجية الألمانية (BND) أوغست هانينغ، البالغ 80 عاماً، إلى جانب مدير مكتبه السابق مانفريد د.، على خلفية الاشتباه بارتكاب جرائم تتعلق بالتجسس والخيانة والحصول على أسرار الدولة. وفي اليوم التالي قرر قاضي التحقيق في المحكمة الاتحادية العليا وضع هانينغ قيد الحبس الاحتياطي. 

البداية كانت في منزل رئيس استخبارات سابق

المفارقة الأساسية في القضية أن السلطات لم تصل إلى ملف التجسس من خلال عملية مكافحة تجسس تقليدية، وإنما أثناء التحقيقات في قضية كريستينا بلوك واختطاف طفليها من الدنمارك.

ففي سبتمبر/أيلول 2025، فتشت السلطات الألمانية منزل ومكاتب هانينغ في إطار تحقيقات مرتبطة بقضية بلوك. وخلال التفتيش ظهرت مواد إلكترونية تحتوي على عدد كبير من وثائق جهاز الاستخبارات الخارجية الألماني، بينها معلومات سرية لم يكن يفترض أن تكون بحوزة هانينغ بعد خروجه من الخدمة. 

وبحسب الادعاء العام الألماني، تشير التحقيقات إلى أن نحو 2000 وثيقة انتقلت من مانفريد د. إلى هانينغ خلال الفترة بين 2010 ويونيو/حزيران 2022، وأن عدداً كبيراً منها كان مصنفاً كمعلومات سرية ومخصصاً للاستخدام الداخلي في جهاز الـBND. 

ماذا كان يفعل هانينغ بهذه الوثائق؟

وفقاً للنيابة الاتحادية، يُشتبه في أن هانينغ اتفق مع مانفريد د. منذ عام 2010 على تزويده بصورة مستمرة بمعلومات استخباراتية مقابل المال.

وتقول التحقيقات إن هانينغ استخدم المعلومات في إطار نشاطه الاستشاري الخاص بعد مغادرته الـBND، وفي إحدى الحالات يُشتبه بأنه أعد تحليلاً أمنياً لصالح جهة استخبارات أجنبية.

لكن حتى الآن لا تعلن النيابة الألمانية اسم جهاز الاستخبارات الأجنبي الذي يُعتقد أن المعلومات أو التحليل كان موجهاً إليه، كما لم يتضح بصورة نهائية ما إذا كان التحليل قد وصل بالفعل إلى الجهة الأجنبية المستهدفة. 

هل كانت أذربيجان هي الدولة المستفيدة؟

هذه واحدة من أكثر النقاط إثارة للجدل.

تقارير صحفية ألمانية، بينها تقارير نسبت إلى Der Spiegel، تحدثت عن احتمال وجود صلة بجهاز استخبارات أذربيجاني، وأن هانينغ ربما أعد تحليلاً لصالح شخص مرتبط به.

لكن النيابة الاتحادية الألمانية لم تؤكد أن أذربيجان هي الدولة المعنية.

بل إن أذربيجان نفت رسمياً أي علاقة بالقضية، وقالت إن السلطات الألمانية أبلغتها عبر قنوات رسمية بأن القضية لا ترتبط بالاستخبارات الأذربيجانية. كما نفى محامي هانينغ الاتهامات الموجهة إلى موكله. 

Siehe auch  الاحتلال يتوغل ويجرف أراض زراعية وسط إطلاق نار شرق مخيم الغازي وسط غزة

لذلك لا يمكن حتى الآن القول إن روسيا أو إيران أو الصين أو إسرائيل أو أذربيجان حصلت على الوثائق؛ الجهة الأجنبية لم تُكشف رسمياً.

وما علاقة كريستينا بلوك بالقضية؟

هنا تكمن المفارقة الأكبر.

كريستينا بلوك هي وريثة عائلة Block House الألمانية المعروفة بسلسلة مطاعم شرائح اللحوم. وهي متهمة مع ستة أشخاص آخرين في محاكمة أمام محكمة هامبورغ على خلفية اختطاف طفليها الأصغر، اللذين كانا يعيشان مع والدهما شتيفان هنسل في الدنمارك.

في ليلة رأس السنة 2023/2024، تعرض الطفلان، وكان عمرهما آنذاك 10 و13 عاماً، لعملية اختطاف من الدنمارك ونقلا إلى ألمانيا. وبعد أيام أعيدا إلى والدهما بموجب قرار قضائي. 

الادعاء الألماني يتهم بلوك بأنها أعطت الأمر بتنفيذ العملية، بينما تنفي هي ذلك بشدة وتقول إنها لم تكن تعلم مسبقاً بخطة الاختطاف. كما ينفي شريكها، المذيع الرياضي السابق غيرهارد ديلينغ، مشاركته في عملية غير قانونية. 

شركة أمنية إسرائيلية في قلب القضية

التحقيقات والمحاكمة كشفتا عن دور شركة Cyber Cupula Operations الإسرائيلية، التي ارتبط اسمها بالعملية.

وبحسب ما ورد في التحقيقات والمحاكمة، كان بعض العاملين في الشركة من أصحاب الخلفيات العسكرية والأمنية الإسرائيلية. كما ظهر في القضية اسم ديفيد باركاي، رئيس الشركة، الذي أدلى بشهادته أمام المحكمة.

لكن من المهم قانونياً عدم تحويل هذه المعطيات إلى حقيقة قضائية نهائية: كريستينا بلوك تنفي إصدار أمر باختطاف أطفالها، والمحاكمة لم تنته بعد. 

هانينغ كان مرتبطاً أيضاً بمحاولة سابقة لإعادة الأطفال

قبل عملية الاختطاف التي وقعت في نهاية 2023، كانت هناك محاولة أخرى في نوفمبر/تشرين الثاني 2022 لإعادة الطفلين من الدنمارك.

وتقول النيابة الألمانية إن هانينغ، إلى جانب موظف سابق في الشرطة الجنائية بولاية هامبورغ، كانا مسؤولين عن شركة أمنية تولت المهمة، وإن العملية فشلت بعد أن لاحظ والد الأطفال أشخاصاً مشبوهين بالقرب من منزله وأبلغ الشرطة الدنماركية.

هانينغ ينفي هذه الاتهامات أيضاً. 

المفاجأة: الرجل الذي كان يملك الوثائق عمل داخل الـBND

الرجل الثاني في القضية، مانفريد د.، لم يكن موظفاً عادياً.

كان يشغل منصب مدير مكتب عدد من رؤساء جهاز الاستخبارات الخارجية الألمانية، واستمر في العمل داخل الجهاز حتى عام 2026.

وتقول النيابة إن موقعه مكّنه من الوصول إلى معلومات استخباراتية حساسة، وإنه زوّد هانينغ بوثائق سرية على مدى سنوات. 

أما هانينغ نفسه، فقد ترأس جهاز الـBND بين 1998 و2005، قبل انتقاله لاحقاً إلى وزارة الداخلية والعمل مستشاراً في القطاع الخاص. 

ماذا تقول الصحافة والسياسة الألمانية؟

الخبر أحدث صدمة كبيرة في برلين.

رئيس لجنة الرقابة البرلمانية على أجهزة الاستخبارات، مارك هينريشمان، وصف القضية بأنها مقلقة، مؤكداً أن التعامل مع المعلومات السرية مسألة تتعلق بالأمن القومي.

Siehe auch  " كندا تفرض عقوبات جديدة على 14 أوليغارش روس بسبب الحرب الأوكرانية "

أما رئيس الـBND الحالي مارتن ييغر فقال إن الجهاز بدأ في وقت مبكر تحقيقات داخلية واسعة، وإن نتائجها عززت الشبهات ضد هانينغ. 

كما طالبت أصوات من الحكومة والمعارضة بتشديد القواعد التي تحكم عمل المسؤولين السابقين في أجهزة الاستخبارات.

النائب عن حزب الخضر والخبير في شؤون الاستخبارات كونستانتين فون نوتس دعا إلى تحقيق شامل، بينما طالب سياسيون من الحزب الاشتراكي الديمقراطي بإعادة النظر في فترات الحظر على عمل كبار مسؤولي الاستخبارات السابقين في شركات الاستشارات الخاصة. 

هل هذه أكبر فضيحة استخباراتية في تاريخ ألمانيا؟

بعض وسائل الإعلام الألمانية والدولية وصفت القضية بأنها من أخطر اختراقات الاستخبارات الألمانية منذ نهاية الحرب الباردة، لكن من المبكر قانونياً وتاريخياً الجزم بأنها «أكبر فضيحة استخباراتية في تاريخ ألمانيا».

حتى رئيس لجنة الرقابة البرلمانية حذر من المقارنات المبكرة مع فضيحة غونتر غيوم في سبعينيات القرن الماضي، لأن تفاصيل القضية وحجم الضرر الذي أصاب ألمانيا وشركاءها الاستخباراتيين لم تتضح بعد. 

والأهم أن هانينغ متهم وليس مداناً، ومحاميه يقول إن موكله كان بالفعل بحوزته وثائق سرية لكنه ينفي أنه نقل معلومات أضرت بألمانيا أو أنه حصل عليها مقابل المال. 

ماذا بعد؟

محكمة العدل الاتحادية الألمانية وضعت هانينغ في الحبس الاحتياطي، فيما يستمر التحقيق لتحديد:

  • ما طبيعة الوثائق التي خرجت من الـBND؟
  • من حصل عليها فعلياً؟
  • هل وصلت إلى جهاز استخبارات أجنبي؟
  • ما حجم الضرر الذي أصاب ألمانيا وشركاءها؟
  • ما الدور الدقيق الذي لعبه مانفريد د.؟
  • وهل توجد شخصيات أخرى داخل أو خارج جهاز الاستخبارات متورطة؟
  • وما العلاقة الكاملة بين ملف التجسس وقضية كريستينا بلوك؟

أما محاكمة كريستينا بلوك وديلينغ في هامبورغ فما زالت مستمرة، ومن المقرر أن تستأنف في 13 أكتوبر/تشرين الأول، فيما حددت المحكمة مهلة لطلبات الدفاع حتى 28 أكتوبر قبل الانتقال إلى المرافعات الختامية. 

الخلاصة

المؤكد حتى الآن ليس أن «رئيس الاستخبارات الألمانية باع أسرار ألمانيا لأعدائها»، بل أن الرئيس السابق للـBND أوغست هانينغ محتجز بشبهة التجسس والخيانة والحصول على أسرار الدولة، وأن التحقيقات تقول إنه حصل عبر موظف سابق على نحو 2000 وثيقة من داخل الجهاز، واستخدم بعضها في نشاطه الاستشاري، مع اشتباه في إعداد تحليل لصالح جهاز استخبارات أجنبي لم تُكشف هويته رسمياً.

واللافت أن هذه القضية ظهرت إلى السطح أثناء التحقيق في ملف اختطاف طفلي كريستينا بلوك، وهو ما جعل قضية عائلية جنائية تتحول إلى ملف يمس الأمن القومي الألماني. 

 


📰 أخبار ذات صلة

تابع آخر الأخبار على Baznews

Schreibe einen Kommentar

Deine E-Mail-Adresse wird nicht veröffentlicht. Erforderliche Felder sind mit * markiert

Diese Website verwendet Akismet, um Spam zu reduzieren. Erfahre, wie deine Kommentardaten verarbeitet werden.