الرجل البخاخ السوري ورحلة البحث عن أرض الأمان

سوريا – مروان مجيد الشيخ عيسى

في بدايات الثورة السورية ظهر مايسمى بالرجل البخاخ، الرجل الذي لم يكن يعرفه أحد  يظهر مع حلول الظلام ويختفي عند ظهور الضوء، رجل نذر كل وقته في سبيل أن يكتب عبارات تشق غبار غبار الظلم والطغيان.

فقد ولد الرجل البخاخ في قرية مؤيدة للنظام ورغم أنه كان ينتمي لحزب البعث بسبب تلقي تعليمه في مدارس النظام والتي كانت تجبر جميع الطلاب على الانتساب للحزب، لكنه كان يحمل الفكر الثوري ومؤيداً لهذه الثورة منذ أيامها الأولى.

واعتاد على الذهاب إلى حمص بسرية تامة ودون علم أهالي قريته، للمشاركة في المظاهرات السلمية حينها، وكان يشارك في وضع بعض الملصقات والمناشير على الجدران، ولكن سرعان ما تم كشفه من قبل أعين النظام الساهرة على الغدر والمكيدة ليوضع تحت المراقبة منذ ذلك الوقت وبات مطلوباً للأفرع الامنية .

وحينها استشهد شقيقه الصغير الذي لم يكن قد تجاوز العاشرة من عمره بقذيفة للنظام أثناء عودته من المدرسة، فاضطر حينها للهروب مع عائلته إلى لبنان وللأسف بسبب وحشية النظام ودك المنطقة بالصواريخ العشوائية تعرض أثناء هروبه لإصابة بالغة .

وأودت القذائف في حينها بحياة الكثير من الناس معه وكادت أن تودي بحياته، وتم إسعافه ومحاولة علاجه على الحدود اللبنانية، وبسبب خطورة الإصابة لم يتم معالجته في المشافي الميدانية، ما اضطر الهيئات الطبية التي كانت تعمل على الأراضي السورية اللبنانية إلى طلب الإسعاف من الصليب الأحمر الدولي العامل في لبنان وبعد جهد جهيد وبمساعدة شخص لبناني مناصر للثورة تم نقله إلى أحد المشافي، وخضع هناك لعملية جراحية بالغة الخطورة ليعود إلى الحياة، ولكن هذه الإصابة حرمته من إمكانية الإنجاب .

وعاش ظروفاً صعبة للغاية في لبنان وتعرض خلالها للمضايقات والمساءلات من قبل الفروع الأمنية اللبنانية.

وحينها شعر بخطورة بقائه في لبنان وقرر الخروج منها بشتى الوسائل قبل فوات الأوان وتمكن من السفر إلى ليبيا بجواز سفر صادر عن النظام كان لديه، ولكن لم يتـمكن من البقاء في ليبيا بسبب توتر الأوضاع الأمنية هناك، فانتقل إلى الجزائر ولكن للأسف قبل وصوله إلى العاصمة الجزائر تعرض للاعتقال على يد الأمن الجزائري مع عدد من السوريين وبقوا حوالي الشهرين، وتم عرضهم على مجلس القضاء الجزائري قسم الجنح.

وأقر مجلس القضاء بتبرئتهم من تهمة دخول الجزائر بطريقة غير شرعية تبعا للقانون الجزائري الذي يمنح الأشخاص الفارين من دول الصراع حق اللجوء ولكن عدل القضاء تبخر فيما بعد لتأتي سلطة المحكمة العسكرية الجزائرية الآمرة الناهية في البلاد وتقرر غير آبهة لقرارات العدل إعادتهم إلى السجن.

وتم إبلاغهم أن السلطات الجزائرية ستقوم بتسليمهم للنظام وكان بينهم منشقون ومطلوبون للنظام .

لكن وسائل الإعلام والناشطين أثاروا القضية حينها، ما أحدث ضجة كبيرة اضطرت السلطات الجزائرية للعدول عن رأيها بتسليمهم إلى النظام لتقوم بإرسالهم إلى صحراء النبجر، وكان من بين المرحلين ابنة عم له تقيم في الجزائر منذ سنوات، وبقوا يومين إلى أن وصلوا إلى صحراء النيجر جنوبي الجزائر.

وتمكن مع عدد من اللاجئين من العودة إلى الجزائر سيراً على الأقدام عبر الصحراء حتى وصلوا إلى أطراف قريه جزائرية صغيرة كان يسكنها مهربون لسوء الحظ.

وبقوا عند المهربين حوالي 10 أيام بحكم المخطوفين ليفاوضوا أقارب كل شخص منهم على دفع فدية من أجل إعادته إلى الجزائر من عين قزام إلى تمنرست وبعدها إلى الداخل الجزائري.

وعودتهم إلى الجزائر كانت صعبة وغير ممكنة لأنهم كانوا قد بصموا لدى السلطات الجزائرية على الطرد النهائي من التراب الجزائري كما جاء في وثائق تمكن من الاحتفاظ بنسخة منها ،هذا يعني انهم سيكونون عرضة للاعتقال من جديد لدى عودتهم إلى الأراضي الجزائرية، وهنا عرفوا أنهم لا حل إلا بالخروج من البلدان العربية بالكامل إلى أوروبا.

فأقام عند أقارب له بالقرب من المكان الذي كانوا محتجزين فيه وبدأ بعدها بالبحث عن مخرج إلى أوروبا بعد أن خسر كل ما معه من نقود أخذها المهربون فاستطاع الاستدانة من أقاربه ومحاولة الهرب بالبحر، ومحاولة الهروب الأولى كانت فاشلة وكانت الرحلة من مدينة وهران باتجاه اسبانيا وتمكن في المرة الأخيرة من الوصول إلى المغرب ومنها إلى اسبانيا وصولاً إلى ألمانيا أخيراً.

وحسب منظمات حقوقية فإن السلطات الجزائرية رحلت خلال شهري تشرين الثاني وتشرين الأول 2022، العشرات من طالبي اللجوء السوريين إلى منطقة صحراوية محاذية لحدود النيجر، في إجراء تمارسه مع المهاجرين وطالبي اللجوء الواصلين إلى أراضيها بغية التوجه إلى القارة الأوربية.

وكانت قد أفادت منظمة سوريون من أجل الحقيقة والعدالة في تقرير لها حينها أن عمليات الترحيل وإجراءات الاعتقال التي سبقتها، ترافقت بارتكاب الشرطة الجزائرية تجاوزات بحقهم، تمثلت في سلبهم معظم مقتنياتهم الشخصية ذات القيمة ومعاملتهم بقسوة خلال الترحيل وسط غياب الإجراءات الواجبة للاعتراض على الترحيل.

ونقلت عن مهاجرين وطالبي لجوء تأكيدهم تعرضهم لعمليات سلب شملت مصادرة أموال وهواتف محمولة ومتعلقات شخصية، إضافة إلى نقلهم إلى منطقة صحراوية خالية لا تتوفر فيها مقومات الحياة.

وأشارت إلى اتباع السلطات الجزائرية سياسة الترحيل مع مهاجرين أو طالبي لجوء أو لاجئين دخلوا أراضيها، إلى منطقة صحراوية على الحدود مع النيجر تسمى النقطة صفر وسط اتهامات بارتكاب جملة من الانتهاكات.

فالدستور الجزائري يحظر بالإعادة القسرية للاجئين السياسيين ، ولكن لا يذكر الحق في طلب اللجوء. لا يعترف باحتياجات الذين هربوا من الاضطهاد وغيره من أشكال العنف، وفقا لاتفاقية عام 1951 المتعلقة بوضع اللاجئين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *