مصر وسوريا بعد سقوط الأسد: كيف تقرأ القاهرة مستقبل دمشق الجديدة؟
قراءة في هواجس مصر وتحركاتها السياسية وفق كتاب “حبل السرة: مصر وسوريا – تحديات الحرب وما بعد الأسد”
مقدمة
في واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، عادت العلاقة بين مصر وسوريا لتحتل موقعاً مركزياً في النقاشات السياسية العربية، خصوصاً بعد سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وظهور سلطة جديدة تحاول إعادة تشكيل الدولة السورية وسط توازنات إقليمية ودولية شديدة التعقيد.
هذه التحولات دفعت القاهرة إلى إعادة تقييم مقاربتها التقليدية تجاه سوريا، لكن دون التخلي عن ثوابتها التاريخية المرتبطة بالأمن القومي العربي ومفهوم الدولة الوطنية.
في هذا السياق، يبرز كتاب “حبل السرة: مصر وسوريا – تحديات الحرب وما بعد الأسد” للكاتب والباحث اللبناني ميشال نجيب أبو نجم كواحد من أهم الكتب السياسية العربية التي حاولت تفسير الموقف المصري تجاه سوريا، وتحليل جذور السياسة الخارجية المصرية، وكيف تنظر القاهرة إلى التحولات السورية الجديدة.
الكتاب، الصادر عام 2025 عن دار سائر المشرق، لا يكتفي بسرد الوقائع السياسية، بل يحاول الغوص عميقاً في العقل الاستراتيجي المصري، لفهم أسباب الحذر المصري تجاه الحكومة السورية الجديدة، ومخاوف القاهرة من المرحلة المقبلة، والخيارات التي قد تعتمدها لمواجهة التحديات القادمة.
—
سوريا في الوعي الاستراتيجي المصري
يشير ميشال أبو نجم في كتابه إلى أن سوريا بالنسبة لمصر ليست مجرد دولة عربية تمر بأزمة سياسية، بل تمثل جزءاً من العمق التاريخي والاستراتيجي للأمن القومي المصري.
فالعلاقة بين القاهرة ودمشق ليست علاقة عابرة، بل تعود جذورها إلى عقود طويلة من التداخل السياسي والعسكري والفكري، بدءاً من مرحلة القومية العربية، مروراً بتجربة الجمهورية العربية المتحدة، وصولاً إلى التنسيق العسكري في حرب أكتوبر 1973.
ويرى الكاتب أن مصر تعتبر سوريا “بوابة المشرق العربي”، وأن استقرارها أو انهيارها ينعكس مباشرة على مجمل التوازنات الإقليمية.
ولهذا السبب، لم تنظر القاهرة إلى الحرب السورية بوصفها صراعاً داخلياً فحسب، بل باعتبارها معركة مرتبطة بمستقبل النظام العربي كله.
—
لماذا تخشى مصر التغيير الجذري في سوريا؟
بحسب تحليل الكتاب، فإن الدولة المصرية تنظر بريبة إلى أي تحول جذري قد يؤدي إلى انهيار مؤسسات الدولة السورية أو سيطرة جماعات أيديولوجية على الحكم.
ويشرح أبو نجم أن التجربة المصرية بعد عام 2011 لعبت دوراً محورياً في تشكيل هذه الرؤية، خصوصاً بعد وصول جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة في مصر، ثم الصدام العنيف بينها وبين المؤسسة العسكرية.
هذه التجربة جعلت القاهرة تنظر بحذر شديد إلى صعود أي تيارات إسلامية داخل المنطقة، بما في ذلك داخل سوريا الجديدة.
ومن هنا، فإن المخاوف المصرية لا ترتبط فقط بشكل الحكومة السورية الجديدة، بل بطبيعة المشروع السياسي الذي قد تمثله.
—
كيف تنظر مصر إلى الحكومة السورية الجديدة؟
يؤكد الكتاب أن القاهرة تتعامل مع السلطة الجديدة في دمشق وفق قاعدة “الاعتراف الواقعي دون الثقة الكاملة”.
أي أن مصر تدرك أن النظام السابق انتهى، وأن هناك سلطة جديدة باتت تتحكم بالواقع السوري، لكنها في الوقت نفسه لا تزال تشكك في قدرة هذه السلطة على بناء دولة مستقرة وموحدة.
ويرى ميشال أبو نجم أن الموقف المصري الحالي يقوم على عدة تساؤلات أساسية:
– هل تستطيع الحكومة الجديدة ضبط الفصائل المسلحة؟
– هل ستتحول سوريا إلى دولة مؤسسات أم إلى ساحة نفوذ متصارعة؟
– ما حجم النفوذ التركي داخل السلطة الجديدة؟
– هل ستتمكن دمشق من الحد من الجماعات المتشددة؟
– وهل يمكن أن تعود سوريا إلى محيطها العربي بطريقة مستقرة؟
هذه الأسئلة، بحسب الكتاب، تفسر الحذر المصري الواضح في التعامل مع المشهد السوري الجديد.
—
أبرز مخاوف مصر من الحكومة السورية الجديدة
أولاً: صعود الإسلام السياسي
يعتبر الكاتب أن هذا الملف يشكل “الهاجس الأكبر” بالنسبة للقاهرة.
فالنظام المصري الحالي يرى أن جماعات الإسلام السياسي تمثل تهديداً مباشراً لاستقرار الدولة الوطنية، ولذلك تخشى القاهرة من أن تتحول سوريا إلى منصة جديدة لإعادة إنتاج هذه التيارات.
ويربط الكتاب بين هذا الموقف وبين تجربة مصر مع جماعة الإخوان المسلمين بعد ثورة يناير، حيث تشكلت داخل المؤسسة المصرية قناعة بأن صعود الحركات الإسلامية إلى الحكم يؤدي غالباً إلى صدامات داخلية وعدم استقرار طويل الأمد.
ولهذا، فإن القاهرة تراقب بدقة طبيعة القوى السياسية والعسكرية المؤثرة في دمشق الجديدة، وتحاول التمييز بين القوى البراغماتية والقوى العقائدية المتشددة.
—
ثانياً: الفوضى الأمنية والجماعات المسلحة
يشير الكتاب إلى أن مصر تعتبر استمرار تعدد الفصائل المسلحة داخل سوريا تهديداً مباشراً للأمن العربي.
فالقاهرة تخشى أن تتحول سوريا إلى بيئة مفتوحة للتنظيمات المتطرفة والجماعات العابرة للحدود، خصوصاً في ظل وجود كميات ضخمة من السلاح، وخبرات قتالية تراكمت خلال سنوات الحرب.
ويرى أبو نجم أن مصر تنطلق هنا من تجربة دول عربية أخرى شهدت انهياراً أمنياً بعد سقوط مؤسساتها، مثل ليبيا والعراق.
ولهذا السبب، تصر القاهرة على فكرة “الدولة المركزية” واحتكار الجيش للسلاح.
—
ثالثاً: النفوذ التركي المتزايد
من أكثر النقاط التي ركز عليها الكتاب الحديث عن القلق المصري من التوسع التركي داخل سوريا.
فالقاهرة ترى أن أنقرة نجحت خلال سنوات الحرب في بناء نفوذ عسكري وسياسي كبير داخل الأراضي السورية، عبر دعم فصائل متعددة وتثبيت وجود مباشر في بعض المناطق.
ويشرح الكاتب أن مصر تعتبر هذا النفوذ تهديداً مزدوجاً:
– تهديداً للتوازن العربي داخل المنطقة،
– وتهديداً بسبب العلاقة التركية مع تيارات الإسلام السياسي.
لذلك، تخشى القاهرة من أن تتحول سوريا إلى ساحة نفوذ تركية طويلة الأمد تؤثر على موازين القوى في الشرق الأوسط.
—
رابعاً: احتمال تقسيم سوريا
من أبرز النقاط التي يناقشها الكتاب أيضاً خوف مصر من تفكك الدولة السورية.
فوجود مناطق نفوذ متعددة، وانقسامات إثنية وطائفية، وصعود قوى محلية مسلحة، كلها عوامل تجعل القاهرة تنظر بقلق إلى مستقبل وحدة سوريا.
ويرى ميشال أبو نجم أن مصر تعتبر تقسيم سوريا “سابقة خطيرة” قد تفتح الباب أمام إعادة رسم خرائط المنطقة العربية بالكامل.
ولهذا، بقيت القاهرة متمسكة بمبدأ وحدة الأراضي السورية حتى في أصعب مراحل الحرب.
—
كيف تصرفت مصر تجاه الحكومة السورية الجديدة؟
سياسة الحذر المدروس
يوضح الكتاب أن القاهرة اعتمدت سياسة “الحذر المدروس”، أي عدم الانخراط الكامل مع السلطة الجديدة، وعدم القطيعة معها في الوقت نفسه.
فمصر تدرك أن تجاهل الواقع السوري الجديد غير ممكن، لكنها أيضاً لا تريد منح شرعية كاملة قبل التأكد من طبيعة النظام القادم.
ولهذا السبب، جاءت التصريحات المصرية متوازنة، مع التركيز الدائم على:
– وحدة سوريا،
– استقرار المؤسسات،
– ومحاربة الإرهاب.
—
فتح قنوات اتصال أمنية
رغم التحفظ السياسي، حافظت القاهرة على قنوات اتصال أمنية ودبلوماسية مع دمشق الجديدة.
ويعتبر الكاتب أن هذا السلوك يعكس طبيعة المقاربة المصرية التي تضع الأمن فوق الاعتبارات الأيديولوجية.
فالقاهرة تريد:
– مراقبة التطورات عن قرب،
– فهم توازنات القوى الجديدة،
– منع تمدد الجماعات المتشددة،
– والحفاظ على دور مصري داخل الملف السوري.
—
دعم فكرة الدولة الوطنية
منذ بداية الأزمة السورية، بقيت مصر متمسكة بفكرة الدولة الوطنية المركزية.
ويرى أبو نجم أن القاهرة تعتبر انهيار مؤسسات الدولة أخطر بكثير من بقاء أي نظام سياسي.
ولهذا، دعمت مصر باستمرار:
– الحفاظ على الجيش السوري،
– بقاء المؤسسات الرسمية،
– ورفض سيناريوهات التقسيم والفوضى.
—
كيف سينعكس ذلك مستقبلاً؟
هل تتجه العلاقة نحو التقارب؟
يرى الكتاب أن مستقبل العلاقة بين القاهرة ودمشق سيعتمد على سلوك الحكومة السورية الجديدة خلال السنوات المقبلة.
فإذا نجحت السلطة الجديدة في:
– بناء مؤسسات مستقرة،
– تقليص نفوذ الجماعات المتشددة،
– الحفاظ على وحدة الدولة،
– وتقليل التدخلات الخارجية،
فإن مصر قد تتجه نحو انفتاح تدريجي يشمل:
– تعاوناً سياسياً،
– تنسيقاً أمنياً،
– وربما شراكات اقتصادية وإعادة إعمار.
—
أم أن الحذر سيستمر؟
لكن الكاتب يعتبر أن السيناريو الأقرب حالياً هو استمرار الحذر المصري.
فالقيادة المصرية ما تزال ترى أن المشهد السوري هش وغير مستقر، وأن موازين القوى داخله لم تُحسم بعد.
ولهذا، من المرجح أن تستمر القاهرة بسياسة:
– التواصل المحدود،
– والانفتاح المشروط،
– والتعاون الأمني المدروس.
—
كيف ستتصدى مصر لمخاوفها؟
أولاً: تعزيز العمل العربي
يشير الكتاب إلى أن القاهرة ستحاول إعادة سوريا تدريجياً إلى الإطار العربي، بهدف تقليل النفوذ الإقليمي غير العربي داخلها.
وترى مصر أن الحل العربي يبقى أقل كلفة من ترك الساحة للقوى الخارجية.
—
ثانياً: توسيع التعاون الأمني
من المتوقع أن تستمر مصر في تعزيز التنسيق الأمني والاستخباراتي مع دمشق، خصوصاً في ملفات:
– الإرهاب،
– الحدود،
– والجماعات المسلحة.
—
ثالثاً: بناء توازنات إقليمية
ستواصل القاهرة سياسة التوازن بين مختلف القوى الإقليمية والدولية، لتجنب انزلاق سوريا بالكامل نحو محور واحد.
—
خاتمة
يكشف كتاب “حبل السرة: مصر وسوريا – تحديات الحرب وما بعد الأسد” أن السياسة المصرية تجاه سوريا لا تقوم على ردود فعل آنية، بل تستند إلى رؤية استراتيجية عميقة مرتبطة بمفهوم الدولة الوطنية والأمن القومي العربي.
فالقاهرة لا تنظر إلى الحكومة السورية الجديدة فقط من زاوية من يحكم دمشق، بل من زاوية السؤال الأكبر:
هل تستطيع سوريا العودة كدولة مستقرة وموحدة؟
ولهذا، ستبقى مصر في المرحلة المقبلة بين خيارين:
– الانفتاح التدريجي إذا نجحت السلطة الجديدة في تثبيت الاستقرار،
– أو استمرار الحذر إذا بقيت الفوضى والصراعات والنفوذ الخارجي مسيطراً على المشهد السوري.
وفي كل الأحوال، يبدو أن العلاقة بين القاهرة ودمشق ستظل واحدة من أكثر العلاقات تأثيراً في مستقبل المنطقة العربية خلال السنوات المقبلة.