صرخات تحت الأنقاض حين تحالف السوط والعمامة لقتل الطفولة في سوريا
مقال وراي / baznews
على مدار سنوات طوال، لم تكن الأرض السورية مجرد جغرافيا تئن تحت وطأة الحرب، بل تحولت إلى مسرح لملحمة حزينة صيغت فصولها بدماء الأبرياء ودموع الأمهات، وتجسدت معالمها في لوحات الألم التي تفطر القلوب، كحال العائلات والأطفال الذين غيبهم الموت دون ذنب. إن الجرائم التي ارتكبها نظام الأسد ومليشياته لم تكن لتصل إلى هذه الدرجة من الوحشية والانتشار لولا وجود منظومة متكاملة من الأعوان الذين أعمى الطمع والولاء الأعمى قلوبهم، فصاروا شركاء مباشرين في سفك دماء الشعب السوري، حتى لم يسلم من بطشهم طفل رضيع أو شيخ عاجز.
بدأت المأساة عندما انحرف الجيش، الذي كان يُفترض أن يكون حصناً لحماية المواطنين، عن عقيدته العسكرية ليتحول إلى أداة قمع موجهة نحو الصدور العارية. وبدلاً من توجيه السلاح نحو الأعداء، دكت المدافع والصواريخ الأحياء السكنية في حمص وحلب والغوطة ودرعا. لم يفرق القصف بين مقاتل وطفل يختبئ في قبو منزله، بل غدت أشلاء الأطفال تحت الركام شاهداً حياً على خيانة الأمانة، وتحول الجنود إلى أدوات تنفذ أوامر القتل بدم بارد، معززين بمليشيات طائفية عاثت في الأرض فساداً وارتكبت مجازر يندى لها جبين الإنسانية.
الأشد إيلاماً في هذه الفاجعة كان الدور الذي لعبه بعض “علماء الدين” ومفتي البلاط، الذين اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً. وبدلاً من أن يكونوا صوتاً للحق ونصرة للمظلوم، تحولوا إلى بوق تبرير للنظام. اعتلى هؤلاء المنابر ليباركوا عمليات الجيش، واصفين الضحايا والمعارضين بأقذع الأوصاف، بل وصل الأمر ببعضهم إلى إطلاق فتاوى تشرعن سحق المدن وإبادة سكانها. لقد منحت هذه العمائم غطاءً “مقدساً” لجرائم يرفضها كل دين وعرف إنساني، فكانوا شركاء في كل قطرة دم سُفكت بناءً على فتاواهم المسمومة.
وفي أروقة السياسة والمؤسسات الحزبية، كان أعضاء حزب البعث وأعضاء مجلس الشعب يمارسون دوراً لا يقل بشاعة. ففي الوقت الذي كانت فيه البراميل المتفجرة تحصد أرواح العائلات في بيوتها، كان أعضاء مجلس الشعب يتبارون في إلقاء خطابات الولاء والتصفيق الحار لرأس النظام، مطالبين بالمزيد من الحزم والحسم العسكري والذي يعنّي عملياً مزيداً من الدمار أما الكوادر البعثية في المدن والقرى، فقد تحولت إلى خلايا رصد وملاحقة، تقود الحملات الأمنية وتبرر تصفية المدنيين تحت شعار المؤامرة الكونية.
أما المأساة الاجتماعية الأعمق، فتمثلت في شبكات المخبرين وكتبة التقارير هؤلاء الذين باعوا ضمائرهم وجيرانهم، وأحياناً أقاربهم، مقابل مكاسب رخيصة أو تقرباً من الأجهزة الأمنية. كانت جرة قلم من مخبر كفيلة بإخفاء عائلة كاملة وراء قضبان المعتقلات المظلمة، حيث الموت تحت التعذيب هو المصير المحتوم. بوشاياتهم، حُرم آلاف الأطفال من آبائهم، وسيق الأبرياء إلى مسالخ بشريّة لا ترحم، ليصبح المخبر العين التي يرى بها القاتل ضحيته.
في نهاية المطاف، قد يفلت المجرمون من عدالة الأرض مؤقتاً، وقد يظن من أعان على قتل الأطفال والنساء أنه في مأمن من العقاب. لكن التاريخ لن يرحم، ودماء الأبرياء ستبقى لعنة تطارد القاتل وكل من صفّق له، أو أفتى بجواز فعله، أو كتب تقريراً ساق بريئاً إلى حتفه. وأمام العدالة الإلهية، ستقف تلك الأرواح الصغيرة لتشير بأصابعها إلى كل من خذلها وأعان على قتلها، وحينها لن تنفع المناصب ولا الفتاوى المزيفة، فعند الله تجتمع الخصوم يا من أعنتم قاتلنا.
أ.مروان مجيد عبدالله
