تحليل سياسي – BAZ News
لم تكن نتائج الانتخابات الأميركية والإسرائيلية الأخيرة مجرد أرقام لتوزيع المقاعد وتحديد موازين القوى داخل المؤسسات التشريعية؛ فقد جاءت في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، بعد حرب طويلة ومكلفة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، امتدت تداعياتها إلى أسواق الطاقة وأمن الخليج والاقتصاد العالمي.
وبينما خسر الجمهوريون بقيادة الرئيس دونالد ترامب السيطرة على مجلسي الكونغرس، فقد معسكر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أغلبيته البرلمانية، في تطور يعكس حجم الضغوط السياسية التي تواجه الرجلين.
لكن السؤال الأهم يتجاوز نتائج الانتخابات: هل نجحت إيران في تحويل حرب استهدفت برنامجها النووي وصواريخها ونظامها السياسي إلى أزمة استراتيجية واقتصادية لخصومها؟ وهل أصبحت كلفة استمرار الحرب أكبر من المكاسب التي كان يفترض أن تحققها واشنطن وتل أبيب؟
القراءة الأولية للنتائج والتطورات تشير إلى أن إيران لم تحقق انتصاراً عسكرياً تقليدياً، لكنها نجحت في فرض معادلة استنزاف معقدة، وأجبرت خصومها على التعامل مع ملفات لم تكن في مقدمة أهداف الحرب، وفي مقدمتها مضيق هرمز وأمن الطاقة والوجود العسكري الأميركي في المنطقة.
أولاً: الانتخابات الأميركية.. عقاب سياسي لحرب مكلفة
شكّلت انتخابات التجديد النصفي الأميركية في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 ضربة سياسية كبيرة لترامب وحزبه الجمهوري، بعدما تمكن الديمقراطيون من انتزاع السيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب، منهين بذلك سيطرة الجمهوريين على السلطتين التشريعيتين.
وبحسب وكالة رويترز، جاءت النتائج في ظل غضب الناخبين من ارتفاع تكاليف المعيشة، وكان للحرب مع إيران وارتفاع أسعار الوقود دور بارز في تراجع شعبية الجمهوريين.
والأكثر دلالة أن ترامب نفسه أقر بأن الحرب وارتفاع أسعار البنزين أضرا بفرص حزبه الانتخابية، فيما أشار نائب الرئيس جيه دي فانس أيضاً إلى تأثير الحرب في خسارة الجمهوريين.
هذه النتيجة لا تعني سقوط ترامب من الرئاسة، لكنه دخل مرحلة سياسية أكثر صعوبة، إذ بات عليه التعامل مع كونغرس تسيطر عليه المعارضة، بما يفتح الباب أمام التحقيقات البرلمانية والرقابة على إدارته وقراراته العسكرية والمالية.
ومن هنا يمكن قراءة الانتخابات باعتبارها رسالة من شريحة واسعة من الناخبين الأميركيين بأنهم لا يريدون دفع فاتورة حرب طويلة ومفتوحة، خصوصاً عندما تنعكس نتائجها على حياتهم اليومية وأسعار الوقود والطاقة.
وتدعم ذلك نتائج استطلاع جامعة ماركيت للقانون، المنشور في سبتمبر/أيلول 2026، إذ قال 87% من الأميركيين الذين شملهم الاستطلاع إن الولايات المتحدة لم تحقق أهدافها في الحرب، بينما رأى 79% أن الحرب لم تكن تستحق تكلفتها.
هذه الأرقام لا تثبت أن الحرب كانت السبب الوحيد في الهزيمة الانتخابية، لكنها تكشف اتساع الفجوة بين الأهداف التي أعلنتها الإدارة الأميركية والنتائج التي يعتقد المواطنون أن بلادهم حققتها.
ثانياً: نتنياهو يخسر الأغلبية.. لكنه لم يسقط نهائياً
في إسرائيل، جاءت الانتخابات بنتيجة لم تمنح بنيامين نتنياهو ومعسكره القدرة على تشكيل حكومة مستقرة بأغلبية برلمانية.
فقد حصل معسكر نتنياهو على 53 مقعداً، مقابل 48 مقعداً لمعسكر المعارضة، فيما حصلت الأحزاب العربية على 19 مقعداً من أصل 120 في الكنيست، وفق النتائج التي أوردتها وكالة أسوشيتد برس.
وهذا يعني أن نتنياهو لم يعد يمتلك الأغلبية اللازمة للحكم منفرداً، لكنه لم يغادر السلطة تلقائياً، إذ لا تزال أمامه مفاوضات ائتلافية معقدة، وقد ينجح في استقطاب أطراف أخرى لتشكيل حكومة جديدة.
ومع ذلك، فإن النتيجة تمثل تراجعاً سياسياً مهماً لمعسكره، خصوصاً أن الانتخابات جاءت بعد سنوات من الحروب والتصعيد العسكري، وفي ظل انقسام داخلي حول إدارة الحرب ومستقبل العلاقة مع الفلسطينيين والأمن الإقليمي.
لقد راهن نتنياهو على القوة العسكرية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، وإضعاف خصوم إسرائيل، وفرض واقع إقليمي جديد. لكن النتائج السياسية لا تقدم له تفويضاً واضحاً لمواصلة النهج نفسه، بل تكشف أن المجتمع الإسرائيلي نفسه منقسم بشأن مستقبل قيادته وسياساته.
ومن المهم هنا عدم اعتبار نتيجة الانتخابات حكماً نهائياً على الحرب أو استفتاءً حصرياً عليها؛ فالملفات الداخلية، ومنها الإعفاءات من الخدمة العسكرية للأحزاب الحريدية، والأزمة السياسية والأمنية، كانت أيضاً من عوامل المنافسة الانتخابية.
ثالثاً: من البرنامج النووي وتغيير النظام إلى مضيق هرمز
عندما بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل عملياتهما العسكرية ضد إيران في 28 فبراير/شباط 2026، كانت الأهداف المعلنة تتجاوز مجرد توجيه ضربات عسكرية محدودة.
تضمنت الأهداف الأميركية والإسرائيلية:
- تدمير القدرات النووية الإيرانية ومنع طهران من امتلاك سلاح نووي.
- تدمير البرنامج الصاروخي الباليستي ومنشآت إنتاج الصواريخ.
- إضعاف البحرية الإيرانية والقدرات العسكرية.
- تقليص نفوذ إيران الإقليمي وقدرات حلفائها.
- إضعاف النظام الإيراني وتهيئة الظروف لتغييره.
وقد تحدث ترامب علناً عن إمكانية أن يؤدي الهجوم إلى إسقاط النظام، كما دعا الإيرانيين إلى تولي زمام الحكم في بلادهم.
لكن ما حدث لاحقاً لم يتطابق مع الصورة التي رُسمت في بداية الحرب.
تعرضت إيران لضربات واسعة، وخسرت قيادات ومنشآت وقدرات عسكرية، كما لحقت أضرار كبيرة ببنيتها التحتية واقتصادها. ومع ذلك، لم يسقط النظام، ولم تتحقق أهداف الحرب المعلنة بالكامل، وبقيت إيران قادرة على الرد وفرض تكاليف على خصومها وعلى دول المنطقة.
وهنا حدث التحول الأهم: لم يعد الملف النووي والصاروخي وحده محور المواجهة، بل أصبح مضيق هرمز واحداً من أهم الملفات التي لا يمكن تجاوزها في أي تسوية.
فالممر البحري الذي يمر عبره نحو خُمس الاستهلاك العالمي من النفط أصبح ساحة ضغط استراتيجية، بعد أن أدى إغلاقه الفعلي وتعطل حركة الملاحة فيه إلى اضطرابات واسعة في أسواق الطاقة والتجارة.
وبحسب تقرير صندوق النقد الدولي الصادر في يوليو/تموز 2026، أدى تعطل الملاحة عبر المضيق إلى حرمان الأسواق من تدفقات تقارب 20 مليون برميل يومياً من النفط والمنتجات النفطية، أي ما يعادل نحو خُمس الاستهلاك العالمي.
كما ارتفعت أسعار النفط بصورة كبيرة، ووصل متوسط سعر خام برنت إلى نحو 114 دولاراً للبرميل في سبتمبر/أيلول، وفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية، وسط تصاعد الهجمات على البنية التحتية للطاقة والناقلات في المنطقة.
وهكذا تحولت الحرب من محاولة لتغيير موازين القوة داخل إيران إلى أزمة عالمية تتعلق بحرية الملاحة وأمن الطاقة واستقرار الاقتصاد الدولي.
رابعاً: مضيق هرمز.. الورقة التي غيّرت حسابات الحرب
ربما كان أهم ما حققته إيران استراتيجياً هو قدرتها على نقل جزء من المواجهة إلى ساحة يصعب على الولايات المتحدة وحلفائها تجاهلها.
فإيران لا تحتاج إلى امتلاك تفوق بحري تقليدي على الولايات المتحدة حتى تجعل الملاحة في مضيق هرمز مكلفة وخطرة؛ يكفي أن تمتلك القدرة على تهديد السفن والممرات والمنشآت القريبة، بما يرفع تكاليف التأمين والنقل والطاقة ويضع الاقتصاد العالمي تحت الضغط.
وبذلك أصبح المضيق ورقة تفاوضية وسياسية، وليس مجرد ممر جغرافي.
وتكشف المفاوضات التي تناولتها التقارير الدولية أن إعادة فتح المضيق وترتيبات الملاحة فيه أصبحتا من القضايا الأساسية في أي تسوية محتملة، إلى جانب العقوبات والبرنامج النووي والوجود العسكري الأميركي.
وتحدثت تقارير عن مقترحات إيرانية تتضمن الاعتراف بترتيبات جديدة للملاحة وتخفيف العقوبات وتقليص الوجود العسكري الأميركي، في حين رفضت واشنطن فكرة فرض رسوم أو قيود إيرانية على المرور في المضيق.
وهنا يظهر التناقض الاستراتيجي: بدأت الحرب بهدف تدمير قدرات إيران ومنعها من تهديد المنطقة، لكنها انتهت إلى جعل أمن أحد أهم الممرات التجارية في العالم مرتبطاً مباشرة بالتفاوض مع طهران.
وهذا لا يعني أن إيران فرضت بالفعل سيادة قانونية على المضيق أو حصلت على حق فرض رسوم فيه؛ فهذه مسألة قانونية وسياسية محل خلاف، ولا تزال ترتيباتها النهائية غير محسومة.
خامساً: إيران خسرت كثيراً.. لكنها تعرف كيف تتعامل مع العقوبات
لا يمكن الحديث عن نتيجة الحرب من دون الاعتراف بحجم الخسائر الإيرانية.
فقد تعرضت إيران لضربات عسكرية واسعة، وخسرت قيادات ومنشآت وقدرات عسكرية، وتضررت قطاعات اقتصادية وبنية تحتية، فضلاً عن الخسائر البشرية التي لحقت بها.
لكن هناك عاملاً مهماً في حسابات طهران: إيران ليست دولة تدخل للمرة الأولى في مواجهة اقتصادية مع الغرب.
فمنذ عقود، تعيش تحت أنظمة متعاقبة من العقوبات الأميركية والدولية، الأمر الذي دفعها إلى تطوير شبكات تجارية بديلة، وتعزيز الإنتاج المحلي في قطاعات معينة، والاعتماد على شركاء اقتصاديين خارج المنظومة الغربية.
ولا يعني ذلك أن إيران تجاوزت آثار العقوبات أو أن اقتصادها قوي بلا مشكلات؛ فالعقوبات أضعفت العملة والاستثمار والقدرة الشرائية، وأثقلت كاهل المواطنين، كما أن الحرب أضافت أعباء جديدة إلى اقتصاد يعاني أصلاً.
لكن تجربة العقود الماضية أظهرت أن العقوبات لم تؤدِ وحدها إلى انهيار النظام، وأن طهران طورت قدرة على التكيف مع الضغوط الاقتصادية واستمرار المواجهة لفترات طويلة.
وهنا تكمن إحدى نقاط القوة الإيرانية في حرب الاستنزاف: قدرة الدولة على تحمل الأضرار ومواصلة الضغط، حتى عندما تكون كلفة المواجهة عليها مرتفعة.
لكن ينبغي التمييز بين قدرة النظام على البقاء وقدرة المجتمع على تحمل الأعباء؛ فاستمرار الدولة لا يعني أن الإيرانيين لم يدفعوا ثمناً اقتصادياً وإنسانياً كبيراً.
سادساً: الولايات المتحدة.. خسائر عسكرية واهتزاز في صورة الحماية
لم تقتصر آثار الحرب على إيران، بل امتدت إلى الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط.
فالقواعد الأميركية في الخليج تعرضت لهجمات وأضرار، وأصبح انتشار القوات الأميركية في مواقع قريبة من إيران أكثر عرضة للمخاطر.
وفي تحليل نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، أشار الباحثون إلى أن استمرار الهجمات الإيرانية واستنزاف بعض أنظمة الدفاع والذخائر دفعا واشنطن إلى إعادة توزيع بعض أصولها وعملياتها العسكرية بعيداً عن قواعد الخليج الأكثر تعرضاً للخطر، بما في ذلك نقل قدرات إلى مواقع في إسرائيل والأردن وسورية.
كما قدّر تقرير خدمة أبحاث الكونغرس أن العمليات العسكرية الأميركية كلفت نحو 38 مليار دولار حتى الأول من أغسطس/آب 2026، وفق تقدير مكتب الميزانية في الكونغرس.
وهذه الأرقام لا تشمل بالضرورة جميع التكاليف الاقتصادية والاستراتيجية غير المباشرة للحرب.
أما على مستوى دول الخليج، فقد كشفت الحرب عن معضلة أمنية كبيرة: دول تستضيف قواعد عسكرية أميركية وتعتبر الشراكة مع واشنطن ركيزة لأمنها، لكنها وجدت نفسها في مرمى الضربات والتهديدات، وتعرضت منشآتها الحيوية ومصالحها الاقتصادية لمخاطر مباشرة.
وهذا لا يعني أن الولايات المتحدة تخلت عن حلفائها أو أن منظومات الدفاع الخليجية فشلت بالكامل؛ فقد اعترضت أنظمة الدفاع أعداداً كبيرة من الصواريخ والطائرات المسيّرة. لكن الحرب أظهرت أن الحماية لا تعني منع جميع الأضرار، وأن وجود القواعد الأميركية قد يحوّل بعض الدول إلى أهداف في صراع لا تملك قرار بدايته أو نهايته.
ومن هنا يمكن فهم النقاش المتزايد داخل واشنطن حول مستقبل الانتشار العسكري الأميركي في الخليج، وحول ما إذا كانت القواعد الحالية توفر الحماية أم تزيد من المخاطر في مواجهة خصم يمتلك قدرات صاروخية ومسيّرة.
سابعاً: تراجع صورة إسرائيل في الولايات المتحدة وأوروبا
من أبرز التداعيات السياسية للحرب تراجع صورة إسرائيل لدى قطاعات من الرأي العام الأميركي والأوروبي.
ففي الولايات المتحدة، أظهر استطلاع جامعة ماركيت في سبتمبر/أيلول 2026 أن 59% من المشاركين يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل، مقابل 29% يحملون نظرة إيجابية، كما رأى 55% أن بلادهم تقدم لإسرائيل مساعدات عسكرية أكثر مما ينبغي.
وتشير بيانات مركز بيو للأبحاث إلى أن النظرة السلبية لإسرائيل ارتفعت أيضاً خلال السنوات الأخيرة، وأن نسبة كبيرة من الأميركيين باتت تعبر عن عدم الثقة برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
أما في أوروبا، فقد أظهر استطلاع أوروبي نشرته مؤسسة OpinionWay في يونيو/حزيران 2026 أن 56% من المشاركين يرون أن العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية ضد إيران غير مبررة، فيما أبدى 92% قلقهم من ارتفاع أسعار الغاز والوقود بسبب الحرب.
هذه الأرقام لا تعني أن جميع الأوروبيين أو الأميركيين يتبنون موقفاً واحداً من إسرائيل أو إيران، لكنها تكشف تراجعاً في مستوى التأييد الشعبي للحرب، واتساع الاعتراض على كلفتها ونتائجها.
كما أن استمرار الدعم الأميركي الواسع لإسرائيل، رغم الاعتراضات الشعبية المتزايدة، أصبح قضية داخلية أكثر حساسية، خصوصاً مع صعود أصوات في الكونغرس تطالب بمراجعة المساعدات العسكرية والسياسة الأميركية تجاه الحكومة الإسرائيلية.
ثامناً: دعم ترامب لنتنياهو.. شراكة بلا ضمانات للنتائج
من الصعب فصل مسار الحرب عن طبيعة العلاقة بين ترامب ونتنياهو.
فقد وفر ترامب دعماً سياسياً وعسكرياً واسعاً لإسرائيل، وشارك في الحرب ضد إيران، بينما سعى نتنياهو إلى استثمار الشراكة مع واشنطن لتحقيق أهداف تتجاوز الملف النووي إلى إضعاف النظام الإيراني وتقليص نفوذه الإقليمي.
لكن هذه الشراكة لم تضمن تحقيق الأهداف المعلنة.
فالضربات العسكرية قد تدمر منشآت وتضعف قدرات، لكنها لا تضمن تغيير النظام السياسي، ولا تضمن إنهاء النفوذ الإقليمي، ولا تضمن منع الخصم من استخدام أوراق ضغط جغرافية واقتصادية.
والنتيجة أن ترامب وجد نفسه أمام حرب تسببت في ارتفاع تكاليف الطاقة وأثارت اعتراضات داخلية، بينما وجد نتنياهو نفسه أمام انتخابات لم تمنح معسكره أغلبية برلمانية.
وهنا تبرز مفارقة مهمة: الدعم الأميركي غير المشروط أو شبه المطلق لإسرائيل قد يوفر لها تفوقاً عسكرياً، لكنه لا يحميها بالضرورة من الكلفة السياسية والاستراتيجية لقرارات حكومتها.
تاسعاً: القرارات الأميركية المتناقضة وأزمة صورة واشنطن الدولية
لم تكن الحرب وحدها مصدر التراجع في صورة الإدارة الأميركية؛ فقد جاءت ضمن سلسلة من القرارات التي أثارت انتقادات دولية، خصوصاً في ما يتعلق بالمؤسسات الدولية والقضية الفلسطينية.
ففي فبراير/شباط 2025، أصدر ترامب أمراً تنفيذياً بفرض عقوبات مرتبطة بالمحكمة الجنائية الدولية، على خلفية إجراءاتها وتحقيقاتها التي تطال مسؤولين إسرائيليين وأميركيين.
كما أوقفت الإدارة الأميركية تمويلات ومساعدات كانت موجهة إلى مؤسسات وبرامج دولية، بما في ذلك الدعم الأميركي للأونروا، وهو ما أثار انتقادات من منظمات إنسانية ودولية حذرت من انعكاس ذلك على الفلسطينيين.
هذه القرارات، إلى جانب الدعم العسكري والسياسي لإسرائيل، عززت لدى منتقدي واشنطن الانطباع بأنها تتعامل مع القانون والمؤسسات الدولية بصورة انتقائية، وفقاً لمصالحها السياسية والاستراتيجية.
لكن يجب التمييز بين هذه الملفات والحرب على إيران؛ فالعقوبات على المحكمة الجنائية الدولية ووقف تمويل الأونروا سبقا الحرب الحالية، وإن كانا قد أسهما في تشكيل البيئة السياسية التي جرت فيها المواجهة.
عاشراً: سورية ولبنان والعراق وقطر.. اتساع رقعة المواجهة
لم تبقَ الحرب محصورة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، بل امتدت تداعياتها إلى عدد من دول المنطقة.
ففي لبنان، تصاعدت المواجهة مع حزب الله، وامتدت العمليات الإسرائيلية إلى ضربات واسعة وعمليات برية، فيما بقيت الجبهة اللبنانية جزءاً من الحسابات الإيرانية والإسرائيلية.
وفي سورية، استمرت الضربات الإسرائيلية والتوغلات العسكرية في مناطق مختلفة، وسط واقع أمني هش وتغيرات سياسية وعسكرية عميقة.
أما العراق، فقد أصبح ساحة إضافية للتوتر، في ظل هجمات الفصائل المسلحة على مواقع مرتبطة بالوجود الأميركي، والردود الأميركية، وما رافق ذلك من مخاطر على الاستقرار الداخلي العراقي.
وفي قطر ودول الخليج الأخرى، تعرضت مواقع ومنشآت لهجمات إيرانية خلال الحرب، بما في ذلك مواقع مرتبطة بالوجود العسكري الأميركي، الأمر الذي وضع هذه الدول أمام تحديات أمنية واقتصادية غير مسبوقة.
ومن الضروري هنا عدم نسبة جميع هذه الضربات إلى إسرائيل؛ فبعض الهجمات على دول الخليج والعراق كانت ضمن الرد الإيراني على العمليات الأميركية والإسرائيلية، بينما ارتبطت الضربات الإسرائيلية بساحات أخرى، ومنها لبنان وسورية.
لقد أظهرت الحرب أن قرار التصعيد لا يبقى محصوراً في الجهة التي تبدأه، وأن دول المنطقة قد تجد نفسها تدفع ثمن المواجهة حتى عندما لا تكون طرفاً مباشراً في قرار الحرب.
الحادي عشر: إعادة تموضع القوات الأميركية.. انسحاب أم إعادة انتشار؟
من التطورات التي تستحق التوقف عندها إعادة توزيع القوات الأميركية في سورية والعراق وبعض المواقع الخليجية.
لكن من الضروري التمييز بين الانسحاب الكامل وإعادة الانتشار العسكري.
ففي العراق، كانت هناك خطة سابقة لإنهاء مهمة التحالف الدولي ضد تنظيم داعش خلال عام 2026، مع تحويل العلاقة إلى تعاون أمني ثنائي. ومع اندلاع الحرب مع إيران، تسارعت عملية إعادة تموضع القوات الأميركية وتغيرت طبيعة انتشارها.
وفي سورية، شهد الوجود العسكري الأميركي انسحاباً وإعادة ترتيب للقوات، لكن لا يمكن إرجاع كل هذه التحركات إلى التهديد الإيراني وحده؛ فقد تداخلت فيها قرارات أميركية سابقة وتقييمات أمنية وسياسية أوسع.
أما في الخليج، فقد دفعت الضربات الإيرانية على المنشآت العسكرية واشنطن إلى دراسة تقليص بعض أوجه وجودها وإعادة النظر في مواقع انتشارها.
وبالتالي، فإن الأدق هو الحديث عن تراجع في بعض أنماط الانتشار وإعادة تموضع للقوات الأميركية، وليس القول إن الولايات المتحدة انسحبت بالكامل من المنطقة أو أن إيران أجبرتها وحدها على المغادرة.
الثاني عشر: لماذا لم تتدخل دول العالم عسكرياً لإنقاذ الحرب؟
من اللافت أن الولايات المتحدة لم تتمكن من تشكيل تحالف دولي واسع يشاركها بصورة مباشرة في العمليات العسكرية ضد إيران، رغم حاجتها إلى دعم حلفائها في حماية الملاحة وتأمين إمدادات الطاقة.
فقد فضلت دول أوروبية ودول أخرى تجنب الانخراط المباشر في الحرب، مع التركيز على حماية مصالحها ومواطنيها، والدعوة إلى خفض التصعيد والبحث عن حلول دبلوماسية.
ولا يعني ذلك أن هذه الدول كانت مؤيدة لإيران أو أنها رفضت كل أشكال التعاون العسكري؛ فقد شاركت بعض الدول في إجراءات دفاعية أو قدمت دعماً لوجستياً وأمنياً، لكن ذلك يختلف عن المشاركة في حرب هجومية واسعة.
ويبدو أن الحكومات الغربية أخذت في حساباتها مخاطر توسع الحرب، وارتفاع أسعار الطاقة، واحتمال تعرض قواتها ومنشآتها لهجمات، إضافة إلى الكلفة السياسية الداخلية لمساندة حرب لا يوجد إجماع شعبي على أهدافها أو نتائجها.
وبهذا المعنى، لم تكن واشنطن تواجه إيران وحدها، بل كانت تواجه أيضاً حدود استعداد حلفائها لتحمل تبعات قراراتها العسكرية.
الثالث عشر: من دفع ثمن الحرب؟ الشعوب والاقتصادات أولاً
ربما كان الخاسر الأكبر خارج الحسابات العسكرية هو المواطن العادي، سواء في الدول المتقدمة أو النامية.
فارتفاع أسعار النفط والغاز لم يتوقف عند حدود الخليج، بل انعكس على أسعار الوقود والنقل والكهرباء والسلع والخدمات، وزاد الضغوط التضخمية على اقتصادات تعتمد على الطاقة المستوردة.
كما تضررت قطاعات الطيران والشحن والتأمين والسياحة والصناعة، وواجهت الدول المستوردة للطاقة تحديات إضافية في تأمين الإمدادات.
وفي دول الخليج نفسها، التي تعتمد اقتصاداتها على الطاقة والاستثمار والسياحة والتجارة، كشفت الحرب عن مدى خطورة تعرض البنية التحتية الحيوية والممرات البحرية للتهديد.
أما الإيرانيون، فقد تحملوا أعباء القصف والدمار والعقوبات والتراجع الاقتصادي، بينما تحمل الإسرائيليون والأميركيون تكاليف الحرب والخسائر البشرية والمادية والأمنية.
وهكذا أصبحت الحرب مثالاً واضحاً على أن القرارات العسكرية التي تتخذها الحكومات قد يدفع ثمنها ملايين الأشخاص الذين لا يملكون أي دور في اتخاذها.
هل هزمت إيران ترامب ونتنياهو؟
إذا كان معيار الانتصار هو تدمير القدرات العسكرية للخصم، فإن إيران تعرضت لخسائر قاسية ولا يمكن وصف ما حدث بأنه انتصار إيراني عسكري كامل.
وإذا كان معيار الانتصار هو إسقاط النظام الإيراني أو إنهاء برنامجه النووي والصاروخي بصورة نهائية، فإن الأهداف الأميركية والإسرائيلية المعلنة لم تتحقق بالكامل، وفق المعطيات المتاحة حتى الآن.
أما إذا كان معيار الانتصار هو قدرة الدولة على الصمود، ومنع خصومها من تحقيق أهدافهم السياسية، وفرض تكاليف اقتصادية وعسكرية واستراتيجية عليهم، فإن إيران حققت مكاسب مهمة في هذه المواجهة.
لقد نجحت طهران في إبقاء النظام قائماً، ومواصلة الرد، وتحويل مضيق هرمز إلى قضية مركزية في الحسابات الدولية، ورفع تكلفة الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، وإثارة خلافات داخلية في الولايات المتحدة بشأن جدوى الحرب.
لكن هذه المكاسب لا تلغي أن إيران دفعت ثمناً باهظاً، وأن قدرتها على مواصلة الاستنزاف ليست بلا حدود، وأن مستقبل برنامجها النووي والاقتصاد الإيراني وترتيبات الأمن الإقليمي لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة.
أما ترامب، فقد خسر السيطرة على الكونغرس، وواجه رسالة انتخابية قاسية بشأن الحرب والاقتصاد. ونتنياهو خسر الأغلبية البرلمانية، لكنه لم يُحسم أمر خروجه من السلطة بعد.
الخلاصة: إيران لم تنتصر في الحرب.. لكنها منعت خصومها من إعلان النصر
تكشف نتائج الانتخابات الأميركية والإسرائيلية، إلى جانب التطورات العسكرية والاقتصادية، أن الحرب لم تسر وفق السيناريو الذي رُسم لها في بدايتها.
فواشنطن وتل أبيب دخلتا المواجهة بأهداف استراتيجية واسعة، لكنهما وجدتا نفسيهما أمام حرب استنزاف، وأزمة طاقة عالمية، ومخاطر على أمن الخليج، وأسئلة متزايدة حول مستقبل الوجود العسكري الأميركي في المنطقة.
وفي المقابل، استطاعت إيران، رغم الخسائر الكبيرة، أن تمنع إسقاط نظامها، وأن تحتفظ بأوراق ضغط مؤثرة، وأن تجعل مضيق هرمز جزءاً أساسياً من أي مفاوضات مستقبلية.
ومن هنا يمكن القول إن إيران لم تحقق نصراً عسكرياً حاسماً، لكنها حققت مكسباً استراتيجياً يتمثل في منع خصومها من تحويل تفوقهم العسكري إلى انتصار سياسي نهائي.
أما الولايات المتحدة وإسرائيل، فقد أثبتتا قدرتهما على إلحاق أضرار هائلة بإيران، لكنهما لم تثبتا أن القوة العسكرية وحدها قادرة على فرض نظام إقليمي جديد أو ضمان الاستقرار بعد الحرب.
والسؤال الذي سيحدد النتيجة النهائية ليس من أطلق الصواريخ الأكثر، بل من يستطيع تحويل ما تحقق ميدانياً إلى تسوية سياسية مستدامة، ومن سيكون مستعداً لدفع كلفة استمرار المواجهة.
لقد بدأت الحرب تحت عنوان تدمير قدرات إيران، لكنها انتهت إلى معركة على مضيق هرمز وأسعار الطاقة ومستقبل النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط. وفي هذه المعادلة، لم تكن إيران الطرف الوحيد الذي خسر، ولم تكن واشنطن وتل أبيب الطرفين اللذين استطاعا فرض شروطهما.
إعدادات SEO
عنوان SEO: بعد هزيمة ترامب الانتخابية وخسارة نتنياهو الأغلبية.. هل هزمت إيران خصومها؟
الوصف التعريفي: تحليل لنتائج الانتخابات الأميركية والإسرائيلية وتداعيات الحرب مع إيران، من خسائر الطاقة ومضيق هرمز إلى تراجع النفوذ الأميركي وأزمة نتنياهو السياسية.
الرابط الدائم المقترح:
الكلمات المفتاحية:
التصنيف: تحليلات سياسية – الشرق الأوسط – دولي