بقلم: محمد الحسين
رئيس التحرير/ BAZNEWS
بعد أكثر من خمسة عشر عاماً على اندلاع الثورة السورية في آذار/مارس 2011، وما رافقها من حرب مدمرة ونزوح وتهجير وانهيار اقتصادي واجتماعي واسع، دخلت سوريا مرحلة جديدة بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024.
كان السوريون الذين عاشوا سنوات الحرب ينتظرون من المرحلة الجديدة شيئاً بسيطاً قبل أي شيء آخر: الأمان، والخبز، والمحروقات، والعمل، والقدرة على العيش بكرامة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل تستطيع الحكومة الانتقالية أن تبني سياساتها بما يتناسب مع واقع السوريين، أم أنها تخاطر بتطبيق وصفات اقتصادية وإدارية لا تتلاءم مع بلد خرج من حرب طويلة ومدمرة؟
وهنا تكمن المشكلة الأساسية التي أراها من خلال معايشتي للواقع السوري ومتابعتي اليومية لأوضاع الناس.
السوريون لم يخرجوا من الحرب إلى الرفاهية
لا يمكن التعامل مع سوريا اليوم باعتبارها دولة طبيعية تعاني فقط من أزمة اقتصادية.
سوريا خرجت من أكثر من عقد من الحرب، وقد تعرض اقتصادها وبنيتها التحتية ومؤسساتها وخدماتها الأساسية لضربات هائلة.
ويقدر البنك الدولي أن الناتج المحلي الإجمالي السوري انكمش بأكثر من 50% منذ عام 2010، بينما بلغ نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي نحو 830 دولاراً في عام 2024. كما أشار البنك إلى أن ربع السوريين تقريباً كانوا يعيشون في فقر مدقع، وأن نحو ثلثي السكان كانوا يعيشون تحت خط الفقر الخاص بالدول ذات الدخل المتوسط الأدنى. (البنك الدولي)
وفي عام 2026، لا تزال الاحتياجات الإنسانية ضخمة؛ إذ تشير تقديرات الأمم المتحدة التي نقلتها الحكومة البريطانية إلى أن نحو 15.6 مليون سوري، أي قرابة 60% من السكان، يحتاجون إلى مساعدات إنسانية. (GOV.UK)
لذلك فإن الخطأ الأول الذي يمكن أن تقع فيه أي حكومة هو أن تتعامل مع المواطن السوري كما لو أنه يعيش في اقتصاد مستقر، بينما هو في الحقيقة يخرج من واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية والإنسانية في تاريخ المنطقة الحديث.
المشكلة ليست في الإصلاح الاقتصادي… بل في توقيته وأولوياته
لا أحد يستطيع أن يقول إن سوريا لا تحتاج إلى إصلاح اقتصادي.
بالعكس، سوريا تحتاج إلى إصلاح جذري في المالية العامة، والمصارف، والضرائب، والاستثمار، وإدارة الموارد، والطاقة، والزراعة، والصناعة، ومؤسسات الدولة.
وصندوق النقد الدولي نفسه يرى أن سوريا تحتاج إلى إصلاحات مالية ونقدية، وإعادة تأهيل القطاع المصرفي، وتحسين الإدارة المالية العامة، وتعزيز الإيرادات والإحصاءات الاقتصادية. وفي الوقت نفسه، يؤكد الصندوق أن الفقر ما زال واسع الانتشار وأن النمو غير متوازن بين المناطق. (IMF)
لكن السؤال ليس: هل نصلح الاقتصاد؟
السؤال هو:
من أين نبدأ؟
وهنا أعتقد أن الحكومة الانتقالية تحتاج إلى إعادة ترتيب أولوياتها.
ففي دولة خرجت من حرب، لا يمكن أن تكون الأولوية الأولى هي المؤشرات الاقتصادية المجردة أو جذب الاستثمارات أو تحرير الأسعار قبل تأمين الحد الأدنى من القدرة الشرائية للمواطن.
المواطن السوري لا يستطيع أن يأكل «النمو الاقتصادي».
ولا يستطيع أن يطعم أطفاله بـ«الاستثمار الأجنبي».
ولا يستطيع أن يدفع إيجار منزله بـ«الخطط المستقبلية».
المواطن يريد شيئاً أكثر بساطة
المواطن السوري يريد أن يعمل.
يريد راتباً يستطيع من خلاله شراء الطعام.
يريد محروقات بسعر يستطيع تحمله.
يريد خبزاً وطعاماً ودواءً.
يريد مدرسة لأطفاله.
يريد كهرباء وماء.
ويريد قبل كل شيء أن يشعر أن الدولة التي قاتل من أجلها، أو عاش تحت القصف والتهجير بسببها، أصبحت تحميه ولا تزيد أعباءه.
هذه ليست مطالب رفاهية.
هذه هي الحد الأدنى من شروط الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
وتؤكد تقارير حديثة أن ارتفاع أسعار الغذاء والوقود وضعف القدرة الشرائية ما زالا من أبرز العوامل التي تضغط على السوريين، وأن ارتفاع تكاليف الوقود والنقل ونقص فرص العمل يقيّد النشاط الاقتصادي ودخل الأسر. (GOV.UK)
المواطن لا يعيش داخل جدول اقتصادي
هنا تحديداً تظهر الفجوة التي أخشى أن تتسع بين بعض صناع القرار والمواطن السوري.
قد يرى المسؤول في الأرقام أن رفع الدعم أو تحرير سعر سلعة معينة خطوة ضرورية لتقليل العجز.
وقد يرى الاقتصادي أن السعر يجب أن يعكس التكلفة الحقيقية.
وقد يرى المستثمر أن تحرير السوق شرط لجذب رأس المال.
لكن المواطن يرى شيئاً مختلفاً تماماً.
يرى سعر ربطة الخبز.
يرى سعر ليتر الوقود.
يرى فاتورة الكهرباء.
يرى إيجار المنزل.
يرى سعر الطعام.
ويرى راتبه.
وهنا فقط يقيس المواطن نجاح الحكومة.
لذلك فإن أي سياسة اقتصادية لا تراعي الفارق الهائل بين الأسعار والدخل يمكن أن تتحول من إصلاح اقتصادي إلى أزمة اجتماعية.
لا يمكن إدارة اقتصاد محطم بعقلية اقتصاد مستقر
من وجهة نظري، إحدى أبرز نقاط الضعف في المرحلة الانتقالية هي خطر الانفصال بين بعض السياسات الحكومية وبين التجربة اليومية للسوريين.
أنا لا أعتقد أن المشكلة تكمن في كون المسؤول سورياً من الداخل أو الخارج بحد ذاته، ولا في كونه عاش في أوروبا أو أميركا أو الخليج.
سوريا تحتاج إلى كل خبراتها.
وتحتاج إلى السوري الذي بقي في الداخل، كما تحتاج إلى السوري الذي هاجر واكتسب خبرات علمية واقتصادية وإدارية في الخارج.
لكن المشكلة تبدأ عندما تُنقل نماذج إدارية واقتصادية ناجحة في دول مستقرة إلى بلد ما زال يعاني من الفقر والدمار وضعف المؤسسات وارتفاع الاحتياجات الإنسانية، من دون تكييف تلك النماذج مع الواقع المحلي.
الخبرة الخارجية يمكن أن تكون كنزاً.
لكنها تصبح خطراً إذا تحولت إلى وصفة جاهزة.
من عاش الحرب يجب أن يكون شريكاً في صناعة المرحلة الجديدة
الحكومة الانتقالية التي تشكلت في آذار/مارس 2025 ضمت عدداً كبيراً من التكنوقراط، إلى جانب شخصيات من خلفيات سياسية ومجتمعية مختلفة. (الوكالة العربية السورية للأنباء – سانا)
وهذا بحد ذاته ليس عيباً.
بل إن بناء الدولة يحتاج إلى الخبراء والتكنوقراط.
لكن سوريا تحتاج في الوقت نفسه إلى إشراك أولئك الذين عاشوا الحرب داخل البلاد، والذين يعرفون كيف يفكر المواطن في حلب والحسكة ودير الزور ودرعا وحمص وريف دمشق واللاذقية وسائر المناطق.
فالخبير الاقتصادي يستطيع أن يشرح لك حجم العجز.
لكن رب الأسرة يستطيع أن يخبرك ماذا يعني أن يرتفع سعر المحروقات بالنسبة إلى حياته اليومية.
والاقتصادي يستطيع أن يتحدث عن كفاءة الإنفاق.
لكن العامل يستطيع أن يخبرك ماذا يعني أن يصبح راتبه عاجزاً عن تأمين احتياجات أسرته لأسبوع واحد.
الدولة تحتاج إلى الاثنين معاً.
السوري لا يريد أن تصبح بلاده سويسرا خلال خمس سنوات
ربما تكون هذه أهم نقطة في رؤيتي.
الشعب السوري لا يطلب المستحيل.
ولا أعتقد أن المواطن السوري يطالب بتحويل سوريا إلى دولة غنية خلال سنوات قليلة.
هو يريد أن يعيش بكرامة.
يمكن أن تصبح سوريا دولة متقدمة خلال عشرين عاماً.
لكنني أعتقد أن بناء دولة مستقرة يعيش فيها المواطن بكرامة بعد عشرين عاماً، أفضل من محاولة بناء دولة متطورة خلال خمس سنوات على حساب الجيل الذي دفع ثمن الحرب.
لأن المخاطرة هنا ليست اقتصادية فقط.
إنها مخاطرة سياسية واجتماعية.
فالمواطن الذي لا يستطيع تأمين طعام أسرته لن ينتظر طويلاً ليسمع عن مشاريع مستقبلية.
الاستثمار مهم… لكن المواطن أهم
سوريا تحتاج إلى الاستثمار.
وتحتاج إلى إعادة إعمار المدن والطرق والجسور والمطارات والموانئ والطاقة والسياحة والصناعة.
لكن ترتيب الأولويات مهم.
لا يمكن إقناع مواطن يعيش في خيمة أو منزل متضرر أو يدفع معظم دخله للإيجار بأن مستقبله أصبح أفضل لأن الدولة وقعت اتفاقية استثمارية جديدة.
الاستثمار الحقيقي يبدأ من المواطن.
إذا أصبح المواطن قادراً على العمل والشراء والإنتاج، يصبح هو نفسه جزءاً من عملية الاستثمار.
أما إذا ظل ملايين السوريين يعيشون على المساعدات أو في الفقر أو بلا عمل، فإن الاستثمارات الكبرى ستبقى بعيدة عن تحسين حياتهم اليومية، مهما كانت أرقامها ضخمة.
النفط والزراعة والموارد ليست المشكلة الوحيدة
سوريا ليست بلداً بلا موارد.
لديها الزراعة.
ولديها النفط والغاز.
ولديها الثروة الحيوانية.
ولديها موقع جغرافي مهم.
ولديها ملايين السوريين داخل البلاد وملايين آخرين في الخارج.
ولديها موارد بشرية هائلة.
لكن الموارد وحدها لا تكفي.
المشكلة الأساسية هي كيفية إدارة هذه الموارد، وكيفية توزيع عوائدها بعدالة، وكيف تتحول إلى فرص عمل ودخل وخدمات للمواطنين.
وهنا يجب أن يكون هناك وضوح كامل أمام السوريين:
كم تنتج الدولة؟
أين تذهب الإيرادات؟
كيف يتم الإنفاق؟
من يحصل على العقود؟
كيف تتم إدارة الموارد الطبيعية؟
وكيف يستفيد المواطن منها؟
كلما زادت الشفافية، زادت الثقة.
وكلما غابت الشفافية، ظهرت الشائعات والشكوك.
أخطر صورة يمكن أن تراها سوريا الجديدة
هناك صورة يجب أن تخشاها أي حكومة انتقالية.
أن يرى المواطن الذي يعيش في منزل متضرر أو مخيم، ويعمل لساعات طويلة كي يؤمن إيجار منزله وطعام أطفاله، مسؤولاً يعيش في مستوى مختلف تماماً من الحياة.
المشكلة هنا ليست في أن يكون المسؤول ميسوراً.
المشكلة في الإحساس بعدم العدالة.
بعد كل ما عاشه السوريون، أصبحت العدالة الاجتماعية جزءاً من الاستقرار السياسي.
ولهذا يجب على المسؤولين أن يدركوا أن المظاهر الرسمية، والسيارات الفارهة، والمواكب الكبيرة، والامتيازات، يمكن أن تكون أكثر استفزازاً للمواطن الفقير من أي خطاب سياسي.
المواطن يريد أن يرى الدولة تشبهه.
الشرعية السياسية لا تكفي وحدها
الثورة السورية لم تنجح فقط لأن نظام الأسد سقط.
نجحت أيضاً لأن ملايين السوريين تحملوا سنوات طويلة من المعاناة.
واليوم تحتاج السلطة الجديدة إلى تحويل هذه التضحية إلى شرعية قائمة على الإنجاز.
الشرعية لا تُبنى فقط بالمواقف السياسية أو الاعترافات الخارجية.
إنها تُبنى أيضاً عندما يشعر المواطن أن الدولة تحميه.
وأن راتبه يكفيه.
وأن أطفاله يستطيعون الذهاب إلى المدرسة.
وأن الوقود متاح.
وأن الخبز متوفر.
وأن القانون يحميه.
وأن المسؤول يخضع للمساءلة مثل المواطن.
المطلوب ليس إسقاط الحكومة… بل تصحيح المسار
أنا لا أطرح هذه الرؤية بهدف مهاجمة الحكومة الانتقالية أو إفشالها.
على العكس.
أعتقد أن نجاح المرحلة الانتقالية مصلحة وطنية سورية قبل أن يكون نجاحاً للرئيس أحمد الشرع أو لأي وزير أو مسؤول.
والرئيس الشرع والعديد من الشخصيات التي قادت الثورة عاشت جانباً كبيراً من المعاناة السورية، ولذلك فإن الحفاظ على الثقة الشعبية التي تشكلت بعد سقوط نظام الأسد يجب أن يكون أولوية قصوى.
لكن هذه الثقة يمكن أن تتضرر بسبب قرارات اقتصادية وإدارية لا تنسجم مع واقع الناس، حتى لو كانت نية أصحابها الإصلاح.
ولهذا فإن المسؤولية اليوم تقع على عاتق القيادة السياسية في مراجعة أداء الحكومة، خصوصاً في الملفات الاقتصادية والخدمية وإدارة الموارد البشرية والطاقة والنفط.
ماذا يجب أن تكون الأولويات؟
من وجهة نظري، تحتاج سوريا في هذه المرحلة إلى أجندة واضحة تقوم على عدة أولويات:
أولاً: حماية الحد الأدنى من المعيشة.
تأمين الخبز والوقود والدواء والغذاء بأسعار تتناسب مع دخول المواطنين، مع استخدام الدعم بصورة ذكية وموجهة للفئات الأكثر حاجة، بدلاً من تحميل الفئات الفقيرة صدمات سعرية متتالية.
ثانياً: خلق فرص عمل حقيقية.
بدلاً من الاكتفاء بالمساعدات، يجب أن تكون هناك برامج تشغيل واسعة في الزراعة والبنية التحتية والصناعة والخدمات.
ثالثاً: دعم الأسرة التي لا معيل لها.
إنشاء شبكة حماية اجتماعية حقيقية للأسر الأكثر فقراً، والأرامل، والأيتام، وذوي الإعاقة، والعائلات التي فقدت مصادر دخلها بسبب الحرب.
رابعاً: إعطاء الأولوية للمنتج السوري.
إعادة تشغيل الزراعة والمصانع والمنشآت الصغيرة، لأن كل منتج محلي يعني وظيفة ودخلاً وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
خامساً: إدارة النفط والموارد بشفافية.
يجب أن يعرف السوريون أين تذهب عائدات الموارد الطبيعية، وأن يشعروا أن ثرواتهم ملك للدولة والمجتمع وليست امتيازاً لفئة أو مجموعة.
سادساً: ضبط امتيازات المسؤولين.
في دولة تعاني من الفقر، يجب أن تكون حياة المسؤولين ومصاريف المؤسسات الحكومية نموذجاً في التقشف والشفافية.
سابعاً: إشراك السوريين في الداخل والخارج.
لا يجوز وضع الخبرات في مواجهة بعضها.
السوري الذي بقي في البلاد يملك خبرة الواقع.
والسوري الذي عاش في الخارج قد يملك خبرة المؤسسات الحديثة.
والحاجة هي إلى الجمع بين الاثنين.
ثامناً: الإصلاح التدريجي لا الصدمات.
الإصلاح الاقتصادي يجب أن يكون متدرجاً ومبنياً على قدرة المواطن على تحمله، لا على سرعة تنفيذ الوصفة الاقتصادية.
المعركة الحقيقية هي على الثقة
أعتقد أن الحكومة الانتقالية لا تواجه اليوم أزمة اقتصاد فقط.
إنها تواجه معركة على الثقة.
الشعب السوري منح القيادة الجديدة فرصة تاريخية.
لكن هذه الفرصة ليست مفتوحة إلى الأبد.
فالسوري الذي تحمل القصف والنزوح والفقر والاعتقال وفقدان أفراد أسرته، يريد أن يرى نتيجة ملموسة لتلك السنوات.
لا يريد خطابات طويلة.
ولا يريد وعوداً بعيدة.
يريد أن يعرف ماذا سيأكل غداً، وكيف سيدفع إيجار منزله، وكيف سيؤمن الوقود، وكيف سيحمي أطفاله.
وهذه ليست مطالب شعب غير صبور.
إنها مطالب شعب دفع ثمناً باهظاً جداً.
سوريا أولاً… والشعب أولاً
هناك دول ستأتي إلى سوريا للاستثمار.
ودول ستبحث عن نفوذ سياسي.
ودول ستبحث عن الطاقة والموانئ والأسواق.
وهذا طبيعي في السياسة الدولية.
فسوريا دولة ذات موقع استراتيجي مهم، وقد أدى سقوط نظام الأسد إلى تغيير حسابات إقليمية ودولية واسعة.
لكن السؤال الذي يجب ألا يغيب عن القيادة السورية هو:
ماذا سيحصل المواطن السوري من كل ذلك؟
إذا دخلت مليارات الدولارات إلى سوريا، ولكن المواطن بقي فقيراً، فهناك مشكلة.
إذا ارتفع الناتج المحلي، ولكن المواطن لم يستطع شراء الطعام، فهناك مشكلة.
إذا بنيت المطارات والطرق والجسور، ولكن العامل لا يستطيع تأمين إيجار منزله، فهناك مشكلة.
أما إذا أصبح المواطن قادراً على العمل والإنتاج والعيش بأمان وكرامة، فإن كل تلك المشاريع تصبح ذات معنى.
الخلاصة
سوريا لا تحتاج إلى معجزة.
تحتاج إلى ترتيب صحيح للأولويات.
لا يمكن بناء اقتصاد قوي فوق شعب جائع.
ولا يمكن بناء دولة مستقرة فوق مواطن يشعر بأن الدولة بعيدة عنه.
ولا يمكن بناء شرعية مستدامة إذا شعر المواطن أن ثمن الإصلاح الاقتصادي يدفعه الفقراء وحدهم.
من حق الحكومة الانتقالية أن تخطط لسوريا بعد عشرين عاماً.
لكن من واجبها أيضاً أن تفكر في المواطن الذي يريد أن يأكل غداً.
ومن حقها أن تتفاوض مع المستثمرين والدول.
لكن من واجبها أن تتفاوض أولاً مع واقع المواطن السوري.
ومن حقها أن تسعى إلى تحرير الاقتصاد.
لكن عليها ألا تحرر الأسعار قبل أن تحرر المواطن من الفقر والعوز.
المعادلة التي أراها بسيطة:
خبز + عمل + أمان + كرامة + عدالة = ثقة.
والثقة هي رأس المال الحقيقي للمرحلة الانتقالية.
إذا حافظت القيادة السورية على هذه الثقة، فإن الشعب الذي تحمل كل تلك السنوات يمكن أن يكون أكبر قوة لإعادة بناء سوريا.
أما إذا شعر هذا الشعب أن مرحلة جديدة من المعاناة بدأت بعد سقوط الأسد، فقد تصبح الأخطاء الاقتصادية والإدارية أكبر من مجرد أخطاء حكومية؛ وقد تتحول إلى أزمة ثقة تهدد المشروع كله.
ولهذا، فإن الرسالة التي أوجهها إلى القيادة السورية اليوم ليست: غيّروا المشروع.
بل:
احموا المواطن أولاً، ثم ابنوا الدولة.
فالدولة التي تريد أن تصبح قوية بعد عشرين عاماً، يجب أن تجعل مواطنها قادراً على الصمود حتى الغد.
رئيس التحرير:محمد الحسين
