قصة نازحة فضلت الموت على العودة إلى قريتها في حضن النظام السوري 

سوريا – مروان مجيد الشيخ عيسى

كل شتاء، تتجدد الأزمة الإنسانية المروعة في مخيمات النازحين السوريين في الداخل خصوصًا، وفي دول الجوار عمومًا، إذ تتكرر مشاهد الخيام الغارقة بالطين وأقدام الأطفال المتمرغة في الوحل وتتصدر الشاشات وشبكات التواصل، فتقام حملات الدعم والإغاثة الطارئة لنجدة النازحين الغارقة خيامهم إلى أن يخفت ضجيج شبكات التواصل، ثم تعاود الأزمة الانداع في الشتاء المقبل، في حلقة مفرغة لا يعرف إلا الله متى تنتهي.

إثر الأزمة الأخيرة التي ضربت مخيمات الشمال السوري نتيجة الهطولات المطرية الغزيرة.

فقصة أم عبد الله النازحة من قرية كنصفرة جنوب إدلب أن تقرّ عينها بإمضاء ما تبقّى لها من أيام في هذه الحياة تحت سقف لا ترشح منه الأمطار، فقد سبق صعود روحها إلى السماء مبادرة خيرية لنقلها من خيمتها المهترئة إلى منزل يستوفي متطلبات الحياة الإنسانية في حدها الأدنى.

ففي اليوم الذي لطالما انتظرته والذي اختارته إحدى المنظمات الخيرية في الشمال السوري لمفاجأة أم عبد الله المصابة بمرض السرطان، ونقلها إلى منزل في أحد المشاريع السكنية التي تم إنشاؤها بأموال التبرعات، فاضت روحها من جسدها العليل لتصعد إلى بارئها حيث لا مخيمات ولا نزوح ولا قوى دولية تتاجر بمأساتها ومآسي مئات آلاف النازحين من أمثالها.

لقد رحلت أم عبد الله وتركت وراءها دموع زوجها “أبو عبد الله” تنهمل حرقة أمام الناس الذي كان يعتزم أن فرحتها بالانتقال إلى منزل من الطوب يحميها من برد الشتاء، ليتفاجأ بوفاتها بعد أن سئمت روحها النزوح والترحال.

تتعثر كلمات زوجها أبو عبد الله في حديثة، فبالكاد يُفهَم منها شيئاً، غير أن نبرة صوته المترعة بالأسى تكفي لتبيان حجم القهر الذي يعتصر قلبه حزناً على فراق رفيقة دربه.

في ظهورها الوحيد أمام الكاميرا قبل يومين من وفاتها، انهمرت دموع أم عبد الله ليس من فقط من شدة المرض وحده بل شوقاً لمنزلها وقريتها التي هجّرهم منها النظام السوري والمليشيات المجرمة.

سطرت أم عبد الله لقصة بالإباء والكرامة، فرغم ما حلّ بها من البلاء تفضّل أن تُقطع ساقها على العودة للتداوي في مشافي النظام السوري ، وتزيد على ذلك بالقول “كل شهيد راح هو ابننا” وترى أن الخيمة في العافية والكرامة أحب إليها من قصر بالمرض والذل.

لقد غادرت أم عبد الله الحياة، تاركة وراءها زوجها المكلوم وبيتاً للعزاء وأمنية لم تتحق بحرق الخيمة قبل الانتقال إلى منزل الطوب الموعود، ومخاوف من مصير مشابه ينتظر المئات من المصابين بأمراض خبيثة لا يزالون يقبعون بمخيمات ليست أفضل حالاً من خيمة أم عبد الله البحرية.

فتكرار المأساة يرجع أيضًا إلى قلة الإمكانات المادية لدى المهجّرين أنفسهم، إذ إن النازح لا يملك قدرة على تدعيم خيمته أو الانتقال للعيش في منزل أو إنشاء صرف صحي لمكان سكنه، بسبب قلة العمل وانخفاض الأجور وقلة المادة الغذاء والماء والدواء .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *