يقتل الأب ويحتفل بنجاح ابنته في الإعلام

سوريا – مروان مجيد الشيخ عيسى 

لم يمر على وجه البسيطة نظام مجرم دكتاتوري قتل وهجر ملايين من الشعب السوري ويعود ويتبجح على قنواته الإعلامية ويتحدث عن المؤامرة الكونية وكيف قتل الإرهابيون الشعب السوري وكيف قصفوا الناس بالبراميل.

وكثيرةٌ هي مآسي السوريين منذ عقود من الزمن، لكنها في العقد الأخير وصلت حمم براكينها إلى درجة الانفجار الكبير، فكانت كل المآسي التي عاشها السوريون خلال عقود طويلة من حكم عائلة الأسد، ترفاً مقارنة بما عاشه هذا الشعب المنكوب في هذا العقد الأخير.

ربما لا تسعف معاجم اللغة مهما كانت غنيّة أيّ كاتب ليعبّر عن حالة الخذلان التي عاشها ويعيشها الشعب السوري المنكوب، ذلك أن هذا الخذلان تعدّى حدود المعقول واللا معقول من القريب والبعيد.

إذ كيف بعد كل هذه الجرائم المرتكبة بحقِّه من طغمة حاكمة آلت على نفسها إلا أن تمضي إلى نهاية المشوار في قتله وتشريده وإهانته، ثم يعمل الكل القريب والبعيد من المجتمع الدولي على محاولة تلميع صورته وإبرازه بصورة المخلّص للبلاد من نار الإرهاب، ليبرز بصورة البطل والإنسان ذي القلب الكبير الذي يسع البلاد والعباد في تلافيف شرايينه، فهو الخصم والحكم، وهو العادل عندما قتل، وهو صاحب القلب الكبير عندما عفا عمّن قتله، وراح يربّت على كتف أولاد القتيل بحنان أب وعطف أم، وكأنه فيما فعل وارتكب إنما قام بمهمة مقدّسة لا تقلّ قداسةً عما فعله الخضر عليه السلام عندما قتل الغلام ليستبدله الله عز وجل بغلام آخر يكون صالحاً وعطوفاً على والديه.

لم تكن الطفلة السورية شام بكور الأولى ولن تكون الأخيرة ممن ينطبق عليهم المثل من شعبنا السوري، فهي التي قُتِل والدها بقصفٍ للنظام على خان طومان، وكانت يومها رضيعة، لتمر السنوات وتكبر وتصبح مميزة في دراستها بسبب ذكائها الخارق واهتمام والدتها بها، فتحصل على المركز الأول في مسابقة تحدي القراءة العربي الذي تنظمه إمارة دبي في الإمارات العربية المتحدة، ليأتي النظام الذي قتل والدها ممثلاً بسفارته في الإمارات ليستثمر إنجاز الطفلة اليتيمة لتلميع صورته أمام الإعلام على أنه راعي الطفولة، وحامي حمى الإنسانية في وجه قوى الظلام، فحوّل بذلك المثل الشائع “يقتل القتيل ويمشي بجنازته” إلى “يقتل القتيل ويرقص بعرس ابنه”، فأي عهر وسقوط هذا.

طبعاً من الإنصاف ألا يُوجَّه اللوم إلى والدة شام، فهي لن تستطيع أن تتخذ موقفاً يؤدي إلى ضررها وضرر ابنتها، فقالت إن زوجها مات في انفجار قنبلة، لكن من الذي ألقى هذه القنبلة، فهذا ما لا يمكن أن تبوح به على الإعلام، وهي التي ستعود إلى دمشق بعد نهاية المسابقة، هذا إن لم تكن من شريحة المؤيدين الذين يبررون كل ما قام ويقوم به النظام من جرائم، ملقين اللوم على من ثار عليه، فلولاهم لما فعل ما فعل، وقد قالها أحد الذين أعرفهم في منطقة مسكنة حيث قُتِل ابنه أمام عينه في غارة للنظام على السوق، ثم راح يلقي اللوم على طلاب الحرية، فهم السبب في موت ابنه.  

إذاً اللوم على من؟ هل على النظام المستثمر لشام وأمثالها؟ باعتقادي أيضاً لا؛ لأنه ببساطة وبعد أن فعل كل شيء أمام مرأى ومسمع العالم، ثم رأى غضّ الطرف عنه، فمن حقِّه أن يعمل ما يشاء لتلميع صورته البشعة وتنظيفها من آثار الدم.

إن اللوم باعتقادي على أولئك الذين لم يحملوا الأمانة بأمانة، عسكريين وسياسيين ممن تصدروا الواجهة في قضية الشعب السوري، وضيّعوها وضيّعوا الشعب وثورته، فمتى كانت الحروب الحديثة تتمتع بقدرٍ من الأخلاق، وهي القائمة بالأساس على تدمير الخصم وتحطيمه حتى لو استسلم؟ 

إن النظام المجرم بنظرنا نظامٌ شرعي بنظر المجتمع الدولي، وما ذاك إلا لعجزنا عن تقديم مؤسسات منظّمة تتمتع بتراتبية مهنية تقنع بصفتها هذا المجتمع الدولي بأنها بديل يمكن الاعتماد عليه لإدارة الدولة، ولعلم النظام بعجزنا هذا راح يعمل بكل ما أوتيَ من قوة ودهاء على تقديم نفسه على أنه الوحيد في الساحة ولا بديل له في الوقت الراهن.

هل فات الأوان لذلك؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *