آثار دير الزور بين التدمير والتخريب وتجارة المافيات

ديرالزور – مروان مجيد الشيخ عيسى 

منذ بداية عام 2011 في سوريا كانت ضفتا الفرات مسرحاً لعمليات القرصنة والنهب، ثم بعد ذلك تعرضت المواقع الأثرية في المنطقتين لدمار كبير نتيجة للعمليات العسكرية في محيط هذه المواقع.

كان التجار في البداية يعتمدون في عمليات التنقيب على أشخاص لديهم خبرة ومعرفة كبيرة بالمنطقة استندوا في تنقيبهم على خرائط ووثائق يعلمون من خلالها للوصول إلى هدف معين، ليستخرجوا الآثار ويتجهوا بها إلى الحدود المجاورة حيث لا رقابة ولا حدود.

ثم تأتي مرحلة العمليات العسكرية في المنطقة، حيث تعرضت هذه المواقع للكثير من القذائف والصواريخ من قبل النظام السوري، ما أدى إلى أذى كبير لا يمكن أن يعالج أو يستعاد في كثير من الحالات.

وأخطر المراحل التي أحرقت كل شيئاً تقريباً هي مرحلة سيطرة تنظيم “د ا ع ش”، الذي يقوم بتدمير كل ما تقع يده عليه يده من كنائس، معابد، مزارات، وتماثيل، باعتبارها أصناماً، لكن في الواقع تجارة الآثار هي الممول الأكبر لهذا التنظيم

تل الحريري، هذه المدينة الأثرية التي تقع على الضفة الغربية لنهر الفرات معروفة بتصميمها المعماري الدائري، الذي يتماشى مع جميع حالات النهر، مدروسة بطريقة دقيقة تتلاءم مع فيضان النهر، بحيث لا يتأذى شيء في المدينة باستثناء التجارة النهرية. هذا التصميم المعماري يعطي لمحة أو فكرة واضحة عن مدن القسم الشمالي من بلاد الرافدين خلال الفترة الآشورية القديمة.

فالتنقيبات الأولى في المدينة واكتشافها كان على يد البعثة الفرنسية بقيادة اندريه بارو منذ العام 1933، واستُكملت بعد ذلك من قبل جان مارغورون منذ العام 1979.

وتم الكشف عن عدة قصور على سويات أثرية متعددة منذ الألف الثالث قبل الميلاد، إلى الألف الثاني قبل الميلاد. بالإضافة إلى ما يزيد عن 20000 رقيم مسماري معظمها يعود إلى الفترة البابلية القديمة، واللغة المستخدمة في معظم هذه الرقم هي الأكادية ، واحتوى الأرشيف على نصوص تخص أمور الإدارة والبلاط الملكي، بالإضافة إلى المراسلات التجارية.

وتطورت هذه المدينة وأصبحت لها أهمية كبيرة بسبب وقوعها على أهم طريق تجاري في العالم القديم بين بلاد فارس، بلاد الرافدين، كاركميش جرابلس، وأجزاء من الأناضول .

ويعتبر سكان ماري رافديين بامتياز وذلك على الرغم من بعد ماري 240 كم إلى شمال بابل. هذا ما جعلها مركز متنازع عليه، حيث دخلت الحضارات تحت سيطرة السومريين، الأكاديين، العموريين، والآشوريين.

أظهرت التقارير الواردة عن الموقع أنه تعرض للكثير من التخريب والدمار، وذلك من خلال صور الأقمار الصناعية، حيث تبين وجود ما يزيد عن 50 حفرية تركزت ضمن القصر الملكي تحت مصطبة العرش والبوابة الجنوبية، الحمامات ومعبد عشتار، إضافة إلى خمس حفريات ضمن معبد داجان، وحفريات ضمن الزاقورة من الأعلى تم قلع ركيزتها البيتونية . والأمر نفسه بالنسبة لباقي المعابد.

كذلك تم تدمير السقف المستعار الذي كان يغطي جدران الموقع نتيجة للقصف المدفعي وبسبب غياب الصيانة الدورية منذ العام 2011 أصبحت هذه الجدران بحالة يرثى لها، بسبب تعرضها لعوامل الحت والتعرية، إضافة إلى التعديات العمرانية في محيط التل وحرمه الأثري.

أما صالحية الفرات، هذه المدينة الأثرية التي تقع في الصحراء السورية بالقرب من مدينة دير الزور على الضفة اليمنى لنهر الفرات. تم بناء هذه المدينة على هضبة تنتهي فجأة لتتحول إلى منحدر باتجاه الفرات ليكون موقعاً دفاعياً بامتياز بالإضافة إلى موقعه التجاري الاستراتيجي بامتياز أيضاً.

هي في الأصل مدينة بابلية لكن أعيد بناؤها فيما بعد عام 300 قبل الميلاد كمستعمرة عسكرية من قبل السلوقيين، سقطت بيد البارثيين حوالي100 قبل الميلاد، لتصبح مركز قوافل تجارية مزدهرة جداً، سيطر عليها الرومان 165 ميلادي، وفي ظل حكمهم كانت حصناً دفاعياً هاماً جداً، وقام الساسانيون بتدميرها حوالي 256 ميلادي.

أفادت التقارير أن عدد الحفر الناتجة عن عمليات التنقيب غير الشرعي في دورا اروبوس وصل إلى 300 حفرة متفاوتة الأحجام منتشرة في كامل أرجاء الموقع خاصة بيت ليزياس والأسواق والحمامات.

و تتم عمليات الحفر باستخدام معدات متطورة، وهو دليل على أن هناك منظمات بحد ذاتها تقوم بذلك، تحظى بدعم وحراسة من تنظيم “د ا ع ش”. سببت الحفريات تخريباً للمدافن الأرضية والبرجية بالإضافة إلى تخريب أرضيات المعابد الجصية والرسومات الجدارية الموجودة على جدرانها، كذلك هدم الأعمدة في معابد بل، أدونيس، وأرتميس . تم نزع قرميد مدرجات المسرح وأحجار سور المدينة والحمامات الرومانية، وتم قلع حجارة الجدار الحجري الذي كان مرمماً حديثاً مما أدى إلى إحداث حفر في أساساته فهو عرضة للانهيار في أي لحظة، كما تعرض بيت البعثة الأثرية ومتحف الموقع إلى النهب وكذلك الوثائق و قطع الفخار والرسوم الجدارية المتبقية في المخبر.

حلبية وزلبية:

عبارة عن مدينتين توأمين يفصل نهر الفرات بينهما بالقرب من مدينة دير_الزور بمساحة 30 هكتار تقريباً، تعتبر حلبية حصناً عسكرياً هاماً بسبب موقعها على مرتفع بارز ينخفض بالتدريج باتجاه زلبية، ويحوي أسواراً دفاعية هائلة متوجة بقلعة محصنة في أعلى التل أيام زنوبيا ملكة تدمر. 

وأعيد تحصينها على يد الرومان حوالي 273 م. يحوي الموقع على عدة كنائس، مجمع حمامات عامة، شارعان متقاطعان وكل هذه الأبنية تعود للقرن السادس الميلادي .

 تم رصد العديد الدلائل على أعمال تنقيب غير شرعي بالجملة باستخدام آليات ثقيلة في المدافن البرجية، وفي الجهة الشرقية، والى جانب البازليك (الكنيسة) في منتصف الموقع، كما تمت سرقة بوابات الأبراج وإحداث ضرر في الأسوار مما جعلها مهددة بالانهيار.

الجسر المعلق:

من أهم معالم مدينة دير الزور له مكانة مميزة عند كل شخص من أبناء المدينة، باشرت فرنسا ببنائه على نهر الفرات عام 1925 يبلغ طوله 467 متراً وعرضه حوالي 45 وارتفاعه 36، يستند على أربع قواعد تنبثق عنها أربع ركائز بطول 25 متراً، لم يكن يماثله في العالم حينها غير جسر في جنوب فرنسا استمر بناؤه ست سنوات، وأنير بالكهرباء و تم تدمير الجسر المعلق بقصف طيران النظام السوري له وهو يتحمل مسؤولية هدم هذا الجسر، الأمر تم عبر استهداف الدعامة الثالثة له مباشرة بقذائف الطيران مما تسبب في تدمير الأسلاك الحاملة لبدن الجسر وسقوطه.

ودير الزور منطقة منكوبة بكل ما تحمله الكلمة من معنى في جميع نواحي الحياة، تتعرض للقصف المستمر من قبل قوات النظام، بالإضافة إلى سقوطها تحت سيطرة تنظيم “د ا ع ش” ثم النظام السوري الذي سهل عملية الإتجار بالآثار، حيث أصبحت شائعة لدرجة أنك تستطيع الحصول على أي قطعة من الأسواق العامة في المدينة تباع من قبل أشخاص عاديين بمبالغ زهيدة جداً لحاجتهم الشديدة للمال، بسبب الوضع المأساوي الذي يعيشونه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *