
نيويورك – 21 سبتمبر/أيلول 2026
يشارك الرئيس السوري أحمد الشرع في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، في زيارة تأتي بعد عام من مشاركته الأولى أمام المنظمة الدولية، وسط تغيرات واسعة طرأت على موقع سوريا في النظامين الإقليمي والدولي.
وبحسب تحليل نشره مركز جسور للدراسات في 21 سبتمبر/أيلول، فإن مشاركة الشرع الحالية تختلف عن مشاركته في سبتمبر/أيلول 2025؛ إذ كانت الأولوية في الزيارة الأولى مرتبطة بإنهاء العزلة الدولية وتكريس عودة دمشق إلى المجتمع الدولي، بينما تركز الزيارة الحالية، وفق المركز، على تحويل الانفتاح والاعتراف الدوليين إلى نتائج سياسية واقتصادية وأمنية ملموسة.
وتأتي زيارة الشرع في وقت تبدأ فيه أعمال الدورة الـ81 للجمعية العامة، التي افتتحت في 8 سبتمبر/أيلول، فيما تبدأ المناقشة العامة رفيعة المستوى في 22 سبتمبر وتستمر حتى 26 سبتمبر، مع جلسة إضافية في 28 سبتمبر.
أربعة تحولات بين مشاركتي الشرع في الأمم المتحدة
يرصد تقرير مركز جسور أربعة ملفات رئيسية تغيرت خلال العام الفاصل بين مشاركتي الرئيس السوري.
ويتمثل التحول الأول، بحسب المركز، في محاولة دمشق تقديم نفسها باعتبارها دولة تسعى إلى الابتعاد عن سياسة المحاور الإقليمية والدولية، والتركيز على بناء علاقات مع أطراف متعددة.
أما التحول الثاني فيتعلق بتراجع منظومة العقوبات والعزلة المفروضة على سوريا.
وفي هذا السياق، اتخذت الولايات المتحدة خلال العامين 2025 و2026 سلسلة خطوات لتخفيف القيود الاقتصادية والسياسية على دمشق. وأعلنت وزارة الخزانة الأميركية في 24 أغسطس/آب 2026 أن واشنطن ألغت تصنيف سوريا كـ«دولة راعية للإرهاب»، كما ألغت وزارة الخارجية تصنيف «هيئة تحرير الشام» كمنظمة إرهابية عالمية، وأزالت وزارة الخزانة الهيئة من قائمة الأشخاص والكيانات الخاضعة للتجميد.
كما توضح وزارة الخزانة أن الولايات المتحدة لم تعد تفرض عقوبات اقتصادية شاملة على سوريا، مع استمرار عقوبات محددة تستهدف بشار الأسد وشخصيات مرتبطة به، ومنتهكي حقوق الإنسان، وشبكات مرتبطة بالمخدرات، إضافة إلى تنظيم داعش والقاعدة ووكلاء إيران وغيرهم.
وكان قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين قد أُلغي في ديسمبر/كانون الأول 2025، وفق بيانات وزارة الخزانة الأميركية.
سوريا تعود إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية
التحول الثالث يتعلق بملف أسلحة الدمار الشامل، ولا سيما الأسلحة الكيميائية التي خلفها النظام السابق.
وفي يوليو/تموز 2026، قرر المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية إعادة حقوق وامتيازات سوريا في إطار اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، بعدما كانت قد عُلّقت منذ عام 2021.
وقالت المنظمة إن القرار جاء بعد تغير الظروف وسلسلة خطوات اتخذتها السلطات السورية الجديدة للتعاون مع المنظمة، من بينها تعديل الإعلان السوري الأولي، وإعداد اتفاقيات للمنشآت، والسماح بأنشطة التحقق، والبدء بخطوات لتدمير بقايا الأسلحة الكيميائية المحددة.
وأكدت المنظمة أن الملف لم يُغلق بصورة نهائية، وأن سوريا لا تزال مطالبة بالوفاء بالتزاماتها بموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، فيما تواصل المنظمة عمليات التحقق والتدمير للبرنامج المتبقي الموروث من الحكومة السابقة.
من العزلة إلى الشراكة في مكافحة داعش
أما التحول الرابع فيرتبط بالملف الأمني ومكافحة تنظيم داعش.
ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، انضمت سوريا إلى التحالف الدولي لهزيمة داعش بوصفها العضو الـ90، في خطوة نقلت دمشق إلى موقع شريك في الجهود الدولية لمكافحة التنظيم. وأكد تقرير لوزارة الدفاع الأميركية أن انضمام سوريا إلى التحالف أتاح تنسيقاً أكبر مع الولايات المتحدة وشركاء التحالف بشأن جهود مكافحة الإرهاب والاستقرار.
وشاركت سوريا لاحقاً في اجتماع التحالف في الرياض، في فبراير/شباط 2026، للمرة الأولى منذ تأسيس التحالف عام 2014، بحسب وكالة الأنباء السورية.
كما أشار نائب المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا في مايو/أيار 2026 إلى استمرار جهود القوات السورية في مكافحة الإرهاب ضمن إطار التحالف الدولي ضد داعش.
الشرع يطرح ملف الاعتداءات الإسرائيلية
على المستوى السياسي والأمني، من المتوقع أن يظل ملف الضربات والتوغلات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية من أبرز الملفات التي تطرحها دمشق في المحافل الدولية.
وكان المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا قد دعا في إحاطات سابقة إسرائيل إلى وقف انتهاكاتها واحترام اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، مؤكداً أن استمرار الانتهاكات الإسرائيلية لسيادة سوريا وسلامة أراضيها يؤثر في مسار الانتقال السياسي.
وفي يوليو/تموز 2026، قال الشرع في مقابلة مع الجزيرة إن دمشق تعمل على التوصل إلى اتفاق أمني مع إسرائيل بمشاركة أطراف دولية وإقليمية، مؤكداً أن أي ترتيبات أمنية لا تعني التخلي عن موقف سوريا بشأن الجولان.
ومن المتوقع أن تسعى دمشق خلال اجتماعات الأمم المتحدة إلى تحويل هذا الملف إلى قضية دبلوماسية، من خلال المطالبة باحترام السيادة السورية ووقف العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية.
من رفع العقوبات إلى تمويل إعادة الإعمار
اقتصادياً، يبدو أن دمشق تريد الانتقال من مرحلة المطالبة برفع العقوبات إلى مرحلة الحصول على استثمارات وتمويل ومساعدات لإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي.
وكان الشرع قد قال في سبتمبر/أيلول الجاري، خلال لقاء مع مسؤولين ورجال أعمال ألمان، إن سوريا تجاوزت مرحلة التعارف وتبادل الثقة مع المجتمع الدولي، وإنها تعمل على إزالة العقبات أمام إعادة الإعمار وتهيئة الظروف لدخول الشركات الكبرى.
كما بحث الشرع مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في يوليو/تموز الماضي التعاون بين سوريا والمنظمة الدولية، ودعم جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار، إلى جانب التأكيد على سيادة سوريا ووحدتها وسلامة أراضيها.
وتشير تقديرات أوروبية إلى أن تخفيف العقوبات وإعادة دمج سوريا في النظام المالي الدولي يفتحان المجال أمام التجارة والاستثمار وتمويل مشاريع إعادة الإعمار، مع بقاء تحديات اقتصادية وأمنية وسياسية كبيرة أمام الحكومة السورية.
الانفتاح الدولي لا يعني انتهاء الملفات العالقة
ورغم التحولات التي شهدتها علاقة سوريا بالمجتمع الدولي، فإن دمشق لا تزال تواجه ملفات داخلية وإقليمية متعددة.
فعلى المستوى الأمني، ما زالت مواجهة داعش تمثل تحدياً، كما تستمر عملية إعادة هيكلة المؤسسات العسكرية والأمنية ودمج القوى المسلحة في مؤسسات الدولة.
وفي شمال شرق سوريا، تتواصل عملية دمج قوات سوريا الديمقراطية ومؤسسات الإدارة المحلية ضمن مؤسسات الدولة السورية بموجب تفاهمات عام 2026، وسط استمرار نقاشات حول الحقوق السياسية والثقافية والأمنية للسكان الأكراد.
كما تبقى ملفات الانتقال السياسي، وإعادة الإعمار، والعدالة الانتقالية، والعلاقات مع دول الجوار، والعلاقة مع إسرائيل، من أبرز القضايا التي ستحدد طبيعة المرحلة المقبلة.
مشاركة مختلفة عن عام 2025
وبينما كانت مشاركة الشرع في الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2025 مرتبطة بدرجة كبيرة بتقديم القيادة السورية الجديدة إلى المجتمع الدولي وكسر العزلة السياسية، تأتي مشاركة 2026 في بيئة دولية مختلفة بالنسبة إلى دمشق.
فالأمم المتحدة شطبت اسم أحمد الشرع من قائمة العقوبات المرتبطة بتنظيم داعش والقاعدة بموجب القرار 2799 الصادر في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، كما اتخذت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية خطوات لإعادة حقوق سوريا، فيما رفعت واشنطن جانباً كبيراً من منظومة العقوبات، وأصبحت سوريا عضواً في التحالف الدولي ضد داعش.
وبذلك، تتركز الأنظار خلال زيارة الشرع الحالية إلى نيويورك على مدى قدرة دمشق على تحويل هذه التطورات إلى دعم اقتصادي ومشاريع إعادة إعمار، وتقدم في الملفات الأمنية والسياسية، وضغط دولي بشأن السيادة السورية والاعتداءات الإسرائيلية.
ويبقى تحقيق هذه الأهداف مرتبطاً، في الوقت نفسه، بالتطورات الداخلية السورية وبقدرة الحكومة الانتقالية على معالجة الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية العالقة، إضافة إلى مواقف القوى الدولية والإقليمية المعنية بالملف السوري.