الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الحروب: هل أصبح التفوق العسكري رهينة الخوارزميات؟ من استهداف آلاف الأهداف إلى خطر الكارثة العسكرية

 

تحليل خاص – BAZ News

لم تعد الحروب الحديثة تُحسم بالقوة النارية وحدها، ولا بعدد الطائرات والصواريخ والدبابات، بل بات التفوق العسكري يرتبط بصورة متزايدة بامتلاك القدرة على جمع المعلومات الاستخباراتية وتحليلها، وتحديد مواقع الأهداف، واتخاذ القرارات العملياتية خلال ثوانٍ.

هذا التحول لم يعد مجرد سيناريو مستقبلي تتحدث عنه مراكز الأبحاث العسكرية، بل أصبح واقعاً ظهر بوضوح خلال العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران، حيث دخل الذكاء الاصطناعي إلى قلب المنظومة العسكرية، بدءاً من تحليل صور الأقمار الصناعية وبيانات الطائرات المسيّرة، وصولاً إلى اقتراح الأهداف وترتيب أولوياتها وتوفير المعلومات للقوات المقاتلة.

لكن وراء هذا التفوق التكنولوجي تبرز معضلة خطيرة: ماذا يحدث عندما تصبح الآلة أسرع من قدرة الإنسان على التفكير والتحقق؟ وهل يمكن أن تتحول الأنظمة المصممة لتقليل الأخطاء العسكرية إلى أدوات تضاعفها، وتدفع الجيوش إلى اتخاذ قرارات كارثية بناءً على معلومات غير دقيقة؟

من الحروب التقليدية إلى حروب الخوارزميات

كشفت عملية «إبيك فيوري» الأمريكية ضد إيران عن حجم التحول الذي طرأ على طريقة إدارة العمليات العسكرية.

فبحسب الأرقام الواردة في التقارير الأمريكية، استهدفت القوات الأمريكية أكثر من ألف هدف خلال الساعات الأربع والعشرين الأولى، وأكثر من 13 ألف هدف خلال 38 يوماً.

ولم يكن الوصول إلى هذه السرعة ممكناً بالاعتماد على الأساليب التقليدية وحدها، إذ استخدمت القوات الأمريكية منظومات متقدمة لدمج البيانات الاستخباراتية القادمة من الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة والرادارات وأجهزة الاستشعار ومصادر المعلومات الأخرى.

وأعلن قائد القيادة المركزية الأمريكية، الأدميرال براد كوبر، أن التقنيات المدعومة بالذكاء الاصطناعي ساعدت في اختصار عمليات كانت تستغرق ساعات أو أياماً إلى ثوانٍ.

وتكمن أهمية هذا التطور في أن الجيش لم يعد مضطراً إلى انتظار محللين يعملون بصورة منفصلة لفحص كل مصدر معلومات، بل أصبح بإمكان الأنظمة الرقمية جمع البيانات ومقارنتها وتقديم صورة عملياتية متكاملة للقادة خلال فترة قصيرة للغاية.

وهكذا أصبحت سرعة معالجة المعلومات عاملاً حاسماً في تحديد إيقاع المعركة، وفي قدرة القوات على اكتشاف التهديدات والتعامل معها قبل أن يتمكن الخصم من تغيير مواقعه أو إعادة تنظيم دفاعاته.

أولاً: أهم أنظمة الذكاء الاصطناعي التي دخلت ميدان الحرب

لم تعتمد الولايات المتحدة وإسرائيل على تطبيق واحد، بل على منظومات متكاملة تجمع بين الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والاستشعار والمراقبة والاتصالات العسكرية.

1. منظومة Maven Smart System – شركة Palantir

تُعد منظومة Maven Smart System من أبرز الأدوات الأمريكية التي ظهرت في التقارير المتعلقة بالعمليات ضد إيران.

طورتها شركة Palantir بالتعاون مع المؤسسات العسكرية والاستخباراتية الأمريكية، وتعمل على دمج كميات ضخمة من المعلومات القادمة من مصادر متعددة، مثل الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة والرادارات وأجهزة الاستشعار والتقارير الاستخباراتية.

وتتيح المنظومة للمحللين والقادة:

  • تحديد مواقع الأهداف المحتملة.
  • دمج الصور والبيانات الاستخباراتية في واجهة عملياتية واحدة.
  • تصنيف الأهداف وترتيب أولوياتها.
  • متابعة التهديدات والتحركات العسكرية.
  • دعم التخطيط العملياتي وتقييم نتائج الضربات.

وتكمن أهميتها في قدرتها على تقليص الوقت الفاصل بين اكتشاف الهدف وتحليل المعلومات المتعلقة به وإيصالها إلى متخذي القرار.

2. Claude – شركة Anthropic

ظهر اسم نموذج Claude في التقارير المتعلقة باستخدام الجيش الأمريكي للذكاء الاصطناعي خلال الحرب مع إيران.

ووفقاً لتقارير صحفية، استُخدم النموذج ضمن بيئة Maven للمساعدة في معالجة المعلومات وتحليلها وتقديم الاستنتاجات وتسهيل الاستعلام عن البيانات الاستخباراتية.

لكن من المهم التمييز بين دور Claude ودور منظومة Maven: فالأول نموذج ذكاء اصطناعي لغوي واستدلالي، بينما الثانية منصة عسكرية أوسع لدمج البيانات وإدارة المعلومات والعمليات.

ولا يعني وجود Claude داخل هذه المنظومة أنه كان يتخذ قرارات إطلاق النار بصورة مستقلة.

3. Project Maven – مشروع الاستخبارات الجغرافية الأمريكية

يُعد مشروع Maven أحد المشاريع الأساسية التي طورتها وزارة الدفاع الأمريكية بالتعاون مع وكالة الاستخبارات الجغرافية المكانية الوطنية.

يعتمد المشروع على تقنيات الرؤية الحاسوبية والتعلم الآلي لتحليل الصور ومقاطع الفيديو القادمة من الطائرات المسيّرة والأقمار الصناعية، والتعرف على الأجسام والمنشآت والتحركات ذات الأهمية العسكرية.

وتكمن قيمته العسكرية في تقليل الوقت الذي يحتاجه المحللون لمراجعة كميات هائلة من الصور والمواد المرئية.

4. Lattice – شركة Anduril

تقدم شركة Anduril منظومة Lattice التي تجمع بيانات أجهزة الاستشعار وأنظمة المراقبة المختلفة، وتساعد على بناء صورة ميدانية موحدة، مع دعم التنسيق بين الأنظمة والمنصات العسكرية.

وتدخل ضمن قدراتها متابعة الأجسام والتهديدات وتنسيق المعلومات بين وسائل الاستشعار والأنظمة غير المأهولة.

ويجب عدم الخلط بينها وبين Maven؛ فلكل منظومة وظائف وبنية تقنية مختلفة، كما أن وجودها ضمن منظومة الدفاع الأمريكية لا يثبت بالضرورة استخدامها في كل عملية عسكرية ضد إيران.

ثانياً: إسرائيل والحرب الخوارزمية.. من غزة إلى إيران

لم تبدأ إسرائيل استخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية مع الحرب على إيران، بل سبق أن طورت واستخدمت أدوات رقمية متقدمة خلال عملياتها في قطاع غزة.

ومن أبرز الأنظمة التي أثارت اهتماماً دولياً:

1. نظام The Gospel – هبسورا

يُستخدم النظام، وفقاً لما أعلنه الجيش الإسرائيلي وما تناولته التحقيقات الصحفية، في معالجة المعلومات الاستخباراتية وتوليد قوائم بمبانٍ ومنشآت مرشحة للاستهداف.

وتكمن وظيفته الأساسية في تسريع إنتاج الأهداف المحتملة اعتماداً على قواعد البيانات والمعلومات المتاحة.

وقد أثار النظام نقاشاً واسعاً حول مدى تأثير الأتمتة في حجم الأهداف المطروحة وسرعة اعتمادها.

2. نظام Lavender – لافندر

ارتبط اسم هذا النظام بعملية تحليل البيانات المتعلقة بأشخاص يُشتبه في ارتباطهم بالفصائل المسلحة في قطاع غزة.

ووفقاً لتحقيقات صحفية نشرتها مجلة +972 وموقع Local Call، استُخدم النظام لإسناد درجات تقييم للأشخاص بناءً على مؤشرات وبيانات متعددة.

وقد أثارت التقارير تساؤلات بشأن مدى الاعتماد على هذه التقييمات في تحديد الأشخاص المستهدفين، ومدى كفاية المراجعة البشرية.

في المقابل، قال الجيش الإسرائيلي إن Lavender أداة لتنظيم المعلومات ومساعدة المحللين، وإن إدراج أي شخص في قاعدة بياناته لا يكفي وحده لتصنيفه هدفاً عسكرياً.

3. Where’s Daddy?

هو نظام رقمي تحدثت عنه تحقيقات صحفية باعتباره أداة لمتابعة مواقع أشخاص مستهدفين وتحديد وجودهم في أماكن معينة، بما يساعد في تحديد توقيت العمليات العسكرية.

READ  بيان صحفي تزال قوات سوريا الديمقراطية تحتجز الكادر الصحفي لشبكة BAZNEWS لليوم الثالث على التوالي، وتستولي على بناء ومعدات الشبكة بالحسكة

وقد أثار استخدامه نقاشاً حول العلاقة بين المراقبة الرقمية والحياة المدنية، ولا سيما عندما تُستخدم البيانات لتحديد توقيت الضربات في أماكن سكنية.

4. أنظمة دمج المعلومات الاستخباراتية

إلى جانب الأنظمة السابقة، تعتمد إسرائيل على شبكات واسعة لجمع وتحليل البيانات القادمة من الطائرات المسيّرة والتنصت والصور الجوية ومصادر الاستخبارات البشرية والرقمية.

وهذا التكامل بين مصادر المعلومات والأنظمة التحليلية يمنح المؤسسة العسكرية قدرة على معالجة بيانات يصعب على المحللين التعامل معها بالسرعة نفسها باستخدام الوسائل التقليدية.

الملاحظة الأساسية: لا ينبغي اعتبار هذه الأنظمة أسلحة مستقلة أو افتراض أنها تتخذ جميع قرارات الاستهداف بنفسها؛ فهناك اختلاف بين إنتاج المعلومات، واقتراح الأهداف، واعتمادها، وتنفيذ الضربة.

ثالثاً: الوجه الآخر للذكاء الاصطناعي.. عندما تتحول السرعة إلى خطر

على الرغم من المزايا العملياتية التي يوفرها الذكاء الاصطناعي، فإن إدخاله في العمليات العسكرية يخلق مخاطر لا تقل أهمية عن المكاسب التي يحققها.

فالأنظمة الذكية ليست معصومة من الخطأ، وقد تقدم استنتاجات تبدو دقيقة ومنطقية، لكنها مبنية على بيانات قديمة أو ناقصة أو مضللة.

والأخطر أن الخطأ في المجال العسكري لا يبقى مجرد معلومة غير صحيحة على شاشة حاسوب، بل قد يتحول إلى قرار باستهداف مدرسة أو مستشفى أو سفينة تجارية، أو إلى مواجهة عسكرية بين دولتين.

المثال الأول: مدرسة البنات في ميناب الإيرانية

في 28 فبراير/شباط 2026، تعرضت مدرسة ابتدائية للبنات في مدينة ميناب الإيرانية لضربة جوية أسفرت، وفقاً للتقارير الإيرانية، عن مقتل أكثر من 160 شخصاً، معظمهم من الأطفال.

وأشارت تقارير صحفية أمريكية إلى أن المدرسة كانت مدرجة ضمن قاعدة بيانات للأهداف العسكرية، وأن الموقع ربما جرى تصنيفه بصورة خاطئة نتيجة الاعتماد على معلومات استخباراتية قديمة لم تُحدّث بعد تغير استخدام المبنى وانفصاله عن منشآت عسكرية مجاورة.

وذكرت صحيفة واشنطن بوست أن التحقيقات الأولية أثارت تساؤلات حول كيفية إدراج المدرسة ضمن قائمة الأهداف، وما إذا كانت البيانات القديمة قد أسهمت في الخطأ.

لكن من الضروري التأكيد أن دور الذكاء الاصطناعي المباشر في اختيار المدرسة لم يُحسم بصورة نهائية في التقارير الأولية، ولا يجوز الجزم بأن Claude أو Maven اتخذا قرار استهدافها.

هذه الحادثة تكشف مشكلة أعمق من مجرد خطأ تقني: عندما تدخل بيانات تاريخية إلى منظومة عسكرية سريعة، ولا تُحدّث أو تُراجع بصورة كافية، يمكن أن تتحول المعلومة القديمة إلى قرار عسكري قاتل.

فالمبنى الذي كان مرتبطاً بمنشأة عسكرية في الماضي قد يتحول لاحقاً إلى مدرسة أو مستشفى أو منشأة مدنية، لكن قاعدة البيانات قد تحتفظ بتصنيفه السابق.

وإذا لم يتمكن المحلل البشري من اكتشاف هذا التغير، فقد تنتقل المعلومة الخاطئة عبر سلسلة الاستهداف حتى تصل إلى الطائرة المقاتلة.

والنتيجة المحتملة ليست مجرد فشل استخباراتي، بل خسائر بشرية واسعة، وأزمة قانونية ودولية، وتراجع في مصداقية الدولة التي تنفذ العملية.

المثال الثاني: سفينة صينية كادت أن تشعل أزمة عسكرية

في سبتمبر/أيلول 2026، كشفت تقارير إعلامية عن حادثة أخرى توضح خطورة الاعتماد غير المدروس على الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات العسكرية الأمريكية.

فقد كادت القوات الأمريكية أن تعترض سفينة تجارية صينية في الشرق الأوسط، بعدما أنتج تحليل استخباراتي بمساعدة روبوت محادثة استنتاجاً خاطئاً يفيد بأن شحنة السفينة تتضمن مكونات مرتبطة ببرنامج للأسلحة النووية.

وبحسب الرواية التي نقلتها CNN عن مصادر مطلعة على الواقعة، استخدم محلل عسكري أداة ذكاء اصطناعي لفحص معلومات تتعلق ببيان شحنة السفينة، ودمجت الأداة معلومات مفتوحة مع بيانات استخباراتية حكومية.

ثم ساهمت الأداة في إعداد تقرير استخباراتي جرى تداوله عبر القنوات العسكرية.

وبناءً على هذا التقييم، بدأت الاستعدادات لاعتراض السفينة، وكانت طائرات عسكرية في الجو، فيما استعد أفراد لتنفيذ عملية الصعود إليها.

لكن مراجعة لاحقة أجراها محللون أكثر خبرة كشفت أن التقييم غير صحيح، فتوقفت العملية قبل تنفيذها.

تكمن خطورة هذه الحادثة في أنها لم تكن مجرد خطأ في إجابة روبوت محادثة، بل كانت معلومة خاطئة كادت تنتقل من شاشة المحلل إلى تقرير استخباراتي رسمي، ثم إلى استعدادات عسكرية فعلية ضد سفينة تابعة لدولة كبرى.

ولو لم يُكتشف الخطأ في الوقت المناسب، لكان اعتراض سفينة صينية قد أدى إلى أزمة دبلوماسية وعسكرية خطيرة بين واشنطن وبكين، خصوصاً في ظل التوترات الدولية القائمة.

وهنا تظهر إحدى أخطر مشكلات الذكاء الاصطناعي: قدرته على إنتاج معلومات خاطئة بلغة واثقة ومنظمة، بما يجعلها تبدو موثوقة لمن لا يتحقق من مصادرها الأصلية.

ماذا تكشف الحادثتان؟

حادثة المدرسة الإيرانية وحادثة السفينة الصينية تختلفان في طبيعتهما ونتائجهما، لكنهما تلتقيان عند نقطة واحدة:

المعلومة الخاطئة عندما تدخل سلسلة القرار العسكري قد تتحول إلى كارثة قبل أن تتاح فرصة تصحيحها.

في الحالة الأولى كانت النتيجة مأساة إنسانية واسعة، وفي الثانية كادت أن تتحول المعلومة الخاطئة إلى مواجهة مع دولة تمتلك قدرات عسكرية ونووية كبرى.

والدرس هنا أن سرعة الذكاء الاصطناعي لا تعني بالضرورة صحة المعلومات التي ينتجها، وأن دقة معالجة البيانات لا تعني أن البيانات نفسها صحيحة.

رابعاً: هل يؤدي الاعتماد على الذكاء الاصطناعي إلى إضعاف قدرات العسكريين؟

هناك خطر آخر لا يقل أهمية عن الأخطاء التقنية، ويتمثل في التأثير التدريجي للاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي في مهارات المحللين والعسكريين أنفسهم.

فالمحلل الاستخباراتي الذي اعتاد البحث عن المعلومات ومقارنة المصادر وفحص التناقضات وتكوين استنتاج مستقل، قد يجد نفسه تدريجياً أمام نظام يقدم له خلاصة جاهزة وتوصية محددة، فلا يعود مضطراً إلى بذل الجهد التحليلي نفسه.

ومع تكرار هذا النمط، تظهر ثلاثة مخاطر:

1. تراجع التفكير النقدي

قد يتراجع استعداد المحلل للتشكيك في النتائج التي تقدمها الأنظمة الذكية، خصوصاً عندما تكون مصاغة بصورة احترافية ومدعومة بكميات كبيرة من البيانات.

2. الاعتماد المعرفي على الآلة

قد يتحول المحلل من منتج للتقييم الاستخباراتي إلى مجرد مراجع لتوصيات جاهزة، ويصبح أكثر ميلاً إلى قبول استنتاج النظام بدلاً من إعادة بناء التحليل من مصادره الأولية.

READ  سرقة القرن": كيف نُهب 2.5 مليار دولار من جيوب العراقيين؟

3. تآكل الخبرة البشرية

إذا أصبحت الآلة تتولى معظم مهام جمع المعلومات وتصنيفها وتحليلها، فقد تتراجع فرص المحللين الأصغر خبرة في اكتساب المهارات اللازمة للتعامل مع المواقف المعقدة والاستثنائية.

ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي يؤدي حتماً إلى الكسل أو ضعف العسكريين، فهذه نتيجة محتملة تحتاج إلى قياس وتقييم، وليست حقيقة مثبتة على جميع المستخدمين.

لكن الخطر يكمن في أن تتحول المساعدة التقنية إلى اعتماد دائم، وأن تصبح قدرة العسكري على اتخاذ قرار مستقل مرتبطة بما تقوله الخوارزمية.

في الحرب، قد تكون المعلومة التي تبدو غير منطقية هي التي تكشف الخدعة، وقد يكون التناقض الصغير بين مصدرين هو الذي يمنع استهداف موقع مدني أو اعتراض سفينة بريئة.

ولهذا فإن الجندي أو المحلل الذي يفقد قدرته على التشكيك والتحقق قد يصبح أكثر عرضة للتضليل، حتى لو امتلك أقوى الأنظمة الرقمية.

خامساً: كيف يمكن للخصوم استغلال الذكاء الاصطناعي ضد الجيوش المتقدمة؟

إن امتلاك أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة لا يعني أن الدولة أصبحت محصنة من الخداع العسكري.

بل إن الاعتماد على هذه الأنظمة يفتح مجالاً جديداً أمام الخصوم لاستهداف مصادر المعلومات التي تعتمد عليها.

ومن أبرز وسائل التضليل المحتملة:

  • البيانات المضللة: إدخال معلومات غير صحيحة إلى مصادر البيانات التي تعتمد عليها الأنظمة العسكرية.
  • التزييف العميق: إنتاج صور ومقاطع فيديو مزيفة لقادة عسكريين أو تحركات ميدانية أو منشآت.
  • انتحال الإشارات: التلاعب بإشارات وأنظمة تحديد المواقع أو بيانات المستشعرات.
  • الأهداف الوهمية: استخدام مجسمات ومنشآت خادعة لتضليل أنظمة الرؤية الحاسوبية.
  • التلاعب بالصور الفضائية: استغلال تغيرات المشهد أو التمويه أو البيانات القديمة لتقديم صورة غير دقيقة عن الواقع.

وفي مواجهة خصم يمتلك قدرات تقنية متقدمة مثل الصين، قد لا يكون المطلوب اختراق منظومة الاستهداف الأمريكية مباشرة، بل التأثير في المعلومات التي تتغذى عليها تلك المنظومة.

فإذا استطاع الخصم جعل النظام يرى هدفاً غير موجود، أو يفسر منشأة مدنية باعتبارها منشأة عسكرية، فإن الخلل قد يبدأ قبل وصول المعلومة إلى المحلل البشري.

سادساً: هل يؤدي التفوق في الاستهداف إلى الانتصار في الحرب؟

هذه واحدة من أهم القضايا الاستراتيجية التي يطرحها التطور العسكري الجديد.

فالقدرة على تحديد آلاف الأهداف وتنفيذ الضربات بسرعة لا تعني بالضرورة تحقيق النصر السياسي أو العسكري النهائي.

قد تنجح منظومة الذكاء الاصطناعي في تحديد مواقع منصات الصواريخ ومراكز القيادة ومنشآت الدفاع الجوي، لكن ذلك لا يضمن إنهاء قدرة الخصم على القتال أو تحقيق الأهداف السياسية التي بدأت الحرب من أجلها.

بل إن التركيز المفرط على عدد الأهداف التي يمكن ضربها قد يدفع القيادات العسكرية إلى قياس النجاح بعدد العمليات المنفذة، بدلاً من قياسه بمدى تحقيق الأهداف الاستراتيجية.

وهنا تظهر معضلة خطيرة: عندما يصبح إنتاج الأهداف أسرع من قدرة القيادة على تقييم أهميتها، قد تتحول وفرة الأهداف إلى عامل يوجه الاستراتيجية العسكرية بدلاً من أن تخدمها.

كما أن الأخطاء التي تنتج عن الاستهداف الآلي قد تمنح الخصم مكاسب سياسية ودعائية، وتؤدي إلى تراجع الدعم الدولي للعملية العسكرية، وتزيد من احتمالات التصعيد.

وبذلك قد تحقق الدولة تفوقاً في سرعة القصف، لكنها تواجه إخفاقاً في إدارة النتائج السياسية والاستراتيجية للحرب.

سابعاً: ما الذي ينبغي على الجيوش فعله لتجنب كارثة الذكاء الاصطناعي؟

إن التعامل مع الذكاء الاصطناعي العسكري لا يتطلب التخلي عنه، بل وضع ضوابط تضمن أن تبقى التكنولوجيا أداة لدعم القرار البشري، لا بديلاً عن التفكير والتحليل والمسؤولية.

ومن أبرز الإجراءات المطلوبة:

  1. التحقق المستقل من الأهداف: عدم اعتماد أي توصية باستهداف موقع دون التحقق من حداثة المعلومات ومقارنتها بمصادر مستقلة.
  2. إلزامية المراجعة البشرية الفعلية: يجب أن يمتلك المسؤول العسكري القدرة والوقت والمعلومات اللازمة لرفض توصية النظام، لا أن تكون موافقته مجرد إجراء شكلي.
  3. تدريب المحللين على اكتشاف أخطاء الذكاء الاصطناعي: إدخال سيناريوهات تتضمن معلومات قديمة وتضليلاً متعمداً وتناقضاً بين أجهزة الاستشعار.
  4. اختبار الأنظمة بصورة مستقلة: استخدام أنظمة تحقق إضافية للكشف عن الأخطاء والشذوذات في النتائج التي تنتجها المنظومة الأساسية.
  5. إظهار مصادر المعلومات ودرجة موثوقيتها: يجب أن يعرف المحلل مصدر كل معلومة وتاريخ تحديثها، وما إذا كانت نتيجة مؤكدة أم مجرد استنتاج آلي.
  6. الحفاظ على الخبرة البشرية: عدم السماح بتراجع مهارات التحليل الاستخباراتي التقليدي، وإبقاء التدريب على جمع المعلومات وتقييمها والتحقق منها جزءاً أساسياً من التأهيل العسكري.
  7. المساءلة القانونية: تحديد المسؤوليات البشرية والمؤسسية عن قرارات الاستهداف، وضمان احترام قواعد التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين.

الخلاصة: المعركة القادمة قد تبدأ بتضليل خوارزمية

إن التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي العسكري يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراعات الدولية، تصبح فيها البيانات والخوارزميات وأجهزة الاستشعار عناصر أساسية في موازين القوة.

وقد أثبتت الأنظمة الأمريكية والإسرائيلية قدرتها على تسريع معالجة المعلومات وتوسيع نطاق العمليات الاستخباراتية والعسكرية، لكنها كشفت في الوقت نفسه عن تحديات تتعلق بدقة المعلومات، والاعتماد البشري، والمسؤولية عن الأخطاء.

حادثة مدرسة ميناب الإيرانية تضع أمام العالم سؤالاً حول كيفية انتقال المعلومات القديمة أو الخاطئة إلى قوائم الأهداف العسكرية، فيما تكشف حادثة السفينة الصينية كيف يمكن لتقييم آلي غير صحيح أن يدفع مؤسسة عسكرية إلى الاستعداد لعملية اعتراض ضد سفينة تابعة لدولة كبرى.

إن الخطر الحقيقي لا يكمن في أن تصبح الآلات أكثر ذكاءً من البشر، بل في أن يتوقف البشر عن ممارسة دورهم النقدي، وأن يتحولوا من صناع للقرار إلى منفذين لتوصيات الخوارزميات.

ففي الحروب، لا تكفي سرعة الوصول إلى الهدف إذا كان الهدف خاطئاً، ولا تكفي دقة الخوارزمية إذا كانت المعلومات التي تتغذى عليها مضللة.

وقد يكون التفوق العسكري في المستقبل لمن يمتلك أقوى أنظمة الذكاء الاصطناعي، لكن تجنب الكوارث العسكرية سيظل مرتبطاً بقدرة الإنسان على مراجعة هذه الأنظمة ومساءلتها ورفض نتائجها عندما تكون خاطئة.

BAZ News – ملف الذكاء الاصطناعي والحروب الحديثة


📰 أخبار ذات صلة

تابع آخر الأخبار على Baznews

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.