واشنطن – BAZ News
يبحث البنتاغون خيارات لإجراء خفض كبير في الوجود العسكري الأميركي في أوروبا، قد يشمل سحب نحو 25 ألف جندي من القارة، مع احتمال أن يرتفع العدد إلى 40 ألفاً، إلى جانب تقليص أعداد من الطائرات والسفن والأسلحة والذخائر الموجودة أو المخصصة للعمليات الأوروبية، وفق ما أوردته شبكة NBC News نقلاً عن مسؤولين أميركيين وأوروبيين حاليين وسابقين مطلعين على المداولات.
ولا يمثل السيناريو المطروح قراراً نهائياً بالانسحاب، إذ ما تزال وزارة الدفاع الأميركية تجري مراجعة شاملة للانتشار العسكري في أوروبا، ومن المقرر أن تتضمن المراجعة عدة خيارات قبل تقديم توصية نهائية إلى وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث. (ياهو)
خفض قد يشمل نحو ثلث القوات الأميركية في أوروبا
وبحسب المعلومات التي أوردتها NBC News، فإن أحد الخيارات المطروحة يقضي بسحب نحو 25 ألف جندي من أصل قرابة 80 ألف عسكري أميركي موجودين في أوروبا، أي ما يقارب ثلث القوة الحالية.
لكن مصادر أخرى مطلعة على المباحثات قالت إن الخفض قد يكون أكبر بكثير، بحيث يصل إلى 40 ألف جندي، وهو ما سيعني تقليص الوجود العسكري الأميركي في أوروبا بنحو النصف تقريباً.
وأكدت التقارير أنه لم يُتخذ قرار نهائي بشأن حجم الانسحاب أو نطاقه حتى الآن. (Anadolu Ajansı)
وفي حال تنفيذ خيار سحب 25 ألف جندي، سيهبط عدد القوات الأميركية في أوروبا حسابياً من نحو 80 ألفاً إلى حوالي 55 ألفاً، بينما يؤدي سيناريو سحب 40 ألفاً إلى بقاء نحو 40 ألف جندي فقط.
الخطة لا تقتصر على القوات البرية
ولا تقتصر المراجعة التي يجريها البنتاغون على عدد الجنود، إذ تشمل أيضاً القوات الجوية والبحرية والقدرات العسكرية والأسلحة والمعدات التي توفرها الولايات المتحدة لحلف شمال الأطلسي والدفاع عن أوروبا.
وكانت تقارير سابقة خلال العام الحالي قد أشارت إلى خطط أميركية لتقليص بعض القدرات الجوية والبحرية المتاحة للعمليات الأوروبية. وبحسب تقرير نقلته Reuters عن New York Times في يونيو، شملت الخيارات آنذاك خفض عدد بعض المقاتلات الأميركية المخصصة للعمليات الأوروبية، وتقليص طائرات الاستطلاع البحري وسحب طائرات التزود بالوقود المخصصة لدعم العمليات الأوروبية، إضافة إلى إعادة تموضع بعض القطع البحرية. (Defense News)
ويشير ذلك إلى أن النقاش داخل الإدارة الأميركية لا يتعلق فقط بعدد الجنود، وإنما بإعادة صياغة طبيعة البصمة العسكرية الأميركية في أوروبا والقدرات التي يمكن لواشنطن توفيرها للحلف في حال نشوب أزمة أو حرب واسعة النطاق.
ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا في دائرة التأثير
ومن بين الدول التي قد تتأثر بصورة مباشرة بأي إعادة انتشار واسعة للقوات الأميركية: ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا، وهي دول تستضيف أعداداً كبيرة من القوات والمنشآت العسكرية الأميركية.
وتضم ألمانيا على وجه الخصوص عدداً كبيراً من القواعد والمنشآت التي تؤدي أدواراً تتجاوز الدفاع عن الأراضي الألمانية، إذ تُستخدم لدعم العمليات الأميركية في أوروبا ومناطق أخرى.
وأفادت تقارير بأن الخيارات المطروحة قد تتضمن، بدلاً من سحب جميع القوات من أوروبا، إعادة توزيع جزء منها داخل القارة، بما في ذلك نقل بعض القدرات باتجاه الجناح الشرقي لحلف الناتو. (Anadolu Ajansı)
وهذا يعني أن إعادة الانتشار المحتملة قد لا تكون بالضرورة انسحاباً أميركياً كاملاً من منطقة بعينها، بل يمكن أن تتخذ شكل تغيير في مواقع تمركز القوات والقدرات العسكرية.
مراجعة تستمر ستة أشهر
وتأتي هذه التطورات في إطار مراجعة أعلنها وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث في يونيو بشأن حجم وانتشار وتمركز القوات الأميركية في أوروبا.
وبحسب وثائق اطلعت عليها Reuters، يفترض أن تنتج المراجعة ما لا يقل عن أربعة خيارات مختلفة للانتشار العسكري الأميركي، على أن تُرفع توصية إلى هيغسيث قبل الموعد النهائي المحدد للمراجعة. (Defense News)
وشارك الجنرال أليكسوس غرينكويتش، قائد القيادة الأميركية الأوروبية والقائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا، في إحاطة لوزارة الدفاع الأميركية في 18 سبتمبر بشأن المراجعة الجارية. وأفادت Reuters بأن العملية يمكن أن تستمر حتى ستة أشهر وأنها تشمل مشاورات مع الكونغرس. (Reuters)
وبحسب التقارير، من المتوقع أن يتلقى هيغسيث توصية نهائية في 6 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 قبل أن يُرفع أي مقترح إلى الرئيس دونالد ترامب. (Anadolu Ajansı)
لماذا تدرس واشنطن تقليص وجودها في أوروبا؟
ترتبط المراجعة برؤية أوسع لإدارة ترامب بشأن توزيع الأعباء داخل حلف الناتو.
وتدفع الإدارة الأميركية باتجاه تحمل الدول الأوروبية مسؤولية أكبر عن دفاع القارة، في وقت تريد فيه واشنطن الاحتفاظ بموارد عسكرية وقدرات تسمح لها بالاستجابة لتحديات ومناطق أخرى حول العالم.
وقال هيغسيث في سياق المراجعة إن الهدف يتمثل في انتقال أوروبا إلى تحمل مسؤولية أكبر عن دفاعها، مع الحفاظ على قدرة الولايات المتحدة على الوفاء بالتزاماتها العسكرية العالمية. (Reuters)
كما ارتبط النقاش بتوترات بين واشنطن وبعض الحلفاء الأوروبيين بشأن الدعم الأميركي للعمليات العسكرية خلال الحرب مع إيران، بما في ذلك قضايا استخدام القواعد الجوية وحقوق التحليق.
وأفادت Reuters بأن المراجعة تهدف أيضاً إلى التأكد من حصول الولايات المتحدة على الحقوق والتسهيلات التي تحتاج إليها في حال تنفيذ عمليات عسكرية من القواعد الموجودة في أوروبا. (Reuters)
تحذيرات أوروبية بسبب روسيا
ويأتي بحث تقليص القوات الأميركية في وقت تستمر فيه دول أوروبية في التحذير من المخاطر الأمنية المرتبطة بروسيا.
وتخشى حكومات أوروبية وبعض المسؤولين الأميركيين أن يؤدي انسحاب سريع أو واسع للقوات والقدرات الأميركية إلى خلق فجوة مؤقتة في قدرات الردع والدفاع، خصوصاً في الجناح الشرقي لحلف الناتو.
ونقلت تقارير عن مسؤولين وحلفاء أوروبيين مخاوف من أن يؤدي تقليص القوات الأميركية، إذا جرى بسرعة، إلى التأثير في قدرة الحلف على الردع، في وقت تواجه فيه أوروبا تهديدات عسكرية وهجينة تشمل الهجمات السيبرانية والتخريب وحوادث الطائرات المسيّرة. (Reuters)
وفي المقابل، تعمل الدول الأوروبية على زيادة الإنفاق الدفاعي وتطوير قدراتها العسكرية، في محاولة لتقليل اعتمادها على القدرات الأميركية.
عقبة قانونية وسياسية داخل الولايات المتحدة
وقد يواجه أي خفض كبير للقوات الأميركية في أوروبا قيوداً يفرضها الكونغرس.
وينص قانون تفويض الدفاع الوطني الأميركي للسنة المالية 2026 على قيود تتعلق بخفض عدد أفراد القوات الأميركية المنتشرين أو المتمركزين بصورة دائمة في منطقة القيادة الأوروبية إلى أقل من 76 ألفاً، كما يفرض إجراءات تتعلق بالتشاور مع حلفاء الناتو وتقديم تقييمات بشأن تأثير أي تغيير كبير في الانتشار العسكري.
وتشير وثائق الكونغرس إلى أن القانون يفرض إجراءات وشروطاً قبل تنفيذ مثل هذا الخفض، بما في ذلك تقديم تقييمات وشهادات من وزارة الدفاع والقيادة الأميركية الأوروبية. (كونغرس)
وبالتالي، فإن سيناريو سحب 25 ألف جندي من قوة تبلغ نحو 80 ألفاً لا يمكن اعتباره قراراً تنفيذياً بسيطاً؛ إذ إن تنفيذه سيطرح أيضاً مسائل تتعلق بالقيود التي أقرها الكونغرس.
خلاف داخل واشنطن حول طريقة إدارة المراجعة
ولم تقتصر المخاوف على الحلفاء الأوروبيين، إذ ظهرت أيضاً تساؤلات داخل الولايات المتحدة حول كيفية إدارة مراجعة الانتشار العسكري.
وذكرت Reuters أن السيناتورة الديمقراطية جين شاهين دعت وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي ماركو روبيو إلى ضمان مشاركة الدبلوماسيين الأميركيين والسفراء في عملية المراجعة، نظراً لما يمكن أن تتركه قرارات إعادة انتشار القوات من آثار على العلاقات مع الحلفاء. (Reuters)
كما أفادت تقارير بأن هناك اختلافات بين وزارة الدفاع ووزارة الخارجية بشأن بعض جوانب عملية المراجعة، وهو ما يعكس حساسية القرار بالنسبة للعلاقات الأميركية الأوروبية وبنية حلف الناتو. (Anadolu Ajansı)
ماذا يعني السيناريو بالنسبة لحلف الناتو؟
إذا اختارت واشنطن تنفيذ خفض واسع، فإن التأثير لن يقتصر على عدد الجنود الأميركيين الموجودين في أوروبا، بل قد يمتد إلى القيادة والسيطرة والاستخبارات والاستطلاع والنقل الجوي والتزود بالوقود والقدرات البحرية والأسلحة بعيدة المدى التي تعتمد عليها خطط الدفاع الجماعي للحلف.
وكانت تقارير سابقة قد حذرت من أن تقليص الطائرات والسفن وقدرات الدعم الأميركية يمكن أن يحد من قدرة الناتو على تنفيذ عمليات بعيدة المدى والاستطلاع والضربات الجوية في حال اندلاع أزمة كبيرة. (Defense News)
لكن حجم التأثير النهائي سيعتمد على الخيار الذي ستتبناه الإدارة الأميركية، وما إذا كان الخفض سيأخذ شكل انسحاب فعلي من أوروبا، أو إعادة تمركز للقوات داخل القارة، أو تقليص لبعض القدرات مع الإبقاء على قوات أخرى.
خطوة قد تعيد رسم الوجود الأميركي في أوروبا
وفي حال تنفيذ السيناريو الأكثر اتساعاً، أي سحب ما يصل إلى 40 ألف جندي إلى جانب جزء من الطائرات والسفن والمعدات العسكرية، فسيكون ذلك تحولاً كبيراً في حجم الوجود العسكري الأميركي في أوروبا مقارنة بالمستوى الحالي.
وتصف تقارير إعلامية هذا السيناريو بأنه سيكون أكبر تقليص للوجود العسكري الأميركي في أوروبا منذ مرحلة ما بعد الحرب الباردة، لكن هذه الصيغة تبقى مرتبطة بخيار لا يزال قيد الدراسة ولم يصدر بشأنه قرار نهائي. (Latin Times)
في المقابل، تشير المعطيات الحالية إلى أن واشنطن لا تبحث بالضرورة عن إنهاء وجودها العسكري في أوروبا، بل عن إعادة تشكيله بحيث تتحمل الدول الأوروبية حصة أكبر من الدفاع التقليدي، بينما تحتفظ الولايات المتحدة بقدرات تعتبرها أساسية لمصالحها الاستراتيجية العالمية.
ويبقى السؤال الرئيسي خلال الأسابيع المقبلة هو ما إذا كانت إدارة ترامب ستختار خفضاً محدوداً، أو إعادة توزيع للقوات داخل أوروبا، أو سيناريو أكثر اتساعاً يمكن أن يغير بصورة ملموسة طبيعة الوجود العسكري الأميركي داخل حلف الناتو.
الخلاصة: حتى 19 سبتمبر/أيلول 2026، لا يوجد قرار أميركي نهائي بسحب 25 ألفاً أو 40 ألف جندي من أوروبا. الأرقام المذكورة تمثل خيارات قيد الدراسة وفق مصادر تحدثت إلى NBC News، فيما تؤكد Reuters أن البنتاغون يجري بالفعل مراجعة للانتشار الأميركي وأن عدة خيارات مطروحة أمام القيادة الأميركية. (ياهو)