في الوقت الذي تُقدَّم فيه ما تُسمّى “مجالس العدالة الاجتماعية” التابعة لـ“الإدارة الذاتية” في مناطق سيطرة “قسد” على أنها نموذج قضائي حديث يجسّد “فلسفة العقد الاجتماعي”، يبدو المشهد على الأرض أقرب إلى عرض مسرحي طويل، تتبدل فيه الأدوار بينما يبقى النص ثابتًا: سلطة حزبية بواجهة قضائية.
فبينما تتباهى هذه المجالس بهيكليتها التي تبدأ من “لجان الصلح” في الأحياء وصولًا إلى “المحكمة العليا” في القامشلي، يرى مراقبون أن هذا البناء ليس أكثر من ديكور مؤسساتي أنيق، يخفي خلفه واقعًا مرتبكًا يفتقر لأبسط مقومات العدالة المستقلة.
قضاء “كوكتيل”… على ذوق الأيديولوجيا
بدل الاعتماد على مرجعية قانونية واضحة، تعتمد هذه المنظومة على خليط غير متجانس من القوانين والأفكار المستوردة، ما يجعل المواطن أمام نصوص غامضة لا تشبه واقعه ولا تعكس بيئته. والنتيجة؟ عدالة بنكهة “كوكتيل”، يصعب فهمها… ناهيك عن الثقة بها.
“الصلح خير”… لكن ليس دائمًا
يُسوَّق لمبدأ “العدالة التصالحية” كإنجاز حضاري، لكنه في التطبيق يبدو أقرب إلى تسويات شكلية تُفرض لامتصاص التوتر، لا لإنصاف المظلوم. الصلح هنا لا يعيد الحقوق بقدر ما يرحّل المشكلة، وغالبًا ما يميل لصالح الطرف الأقوى.
قضاة “الدورات السريعة”
في مفارقة لافتة، لا تحتاج لتكون خريج كلية حقوق لتصبح قاضيًا في هذه المنظومة، بل يكفي أن تجتاز “دورة فكرية” لبضعة أشهر. وهنا تتحول العدالة إلى وظيفة حزبية أكثر منها مهنة قانونية، حيث يصبح الولاء معيارًا يتفوق على الكفاءة.
رئاسة مشتركة… ومسؤولية ضائعة
رغم أن نظام “الرئاسة المشتركة” يُقدَّم كخطوة تقدمية، إلا أنه عمليًا ساهم في إبطاء القرارات وتشتيت المسؤوليات، خاصة مع اعتماد المحاصصة في التعيينات، حيث تُوزّع المناصب وفق التوازنات لا وفق الخبرات.
العدالة… لمن يدفع أكثر؟
في ظل ضعف الرقابة، برزت ظاهرة السمسرة داخل أروقة هذه المجالس، حيث يتحدث متابعون عن وسطاء قادرين على “تسهيل” القضايا مقابل المال أو النفوذ. وهكذا، تتحول العدالة إلى سلعة، تُشترى ولا تُنصف.
قوانين مثيرة للجدل
تعتمد الإدارة الذاتية قوانين خاصة، أبرزها “قانون الأسرة” الذي يمنع تعدد الزوجات ويُساوي في الميراث، ما يثير جدلًا واسعًا في مجتمع محافظ، ويطرح تساؤلات حول مدى توافق هذه القوانين مع البيئة المحلية.
مكاتب المرأة… حياد أم انحياز؟
رغم أهمية تخصيص مكاتب لقضايا المرأة، إلا أن بعض الانتقادات تشير إلى غياب التوازن، حيث يُنظر إلى هذه المكاتب على أنها تميل لصالح طرف معين، ما يضع مبدأ الحياد القضائي تحت المجهر.
القرار الحقيقي… خارج المحكمة
أخطر ما في المشهد، بحسب منتقدين، هو غياب الاستقلالية الفعلية، حيث تُدار القرارات الحساسة عبر قنوات حزبية غير رسمية. في هذه الحالة، يصبح القاضي مجرد منفذ، لا صاحب قرار، وتتحول المحكمة إلى مكتب إداري بغطاء قانوني.
بين الشعارات البراقة والواقع المعقد، تبدو “مجالس العدالة الاجتماعية” أقرب إلى أداة لإدارة المجتمع وفق رؤية سياسية، لا إلى مؤسسة قضائية مستقلة. وفي ظل هذا المشهد، يبقى المواطن البسيط هو الخاسر الأكبر، عالقًا بين نصوص لا يفهمها، وعدالة لا تشبهه.