حين أبكتني رسائل الوداع… ماذا تعلّمت من روضة ألمانية عن معنى التربية؟

 

بقلم: محمد الحسين

في حياتنا لحظات لا تُقاس بطولها، بل بالأثر الذي تتركه في القلب. ولعل أكثر اللحظات التي هزّت مشاعري خلال السنوات الأخيرة لم تكن حدثًا سياسيًا غطّيته، ولا قصة إنسانية كتبت عنها، بل ثلاث رسائل وداع صغيرة، كتبتها معلمات روضة لأطفالي.

 

لم تكن رسائل رسمية، ولا كلمات مجاملة تُكتب في نهاية العام الدراسي، بل كانت رسائل شخصية، كُتبت لكل طفل باسمه، وامتلأت بتفاصيل دقيقة عن شخصيته، واهتماماته، وضحكاته، ومواقفه اليومية.

 

اعترف أنني عندما بدأت قراءة الرسالة الأولى ابتسمت، وعندما انتقلت إلى الثانية اغرورقت عيناي بالدموع، أما الثالثة فلم أستطع إكمالها دون أن أبكي.

 

لم أبكِ لأن الكلمات كانت جميلة فقط، بل لأنني أدركت أن هناك من كان يرى أطفالي كما أراهم أنا، ويتابع تفاصيلهم الصغيرة بمحبة واهتمام.

لم يكونوا مجرد أطفال في الروضة

في رسالة ابني لوي، تحدثت المعلمات عن لعبته المفضلة “Bello Bello”، وعن ضحكاته وهو ينزل التل بالشاحنة الصفراء مع شقيقته حنان، وكيف كان في البداية يبحث عن أخواته، ثم بدأ يندمج مع بقية الأطفال، ويكوّن صداقات، ويتعلم اللغة الألمانية.

وفي رسالة ابنتي حنان، توقفت طويلًا عند عبارة بسيطة، لكنها كانت عميقة جدًا:

 

> “كان من الجميل أن نرى مدى اهتمامك بإخوتك وأصدقائك.”

 

كم هو رائع أن يلاحظ أحدهم هذه الصفات في طفل، وأن يدوّنها لتبقى ذكرى لا تُنسى.

أما رسالة رؤى، فقد وصفتها بأنها طفلة مستقلة، مفعمة بالحيوية، تعشق ارتداء زي حورية البحر طوال اليوم، وتحب المشاركة في أعياد الميلاد، وتنجز كثيرًا من الأمور بنفسها.

كل رسالة كانت مختلفة.

لأن كل طفل كان بالنسبة لهن شخصية مستقلة تستحق أن تُعرف وتُقدَّر.

READ  فضيحة المتلوّن: حسن الفرحان العبدالرحمن.. “أبو طي” المتسوّل على أبواب ميليشيات قسد!

وهنا أدركت أن التربية الحقيقية تبدأ من معرفة الطفل، لا من تلقينه.

 

رسائل لم تكن موجهة للأطفال فقط

 

في خضم الحياة اليومية، ينشغل الآباء والأمهات بالعمل، وبالمواعيد، وبالمسؤوليات التي لا تنتهي.

 

أحيانًا نظن أننا وحدنا من يعرف أبناءنا.

لكن تلك الرسائل جعلتني أكتشف أن هناك مربيات كنّ يلاحظن ما قد يغيب عنا أحيانًا.

كنّ يرين ضحكاتهم.

ولعبهم المفضل.

وطريقتهم في التعامل مع الآخرين.

وتطور شخصياتهم يومًا بعد يوم.

هذه التفاصيل لا يمكن أن تُكتب في رسالة إلا إذا كانت نابعة من اهتمام صادق.

 

التربية ليست تعليمًا فقط

 

لقد علمتني هذه التجربة أن التعليم الحقيقي لا يقتصر على الحروف والأرقام.

التربية هي أن يشعر الطفل بأنه محبوب.

أن يشعر بأنه مرئي.

أن يشعر أن هناك من يفهمه ويؤمن به.

 

وعندما يغادر الطفل مكانًا وهو يحمل ذكريات جميلة، فهذا يعني أن من رافقه لم يكن يؤدي وظيفة، بل كان يؤدي رسالة.

 

وربما لهذا السبب كانت هذه الرسائل أكثر تأثيرًا فيّ مما كانت على أطفالي أنفسهم.

 

كلمة امتنان من القلب

إلى المعلمات العزيزات…

هايمكه، إنغه، ومارايله.

أكتب إليكن اليوم، لا بصفتي صحفيًا، بل بصفتي أبًا.

أبًا وجد في كلماتكن ما لا يمكن شراؤه أو تعويضه.

لقد منحتم أطفالي أكثر من التعليم والرعاية.

منحتموهم الحب.

والأمان.

والاهتمام.

والثقة.

ومنحتموني أنا شعورًا عظيمًا بالاطمئنان، لأن أطفالي كانوا في مكان يرى الإنسان قبل أن يرى الطفل، ويرى الشخصية قبل أن يرى الاسم.

لقد أثبتن أن التربية ليست وظيفة تنتهي بانتهاء ساعات الدوام، بل رسالة إنسانية عظيمة، لا يدرك قيمتها إلا من يراها بعين الأب أو الأم.

 

شكرًا… لأنكن صنعتن فرقًا

 

READ  “عبود الأحمد: فنان سوري صنع من التحديات سلّماً للإبداع، بين خشبة المسرح وشاشة التلفاز، ورحلة التوازن بين الفن والعائلة

في عالم يكثر فيه الحديث عن المناهج والبرامج التعليمية، ربما ننسى أن أجمل ما يتذكره الطفل ليس الكتاب الذي قرأه، بل الإنسان الذي احتواه.

ولذلك أجد من واجبي أن أوجه كل الشكر والتقدير لإدارة ومعلمات روضة Lottbek.

ليس لأنهن كتبن رسائل وداع فقط، بل لأن تلك الرسائل أثبتت أن سنوات الروضة لم تكن مجرد وقت يقضيه الأطفال حتى يعود أهلهم من أعمالهم، بل كانت رحلة مليئة بالمحبة، والرعاية، والاهتمام الحقيقي.

 

رسالة إلى كل أب وأم

 

إذا عاد طفلك يومًا من الروضة مبتسمًا، فلا تظن أن الأمر عابر.

فخلف تلك الابتسامة معلمة ربما بذلت جهدًا كبيرًا، واحتضنت خوفه، وشجعته عندما تعثر، وفرحت معه عندما نجح.

المربي الحقيقي لا يغيّر يومًا في حياة الطفل فحسب، بل قد يترك أثرًا يرافقه طوال العمر.

أما أنا، فسأحتفظ بهذه الرسائل في مكان خاص، ليس لأنها أوراق جميلة، بل لأنها شهادة إنسانية نادرة، ذكّرتني بأن أجمل ما يمكن أن يقدمه الإنسان لطفل هو أن يشعره بأنه محبوب، ومهم، وأن أحدًا كان يرى تفاصيله الصغيرة بعين مليئة بالرحمة.

شكرًا من القلب لمعلمات روضة Lottbek.

لقد رافقتن أطفالي في بداية طريقهم، لكنكن تركتن أثرًا سيبقى في قلب أبٍ لن ينسى أبدًا هذا الوفاء، وهذا الاهتمام، وهذه الإنسانية الراقية.


📰 أخبار ذات صلة

تابع آخر الأخبار على Baznews

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.