المانيا/ BAZNEWS
أعداد وتحرير: Mohamad ALHUSSEIN
تدخل ألمانيا مرحلة سياسية حساسة مع تصاعد مؤشرات التوتر داخل الائتلاف الحاكم بقيادة المستشار Friedrich Merz، وسط توقعات متزايدة بإمكانية انهيار الحكومة قبل نهاية ولايتها. هذه التوقعات لم تعد مجرد تحليلات إعلامية، بل تحوّلت إلى تصريحات علنية من داخل المعسكر المحافظ نفسه، ما يعكس عمق الأزمة التي تعيشها برلين سياسيًا واقتصاديًا.
في هذا السياق، أثار السياسي في الاتحاد المسيحي Christian von Stetten جدلًا واسعًا عندما حذّر من أن الحكومة الحالية قد لا تصمد طويلًا، مشيرًا إلى تصاعد الخلافات بين CDU/CSU وSPD. هذه الخلافات، بحسب مراقبين، لم تعد تقتصر على تباينات في الرؤى، بل وصلت إلى صعوبة حقيقية في تمرير إصلاحات أساسية، خصوصًا في الملفات الاقتصادية والمالية.
التحذيرات من داخل الائتلاف تأتي في وقت تواجه فيه ألمانيا ضغوطًا اقتصادية متزايدة، على رأسها أزمة ارتفاع أسعار الطاقة والوقود، والتي تفاقمت نتيجة التوترات الجيوسياسية، لا سيما المرتبطة بالصراع مع إيران. وقد فشلت الإجراءات الحكومية الأخيرة، مثل آلية تنظيم الأسعار في منتصف النهار، في تحقيق نتائج ملموسة، ما دفع جهات مؤثرة مثل ADAC إلى توجيه انتقادات حادة للحكومة، معتبرة أن السياسات الحالية لم تخفف العبء الحقيقي عن المواطنين.
في الكواليس السياسية، تتسارع النقاشات حول حزمة دعم جديدة قد تشمل تخفيضات ضريبية على الوقود أو مساعدات مالية مباشرة للسائقين، في محاولة لاحتواء الغضب الشعبي المتصاعد. إلا أن غياب رؤية واضحة حتى الآن يعكس حالة التردد داخل الحكومة، ويزيد من الشكوك حول قدرتها على إدارة الأزمة.
بالتوازي مع التحديات الداخلية، فجّر المستشار ميرتس موجة جدل دولي بعد تصريحات غير مسبوقة انتقد فيها بشدة السياسات الأمريكية، خصوصًا في ما يتعلق بالتعامل مع إيران. فقد اعتبر أن الولايات المتحدة أخفقت في إدارة الصراع، واصفًا تدخلها بأنه تم دون استراتيجية واضحة للخروج، في تكرار لما حدث في Iraq War وWar in Afghanistan.
هذه التصريحات قوبلت برد حاد من الرئيس الأمريكي Donald Trump، الذي قال إن ميرتس “لا يعلم ما الذي يتحدث عنه”، ما يعكس توترًا غير معتاد في العلاقات عبر الأطلسي، ويضع ألمانيا في موقف دبلوماسي معقد بين الحفاظ على تحالفها التقليدي مع واشنطن والدفاع عن مصالحها الاقتصادية.
ميرتس، من جهته، لم يخفِ حجم الضغوط التي يتعرض لها داخليًا، حيث أقرّ بأن مستوى الانتقادات والهجمات ضده غير مسبوق مقارنة بمن سبقوه في المنصب. وتأتي هذه التصريحات في ظل تراجع حاد في شعبيته، إذ تشير استطلاعات الرأي إلى أن نسبة الرضا عن أدائه لا تتجاوز 15%، مقابل 83% من الألمان غير الراضين.
هذا التراجع يعكس فجوة متزايدة بين الحكومة والرأي العام، خاصة مع شعور قطاعات واسعة من المواطنين بأن وعود الإصلاح والتغيير لم تتحقق. وقد اعترف ميرتس نفسه بوجود مشكلة في إيصال رسائله السياسية، مؤكدًا أنه يعيد تقييم أسلوبه في التواصل مع الجمهور.
اقتصاديًا، تطرح الحكومة أفكارًا مثيرة للجدل، مثل رفع الضريبة على أصحاب الدخل المرتفع من 45% إلى 47.5%، مقابل إلغاء ضريبة التضامن، إضافة إلى مقترحات لإصلاح نظام التقاعد عبر ربطه بعدد سنوات العمل بدلًا من العمر فقط. إلا أن هذه الطروحات قد تزيد من حدة الانقسام السياسي، خصوصًا داخل الائتلاف نفسه.
في المجمل، تبدو ألمانيا أمام مفترق طرق حاسم؛ فبين ضغوط الداخل وتحديات الخارج، يواجه المستشار ميرتس اختبارًا صعبًا قد يحدد مصير حكومته. ومع تصاعد الدعوات لإجراء انتخابات مبكرة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تنجح الحكومة في استعادة توازنها خلال الأشهر المقبلة، أم أن البلاد تتجه نحو أزمة سياسية قد تعيد رسم المشهد بالكامل؟
المؤكد أن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة، ليس فقط لمستقبل الحكومة، بل أيضًا لمكانة ألمانيا في أوروبا والعالم، في ظل تحولات متسارعة تتطلب قيادة مستقرة ورؤية واضحة، وهو ما يبدو أنه لا يزال محل اختبار حتى الآن.