تتعامل الحكومة السورية بحذر شديد مع الملف المعقد في مناطق شمال وشرق سوريا، في ظل وجود تشكيلات مسلحة نشأت خلال سنوات الحرب بدعم دولي، وهو واقع فرضته ظروف الصراع والتحالفات الإقليمية والدولية في البلاد.
وخلال سنوات الحرب السورية، ظهرت تشكيلات عسكرية مرتبطة ببنية تنظيمية تعود جذورها إلى تنظيم حزب العمال الكردستاني (PKK)، المصنف على لوائح الإرهاب لدى عدد من الدول بينها تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وعدة دول أخرى. وقد برزت هذه التشكيلات في سياق الحرب ضد تنظيم “داعش” وفي إطار التوازنات العسكرية التي رافقت الصراع مع نظام بشار الأسد.
وتشير قوائم صادرة عن جهات أمنية تركية إلى أن عدداً من القيادات البارزة المرتبطة بهذه التشكيلات مدرجون على ما يعرف بـ“اللائحة الحمراء” للمطلوبين الخطرين المرتبطين بتنظيم PKK، وهي قائمة تضم شخصيات تعتبرها أنقرة من أبرز قيادات التنظيم.
وخلال مرحلة ما قبل سقوط نظام الأسد، تمكنت هذه القوات من السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي السورية تحت شعار محاربة الإرهاب وتنظيم “داعش”، مستفيدة من الدعم العسكري واللوجستي الذي قدمه التحالف الدولي. إلا أن هذه السيطرة رافقها، بحسب روايات محلية وتقارير متعددة، فرض سلطة عسكرية وأمنية على السكان المحليين في تلك المناطق.
ويتهم سكان محليون هذه القوات بأنها قامت بتجنيد أبناء المنطقة قسراً، بما في ذلك القاصرين، إضافة إلى فرض إدارة سياسية وأمنية جديدة وتغيير أسماء بعض المناطق والبلدات وفرض هياكل حكم محلية مرتبطة بها. كما تحدث ناشطون عن ملاحقة المعارضين، حيث يتم توجيه تهم الإرهاب لمن يعترض من العرب، بينما يُتهم بعض المعارضين الأكراد بالعمالة لتركيا.
وخلال السنوات الماضية، غيرت هذه التشكيلات أسماءها وهياكلها التنظيمية أكثر من مرة، في خطوة فُسرت بأنها محاولة لتجنب القيود القانونية الدولية المرتبطة بتنظيم PKK، مع الاستمرار في العمل ضمن بنية قيادية مشتركة. كما تشير مصادر إلى أن عدداً من القيادات يستخدمون أسماء حركية مختلفة أو يحملون أكثر من جنسية.
ويرى مراقبون أن هذه القوات تحولت خلال سنوات الحرب إلى أداة ضمن توازنات إقليمية ودولية في الصراع السوري، في ظل تعقيدات المشهد وتعدد القوى الفاعلة في المنطقة.
ومع انتهاء المرحلة العسكرية الكبرى من الصراع وسقوط نظام الأسد، برزت معضلة مستقبل هذه التشكيلات المسلحة، حيث تسعى الحكومة السورية – وفق تقديرات سياسية – إلى معالجة هذا الملف بحذر شديد لتجنب اندلاع صراع جديد في المنطقة.
وتشير تقديرات إلى أن المرحلة الحالية قد تشهد مفاوضات وضغوطاً متبادلة حول مستقبل هذه القوات، وسط مخاوف من أن يؤدي أي تصعيد إلى توترات بين مكونات المنطقة المختلفة التي عانت لسنوات طويلة من آثار الحرب والصراع.
