سوريا – مروان مجيد الشيخ عيسى
سياسة البعض مثل الطقس الذي تعلن عنه النشرات الجوية، يتقلب من يومٍ لآخر، وهذه ماتسمى بالسياسة، لا تثبت على قدم، ولا يستقر لها حال، تدور في فلك المصالح، فعدو الأمس صديق اليوم، وصديق الأمس عدو اليوم.
في سياق الترنح العربي الذي تزداد وتيرته يوما بعد آخر، فقد فوجئ الكثير بموقف جديد اتخذته قيادة حركة حماس، يتسق مع هذا الترنّح إزاء الملف السوري، إذ بدت استعدادات التقارب مع النظام السوري ، حيث بدأت في بيان الحركة لإدانة العدوان الإسرائيلي المتكرر على الأراضي السورية، وإعرابها عن تقديرها لوقوف سوريا قيادة وشعبا لدعم الشعب الفلسطيني، واحتضان المقاومة على مدى عقود، والتأكيد على مضي الحركة في تطوير علاقات راسخة مع سوريا.
فهذا الموقف لحماس كان صادما لقطاعات كبيرة من الجماهير العربية، خاصة الشارع الثوري العربي، واعتبره البعض خيانة للشعب السوري المنكوب، الذي عانى ماعاناه من ويلات ودمار وقتل على يد النظام الدموي، فإلى أي مدى تصدق هذه الرؤية؟
فلو ألقينا الضوء على علاقة حماس بالنظام السوري، بعد اندلاع الثورة السورية ضد النظام المجرم، فقبل ثورات الربيع، كانت قيادات الحركة تتخذ من الأراضي السورية مقرا لها، وينعم مسؤوليها بدعم وتأييد النظام ، وإزاء البطش الدموي الذي مارسه النظام ضد الشعب السوري ، فكان قرار الحركة حاسما في الانحياز للشعب السوري والشعوب العربية في مطالبها الثورية العادلة، ما أدى إلى تراجع الدعم الإيراني لحماس، باعتبار بشار الأسد حليفا استراتيجيا لإيران، وقضت قيادة الحركة ستة أشهر بعدها بالطائرات تجوب الدول العربية والإسلامية، فأكثر من خمسين دولة عربية وإسلامية أغلقت الباب في وجه الحركة، إلى أن استضافتها قطر.
الموقف الأخير لحماس تجاه التقارب مع النظام السوري، على الرغم من فداحته وعدم قبوله، على الأقل من جميع السوريين، الذين اكتووا بنيران النظام السوري، وبعيدا عن العاطفة التي تتجه لاستنكار مثل هذا الأمر، إلا إنه لا يمكن تفسيره والنظر إليه والحكم عليه بمعزل عن السياق العربي، فالنظام تمكن خلال السنوات الأخيرة، وبدعم حلفائه الروس والإيرانيين، من تحقيق إنجازات ميدانية وضعت العالم أمام واقع جديد، يبرز تقدم النظام بخطوات واضحة لاستعادة كامل السيطرة على الأراضي السورية.
أدركت الدول المعنية بالقضية السورية والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، والعديد من حكوماتها، أن الحسم العسكري أصبح مستحيلا، وأن الحل السياسي هو السبيل الوحيد لإنهاء الحرب. بناء على ذلك اتجهت دول خليجية وعربية إلى تطبيع العلاقات مع النظام السوري، والعمل على تعويمه وإدماجه في البيت العربي، عن طريق إعادة تمثيلها الدبلوماسي داخل سوريا، وعودة السفراء، بهدف تحجيم جزئي للنفوذ الإيراني في سوريا، كما تسعى هذه الدول إلى تحقيق حضور عربي في ملفات الإعمار وبناء علاقات اقتصادية تستفيد منها تلك الدول.
لقد أصبح المسار واضحا في إعادة النظام السوري إلى الجامعة العربية والبيت العربي مرة أخرى، ومن الواضح أن نجاح النظام في فرض واقع جديد لصالحه، قد جعل دولا أخرى مثل تركيا تدلي بتصريحات تحمل نوعا من التوطئة لتقاربات مع النظام السوري، وحتى الدول العربية التي تتمسك بحل سياسي للأزمة بما يتوافق مع قرار مجلس الأمن الدولي 2254، فإنها قد فتحت قنوات اتصالات مباشرة مع مسؤولي الاستخبارات السورية، لبحث إعادة التمثيل الدبلوماسي داخل سوريا.
هذا الموقف من بعض الدول العربية حدا بأخرى للاتكاء عليه في بناء رؤية مفادها، أنه لم يعد هناك جدوى من لفظ النظام السوري خارج الإطار العربي، فالجزائر مثلا ترى أنه لم يعد تعليق عضوية سوريا في الجامعة العربية أمرا مقبولا بعد انفتاح حكومات خليجية على النظام السوري.
تأسيسا على هذه المتغيرات، يمكن مناقشة موقف حماس الأخير، التي يهمها في المقام الأول شأنها الداخلي المبني على تحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني، والاندماج في محيطها العربي والإسلامي لتبقى القضية الفلسطينية قضية مركزية للأمة، وتحظى المقاومة بدعم عربي إسلامي.
نعم هو موقف يؤسف له أن يتم التقارب مع نظام دموي قتل واعتقل وهجّر وشرّد الملايين من الشعب السوري، وارتكب ضده مجازر بشعة بالبراميل المتفجرة والفوسفور، لكن هل من مصلحة حماس الوقوف بمعزل عن توجه عربي أصبح أمرا واقعا؟ حماس تنظر إلى التطبيع العربي مع النظام على أنه حاصل لا محالة، سواء تناغمت الحركة مع هذا التوجه، أم وقفت بمعزل عنه، فلما لا تستفيد هي الأخرى، ولم تبق الحركة وحدها في العراء في موقف المعارض أو حتى المحايد مع احتياجها للدعم، في حين أن حكومات عربية هرولت نحو التطبيع.
حماس ليست دولة، حماس حركة مقاومة تخلت عنها معظم الدول العربية وتركتها لنهش الحصار ومنعتها الدعم في قضية من المفترض أنها قضية عربية إسلامية عامة، ولجأت إلى إيران لنيل الدعم، ثم هوجمت من قبل المنابر الثقافية والإعلامية في دول تقوم بالتطبيع مع الكيان الإسرائيلي ذاته.
وكل ذلك لأن حركة حماس اتخذت من نظام الملالي الفارسية داعما أساسيا بعيدا عن الحضن العربي .