دير الزور – مروان مجيد الشيخ عيسى
البيئة الفراتية كان لها الأثر الأكبر في الفن الغنائي بدير الزور بسبب تعدد الحضارات التي سكنت وادي الفرات ما إدى إلى تفرد مدينة دير الزور بلهجة خاصة تحتوي مفردات من البداوة والريف إضافة إلى اختلاف الوان غناء سكان الضفة اليمنى من النهر عن الضفة اليسرى ليصل إلينا الغناء الفراتي وهو يحمل من بيئة النهر والسهل والبادية الكثير ويعبر عن عالم خاص بأهالي المنطقة حيث يصف فرحهم أيام حصاد القمح وحزنهم أيام فيضان نهر الفرات ويصور لوعة المحبين وآلام الفراق. فطريق الحرير والتي كانت دير الزور إحدى محطاته نقل لنا الكثير من تراث الشعوب مثل المولية المشتقة من المولوية هذا الفن المعروف تاريخيا بغنائه ورقصه والمؤلفة من خمسة اشطر اختصرت في المولية إلى أربعة أشطر فقط كما اختصر الموشح ليصبح قداً.
والرحلات التجارية النهرية من تركيا وحتى مصب نهر الفرات في خليج البصرة نقلت إلينا الكثير من الألوان الغنائية التي استقر العديد منها في دير الزور وتطور بما يلائم بيئتها ومن هذه الألوان اللالا والمقصود بالقول اللا لا ولالاولالا أي القمر علا لالا أي تلألأ وشوهد من قبل الجميع كذلك من ألوان الغناء الفراتي المايا ويقصد بها إمرأة تعيش على ضفاف نهر الفرات والبوردانة وهي البربانة وهو اسم لمرأة كانت تقدم القهوة فغنوا لها ويوجد فن آخر هو الميجنى ويقصد به الماء جنى كناية عن فيضان نهر الفرات وما يخلفه هذا الفيضان من خراب.
وهناك ألواناً أخرى من ألوان الغناء الفراتي كالمشعلاني والهوارة الديرية والعتابا بشقيها الهواوي ويقال للغزل والحب والفراقي للبكاء والحزن والفراق والموال الفراتي يضم في الغالب عدة ألوان هي النايل والسويحلي والهواوي وجميع هذه الألوان تعبر عن البيئة الفراتية.
ويشير إلى أن اكتشاف التمثال الذي يصور اورنينا مغنية المعبد في مدينة ماري بدير الزور وهي أول مغنية في العالم وهذا يعد دليلا على قدم الغناء في منطقة الفرات فضلاً عن ذلك أنه أقيمت في دير الزور سنة 1917 أول مدرسة لتعليم المقام الموسيقي وكان مدرسوها من خريجي الأستانة وكانت تتموضع في تكية الشيخ الراوي بديرالزور وأشهر الموسيقين الذين درسوا فيها الموسيقي الكبير عبد الرحمن القبنجي والد الموسيقار محمد القبنجي مؤسس المقام العراقي.
ويشير الفنان يحيى إلى الدور الريادي للموسيقار محمود اسماعيل وهو من أبناء دير الزور وأول خريج سوري من كلية الآداب الموسيقية في مصر عام 1961 الذي قام بجمع التراث الفراتي القديم وتوثيقه بشكل علمي لينشره بعدها إلى العازفين الذين تصرفوا به بما يتناسب مع العصر وتطورات الحياة في البيئة الفراتية وبعد ذلك أخذ الفنانين في ديرالزور يهتمون بجمع التراث الغنائي للمنطقة ويتصرفون به ويعيدون تقديمه حيث ظهرت أسماء كتاب للأغنية اهتمت بالغناء الفراتي التراثي وإعادة غنائه وكتابة كلماته وتأليف الحان جديدة وتطوير القديم منها دون الخروج عن القالب الأصلي.
والهدف من تأسيس فرقة الفرات الموسيقية التي يقودها هو جمع التراث الفراتي وإعادة نشره من جديد ليبقى في الأذهان فالفرقة تأسست عام 2003 إلا أن الاهتمام الشخصي بجمع التراث الغنائي الفراتي بدأ منذ عام 1980 وتم توثيق 200 عمل مختلف في هذا المجال فالتطور الذي طرأ على التراث الغنائي الفراتي يعد تطوراً هاماً لأنه هذب الكلام. لكل لون غنائي فراتي مناسبته الخاصة التي يغنى فيها فالعتابا الفراتية بلونيها الفراقيات والهواوي تغنى في الأفراح والأحزان والنايل يغنى في الأحزان فقط والسويحلي والمولية الفراتية والممر والبوردانة واللالا تغنى في الريف والمدينة بجميع المناسبات الاجتماعية وتعبر عن الطقوس الاجتماعية والإنسانية لسكان وادي الفرات بشكل عام.
والغناء الفراتي يمتاز بأصالة شديدة لارتباطه بالجغرافية الفراتية وتعبيره عما يجول في خاطر الإنسان الفراتي بصدق وعفوية وهذا ما سهل حفظه وتناقله وبقائه حتى اللحظة متداولاً رغم اندثار وغياب قسم لا يستهان به من التراث الفراتي بشكل عام.
وبعض الآلات الموسيقية المستعملة قديماً بدير الزور وريفها كالربابة والطبل والدف والشاخولة والزمارة والناي والمطبك والمجوز.