الشمال السوري بين الفساد واستبداد الفصائل المسلحة السورية

حلب – مروان مجيد الشيخ عيسى 

كانت الخطة التركية التي أشرف على وضعها جهاز المخابرات، حسب المعلومات المتداولة في أوساط المعارضة السورية، والتي تم تحديد الخامس عشر من تشرين الأول موعداً للمباشرة بتنفيذها، كانت تهدف من حيث المبدأ إلى فرض الاستقرار الأمني والإداري في الشمال، من أجل إعادة ما لا يقل عن 500 ألف لاجئ سوري من تركيا إليها، بعد إنجاز البنية التحتية اللازمة.

وحسب المعلومات التي أكدها صحفيون ومحللون أتراك مقرّبون من حزب العدالة والتنمية الحاكم، فقد رأت أنقرة أن الجهة الأقدر على القيام بهذه المسؤولية هي حكومة الإنقاذ التابعة لهيئة تحرير الشام، لكن العقبة الوحيدة أمام ذلك كان الرفض المتوقع من جانب الفيلق الثالث لإيكال المهمة إلى هذه الجهة.

وبما أن الفيلق ليس فصيلاً مَرضيّاً عنه بشكل كامل من جانب أنقرة، فإن الجهات التركية التي كانت معنية بتنفيذ الخطة، أخبرت، كما تقول مصادر، الفصائل الأخرى بأنها لن تمانع من استخدام القوة ضده، حتى وإن اقتضى الأمر إنهاءه، بشرط أن يحدث ذلك بأقصى سرعة ودون إراقة دماء.

لا توجد معطيات قاطعة تحسم ما إذا كان الهجوم الذي شنه الفيلق الثالث ضد فرقة الحمزات، في العاشر من هذا الشهر، ولاحقاً ضد فرقة العمشات بعد يومين، جاء كعملية استباقية لخطة الإجهاز عليه، لكن المؤكد أن قيادة الفيلق أخطأت التقدير بشكل واضح عندما قررت خوض مواجهة مع الفرقتين، خاصة أنها كانت تعلم مسبقاً بتحالف الأخيرة مع هيئة تحرير الشام، وتربص حركة أحرار الشام المجاورة في مناطق انتشارها بريف حلب الشرقي لفرقة الحمزة، في وقت لم يكن فيه الفيلق جاهزاً على الصعيد الداخلي لخوض مثل هذه المواجهة الواسعة.

باختصار فرضت كل الظروف نفسها لتشكّل حلقة بدأت تضيق حول رقبة الفيلق الثالث مع توسّع المواجهات والهجوم المنظّم من قبل الخصوم ضده من جبهات مختلفة، بل والأقسى من ذلك كانت المساهمة الفعالة التي لعبها تواطؤ فصائل أخرى ضده، حيث سمح فيلق الشام بدخول قوات الجولاني من معاقله، بينما شاركت مجموعات تابعة لحركة نور الدين زنكي في القتال، بسبب مشاكل قديمة بينهم وبين قادة وتشكيلات في الفيلق الثالث.

لكن رغم ذلك فقد صمدت قوات الفيلق التي تحصّنت في بلدة كفر جنة، بين مدينتي إعزاز وعفرين بريف حلب الشمالي من جهة، وتلك التي تمركزت في منطقة الباب من جهة أخرى، ما منع تقدماً سهلاً لخصومها نحو معقلها الرئيسي في إعزاز، بينما اكتفى الجيش التركي بالانتشار في عفرين والمراقبة.

إلا ان سقوط كفر جنة، وبقدر ما كان يُنظر إليه على أنه إيذان بانتهاء الفيلق الثالث، بقدر ما شكّل مناسبة لعودة التماسك والروح له، بعد تقاطر المقاتلين من التشكيلات التي رفضت القتال في البداية بسبب خلافات داخلية، والانتفاضة الشعبية الواسعة التي عبرت عن رفض قاطع من خلال المظاهرات والاعتصامات لسيطرة هيئة تحرير الشام على الشمال، الأمر الذي مثّل نقطة تحوّل فارقة أجبرت الجميع على اتخاذ مواقف جديدة.

كان من أهم نتائج هذه الانتفاضة، تمزيق كوادر ومقاتلي الفيلق الثالث الاتفاق الذي كانت قيادته قد وقعته يوم الأحد 16 تشرين الأول مع “أبو محمد الجولاني” متزعم هيئة تحرير الشام. وتضمّن بنوداً اعتُبرت مُذلّة بالنسبة للفيلق، بالنظر إلى أنها جرّدته من كل امتياز، وحصرت نشاطه في الرباط والقتال، مقابل إشراف الهيئة على إدارة المنطقة بكاملها.

لكن ما سبق لم يكن كل ما ترتب على هذه الانتفاضة من نتائج إيجابية بالنسبة للفيلق الثالث، إذ تسبّب الضجيج الذي أحدثته المظاهرات، مع نجاح قيادة الفيلق بإطالة وقت التفاوض على اتفاق جديد أو إدخال تعديلات على الاتفاق السابق، في لفت الانتباه بشكل كبير لما يحدث، حيث كشف معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى عن توجيه الولايات المتحدة طلباً لتركيا بإخراج هيئة تحرير الشام من عفرين والمناطق التي تمددت إليها على الفور، مهددة بدعم هجوم لقسد من أجل استعادة المدينة لسيطرتها.

ورغم عدم وجود مصادر رسمية أكدت هذا الأمر، إلا أن قوات من الجيش التركي تحركت للانتشار بشكل أوسع في عفرين وعلى الحدود بين المدينة وبين مناطق سيطرة تحرير الشام بريف حلب الغربي، بينما أكدت مصادر متقاطعة طلب أنقرة من الهيئة المغادرة بشكل كامل، على أن يشمل الانسحاب العسكريين والأمنيين على حد سواء.

ليظل الشعب السوري المتواجد في الشمال السوري عرضة لفساد تلك الفصائل واشتباكاتها حيث قتل وأصيب الكثير من المدنيين الأبرياء بسبب التنازع بين الفصائل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *