تاريخ الحسكة كما يراه الأستاذ ياسين صويلح

يبدأ تاريخ مدينة الحسكة المعاصر مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ففي عام 1907م. تم بناء الثكنة العسكرية المقامة حاليا في عهد السلطان عبد الحميد الثاني ، على ( تل ) وذلك لأهمية الموقع من الناحية الاستراتيجية . وقبل ذلك لم تكن هناك مدن تفصل بين مدينتي ماردين التركية ودير الزور ، بل كانت صحراء مترامية الأطراف تسمى ( برية ماردين ) كان يوجد فيها تجمعات بشرية ، يتنقلون بين المراعي ، حسب حاجتهم وحاجة أغنامهم.
أما كيف بدأ العمران في الحسكة ، ففي بداية القرن العشرين ، يأتي الى الحسكة رجل اسمه عبد المسيح موسى الملقب ( عمسي ) ويسكن في المكان الذي أقيم عليه فندق الحمراء فيما بعد ، وكان حواجا عطارا يبيع بضاعته على دابة . وعندما سمع اقربائه في قلعة ( مرا ) بأن تجارة عمسي بين العرب رابحة ، جاؤا الى المكان عام 1908م . قادمين من قلعة مرا التي بين ماردين وتل الزعفران ، وهم عوائل سريانية تتكلم اللغة العربية . وقد أنشؤوا أكثر من سبعة دكاكين بجانب تل الحسكة من جهة الشمال الغربي في البداية ، ثم تحولوا الى المكان الذي يقع بين العرصة القديمة وقهوة البللور ، لخوفهم من الفيضانات التي كانت تجتاح المكان.

ولو نظرنا إاى المكان قبل مجيء هؤلاء ، فلا نجد إلى الشرق حتى كوكب سوى بعضا من الخيام ، وشمالا خيام لبيت العباس الآغوات على بعد 6 كم. وفي الجنوب الغربي على نهر الخابور ستجد بيوت المحشوش ، ولهم أرض زراعية يسميها أهل الحسكة ( الزوية ) ويعتقد أن وجودهم في المكان يرتقي إلى عام 1890 م. أو 1895 م. وأرضهم كانت تمتد الى الحدود الغربية لجسر الخابور القديم ومكان المحافظة ، وكان لهم قصرا تم الاستيلاه عليه وحولوه الى سجن الحسكة القديم شمال السراي ، ومن الشمال لذاك القصر حتى شارع الجامع الكبير ، وغربا حتى مبنى الهحانة قديما الذي كان من قبل الفرنسيين ومكان القصر العدلي اليوم ، كان هنكارا للطائرات الفرنسية ، وأرض الملعب البلدي القديم التابع لمدرسة التحهيز ، والتي تحولت إلى الثانوية الصناعية بالحسكة ثم فرع الشبيبة ومكان مواصلات الحسكة والنقل ، كل هذه الأراضي كانت لبيت المحشوش ، ولهم ناعورة على نهر الخابور ، بنوها في مكان عندما وجدوا سدا من الحجارة في مجرى النهر ، يعود الى حقب تاريخية قديمة ، وكانوا كل عام يقومون بترميم تلك الحجارة ويعيدون بناء ذلك السد.
وفي ذات الوقت سكنت في مدينة الحسكة عوائل كردية تنتمي الى عشيرة ( المللية ) التي كان يتزعمها ابراهيم باشا المللي ، الذي قبضت عليه السلطات العثمانية عام 1908م. عندما حاول الدخول إلى منطقة جبل عبد العزيز وأعدمته ، وتم دفنه في قرية ( صفيا )  شمال مدينة الحسكة على بعد 12كم.
وفي عام 1914 – 1915 م . اضطرت بعض العوائل السريانية والأرمنية إلى الفرار من تركيا إلى مدينة الحسكة ، فأصبحت المدينة قرية كبيرة يتوافد إليها العرب والسريان والأكراد وسكنوا فيها .

وفي العشرينيات من القرن الماضي ، سكنت مجموعة من عوائل عربية من عشائر الجبور ، وشمر ، وطي ، مدينة الحسكة ، وكان من أشهر تلك العوائل ، عائلة ( المسلط ) التي كان يتزعمها الشيخ جميل المسلط، وفي الجهة اليمنى لنهر الخابور مقابل تل غويران ، كانت تسكن عائلة عليوي التي قدمت الى الحسكة في بداية القرن الماضي . ومن خلال البحث فإن وجود الديريين في الحسكة يرتقي الى ماقبل عام 1917 م .

ومنهم من يقول أن بيت مراد وفدوا الى الحسكة عام 1916 م . ولابد أن نذكر أن حسين الجبين هو أول قاضي شرعي جاء الى الحسكة عام 1924 م . عندما نفوه الفرنسيين من دير الزور ، كونه أحد مؤسسي الكتلة الوطنية بدير الزور مع العرفي والفراتي وغيرهم .

وعند وصوله الحسكة اجتمع مع الشيخ جميل المسلط ومع مطران السريان الأرثوذكس ومع الشيخ دهام الهادي الذي كان يتنقل بين سوريا والعراق ، ومن أوائل الديريين الذين سكنوا الحسكة آل رشيد ( الشيف ) وآل مشرف ومنهم بيج المشرف وآل مطرود وآل الحسيني وآل عاروض وآل النحاس .
كذلك سكنت عائلة ( آغا حاجو ) المدينة في عام 1926 م . بعد أن نقلته سلطات الانتداب الفرنسي من متفاه في تدمر الى الحسكة ، ثم نقلته الى مدينة القحطانية ، وبقي البعض من عائلة حاجو مع مجموعة عوائل كردية في مدينة الحسكة ، ولا زالت هذه العوائل موجودة حتى الآن . وفي بداية ثلاثينيات القرن الماضي ، أصبحت الحسكة مدينة كبيرة يسكنها الآلاف من المواطنين ، فانفصلت عن متصرفية دير الزور وأصبحت متصرفية مستقلة ، وتم تعيين السيد ( نسيب محمد صادق الأيوبي ) كأول متصرف للحسكة بتاريخ 1 /1 / 1930 م . وفي تم بناء ( السرايا ) في الحسكة ، وبذلك أصبحت مدينة تحتاج إلى محلات وأسواق ، فبني سوق المأمون الذي يعد أول سوق تجاري فيها ، وسوق الصاغة ، وسوق الهال . وهذه الأسواق لاتزال موجودة حتى الآن ، ثم بني مكان سوق الهال القديم ، مصرف التسليف الشعبي . وبعد نيل سوريا استقلالها عام 1946 م . تزايد عدد الوافدين الى الحسكة سواء من ريفها أو من المدن السورية الأخرى ، حتى أصبحت بعد سنوات قليلة مدينة كبيرة مكتظة بخليط سكاني وفسيفساء متنوعة من الانتماءات العرقية والدينية ، إذ يعيش فيها العرب والأكراد والسريان ، ودعت الحاجة إلى إنشاء  عدة أحياء تحيط بالمدينة من جميع الاتجاهات ، أهمها حي غويران – العزيزية – الصالحية – تل حجر – النشوة – الناصرة – المحطة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.