بقلم: رئيس التحرير – BAZ News
من دمشق، وفي لحظة تحمل دلالات سياسية ووطنية كبيرة، أعلن قائد قوات سوريا الديمقراطية «قسد» مظلوم عبدي انتهاء مهمة قواته وحلّها كقوة عسكرية مستقلة، إلى جانب حل الإدارة الذاتية والتشكيلات التابعة لها، والاندماج الكامل في مؤسسات الدولة السورية.
وجاء الإعلان خلال مؤتمر صحفي في دمشق، عقب لقاء عبدي بالرئيس السوري أحمد الشرع، في إطار استكمال مسار الاتفاقات الموقعة بين دمشق و«قسد» بشأن الدمج العسكري والأمني والإداري.
وفي BAZ News، ننظر إلى هذا التطور باعتباره لحظة مفصلية في مسار سوريا الجديدة، ليس من منطلق انتصار مكوّن على مكوّن، وإنما باعتباره فرصة لإنهاء حالة الانقسام وبناء دولة واحدة تحتكر السلاح وتطبق القانون على جميع مواطنيها.
لقد عاشت سوريا خلال العقود الماضية مراحل طويلة من الصراع والانقسام. وانتهى حكم عائلة الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 بعد أكثر من خمسة عقود من حكم العائلة، بدأها حافظ الأسد عام 1971 واستمر بها بشار الأسد حتى سقوط حكمه.
واليوم، فإن إنهاء الانقسام العسكري والإداري في شمال شرقي سوريا يمثل، في نظرنا، فرصة لفتح صفحة جديدة؛ صفحة لا يكون فيها السلاح بديلاً عن الدولة، ولا تكون فيها الجغرافيا أو القومية أو الطائفة سبباً لاقتسام البلاد.
نصر لسوريا.. ونصر للأكراد السوريين
إن نجاح عملية الاندماج بصورة سلمية ومنظمة سيكون مكسباً لسوريا بكل مكوناتها، كما سيكون مكسباً للأكراد السوريين أنفسهم.
فالأكراد جزء أصيل من النسيج السوري، وحقوقهم الثقافية والمدنية والسياسية يجب أن تكون مصونة ضمن الدولة السورية، بعيداً عن مشاريع الانفصال أو الرهانات الخارجية.
وقد أشار مظلوم عبدي في تصريحاته الأخيرة إلى أن حقوق الأكراد ستُكتب في الدستور، كما أكد التزامه بقانون الدولة السورية، فيما تحدث خلال إعلان حل «قسد» عن الانتقال من مرحلة السلاح إلى مرحلة السلام والبناء.
وهنا تبدأ المسؤولية الأكبر: أن يتحول الاتفاق من إعلان سياسي إلى واقع ملموس يعيشه السوريون.
الحسكة.. اختبار حقيقي للمصالحة
ستكون محافظة الحسكة وشمال شرقي سوريا من أهم ساحات اختبار نجاح المرحلة المقبلة.
فالمنطقة تضم عرباً وأكراداً وسرياناً وآشوريين وسائر المكونات السورية، وعاشت هذه المجتمعات لعقود علاقات جوار وشراكة اجتماعية واقتصادية وثقافية.
واليوم، تحتاج المنطقة إلى استعادة هذه الروابط، بعيداً عن التحريض القومي والطائفي، وبعيداً عن محاولة تحويل الخلافات السياسية إلى صراع بين أبناء المجتمع الواحد.
المطلوب أن يعود العربي إلى جانب الكردي، والكردي إلى جانب العربي، وأن يستعيد أبناء الحسكة علاقاتهم الطبيعية كجيران وأهل وشركاء في الأفراح والأحزان.
مسؤولية الحكومة السورية
نجاح هذه المرحلة لا يقع على عاتق طرف واحد.
فالحكومة السورية أمام مسؤولية تاريخية تتمثل في حماية الاتفاق، وترسيخ سلطة القانون، وضمان حقوق جميع المواطنين، ومنع أي جهة من إعادة إنتاج الصراع أو تقويض عملية الاندماج.
كما أن تطبيق القانون يجب أن يكون على الجميع، بعيداً عن الانتقام الجماعي أو العقاب على أساس الهوية أو الانتماء.
وفي المقابل، فإن كل من يحمل السلاح خارج مؤسسات الدولة أو يسعى إلى إعادة إنتاج الانقسام أو تقسيم البلاد يجب أن يخضع للقانون والقضاء، أياً كان انتماؤه.
في الماضي خسر الجميع.. واليوم يجب أن يربح الجميع
هذه هي الرسالة التي يجب أن تصل إلى كل السوريين.
في الماضي خسر الجميع، أما اليوم فيجب أن يربح الجميع.
لا ينبغي أن تكون سوريا الجديدة مشروعاً لعرب ضد أكراد، أو أكراد ضد عرب، أو مكوّن ضد مكوّن.
سوريا الجديدة يجب أن تكون دولة لجميع السوريين: كرداً وعرباً ومسيحيين ودروزاً وعلويين وشيعة وسنة وسائر مكونات المجتمع السوري.
إن هذا التنوع ليس عبئاً على سوريا، بل يمكن أن يكون أحد أعظم مصادر قوتها.
فسوريا التي تجمع هذا التنوع الاجتماعي والثقافي والتاريخي قادرة على أن تصبح واحدة من أهم دول المنطقة، إذا نجحت في بناء دولة مستقرة، ومؤسسات قوية، واقتصاد منتج، وقانون يحمي الجميع.
عودة المهجرين.. الخطوة التي لا يمكن تأجيلها
ولا يمكن الحديث عن سوريا جديدة من دون الحديث عن السوريين الذين أجبرتهم الحرب والصراعات على مغادرة منازلهم.
من أهم شروط نجاح المرحلة المقبلة:
- ضمان عودة المهجرين والنازحين إلى مدنهم وقراهم ومنازلهم.
- توفير الأمن والحماية للعائدين.
- مساعدتهم على استعادة حياتهم والعيش بكرامة.
- إعادة الخدمات الأساسية إلى المناطق المتضررة.
- حماية حقوق الملكية ومنع الاستيلاء على ممتلكات الغائبين.
- محاسبة مرتكبي الجرائم وفق القانون والقضاء، بعيداً عن الانتقام الجماعي.
- منع أي مشاريع تقسيم أو تحريض قومي وطائفي.
- إعادة بناء الثقة بين السوريين.
- جعل مؤسسات الدولة والقانون فوق الجميع.
رؤية BAZ News
نحن في BAZ News لا ننظر إلى التطورات الحالية باعتبارها نهاية معركة وبداية معركة أخرى، بل باعتبارها فرصة تاريخية لإنهاء منطق الصراع نفسه.
إن سوريا لا تحتاج إلى انتصار جديد لطرف على طرف، بقدر ما تحتاج إلى انتصار الدولة على الفوضى، وانتصار القانون على السلاح، وانتصار المصالحة على الثأر، وانتصار البناء على الهدم.
ومن هنا، فإننا نرى أن نجاح الاندماج الحقيقي بين مؤسسات الدولة ومؤسسات «الإدارة الذاتية» السابقة، واستكمال دمج القوات ضمن مؤسسات الدولة، يمكن أن يشكل خطوة مهمة نحو إنهاء الانقسام السوري.
لكن النجاح الحقيقي لن يقاس بالبيانات والتصريحات وحدها، بل بما سيحدث على الأرض: هل سيشعر المواطن الكردي والعربي والمسيحي والدرزي والعلوي والسني والشيعي أن الدولة الجديدة هي دولته؟ وهل سيحصل المهجر على فرصة حقيقية للعودة؟ وهل يصبح القانون فوق الجميع؟ وهل تتوقف مشاريع التقسيم والتحريض؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن سوريا تكون قد بدأت فعلاً صفحة جديدة.
سوريا للجميع.. ومستقبلها يجب أن يكون للجميع.
ما خسره السوريون جميعاً خلال سنوات الحرب، يجب أن يعوضوه جميعاً خلال سنوات البناء.
هذه هي رؤية BAZ News لسوريا الجديدة:
دولة واحدة، قانون واحد، مؤسسات واحدة، وحقوق متساوية لجميع المواطنين.
سوريا قوية.. موحدة.. عادلة.. وجامعة لكل أبنائها.
رئيس التحرير
BAZ News
