سوريا – مروان مجيد الشيخ عيسى
منذ بداية ثورة الحرية والكرامة عام 2011 وماقدمه أهلها من تضحيات فاقت كل التصورات فقد استشهد الآلاف واعتقل مئات الألوف ودمرت مدن وقرى وبلدات وهجر أهلها ليصبحوا لاجئين توزعوا بين بلدان العالم في مخيمات اللجوء وقدم السوريون أروع البطولات.
لكن بقيت بعض المناطق التي كانت صامتة ومنها من كان الداعم الأكبر للنظام الدكتاتوري المجرم. فما حل بحمص وحماه سكت عنه أهل اللاذقية وطرطوس، وماحل بدرعا سكت عنه أهل السويداء.
واليوم وبعدما أثبتت الوقائع أن النظام السوري المتغطرس لايهمه سوى مصلحة العشرات ممن يسيطرون على ثروات البلد من عائلة الأسد ومخلوف وشاليش والأخرس وأذنابهم من الشبيحة والمنافقين.
فتقول المعطيات إنّ السوريين تجاوزوا، منذ زمن، عتبة الاحتمال، وانتهوا من عملية تقدير المخاطر وحساب التكاليف والعوائد، فهم حتى وصلوا إلى هنا بذلوا جهوداً قياسية في التقشّف والصبر والاحتمال، ما يعني أنّ طاقتهم قد نفدت، بعد تجفيف السلطات الحاكمة مصادر العيش وشطب أيّ إمكانية لتحسين الأوضاع المعيشية، عبر حزم من القرارات التي لا تنتهي، وكأنها في سباق مع الزمن، مستثمرة الظلال التي توفرها أكذوبة المؤامرة الكونية وعقوبات قانون قيصر.
يعني ذلك، من الناحية النظرية، تهيئة الأرضية المناسبة لحصول ثورة جياع، فرفع أسعار الخبز والوقود والتضخم وغلاء المعيشة وضعف الأجور عناوين لثورات قد تزلزل الأرض على الحكام، بل قد تكفي واحدةٌ منها لإشعال نيران ثورةٍ تغيّر المشهد السياسي برمته في بلدان أكثر استقرارا ولديها أنظمة كفؤة وأقل فساداً من سورية.
إضافة إلى ذلك، ثمّة شرارات بدأت بالاشتعال، في السويداء، وبدرجة أقل في حلب ودمشق ومناطق الساحل السوري، وثمّة تعبيرات عديدة لتذمر لم يعد يخفي نفسه، عبر احتجاجات فعلية، انطلقت من السويداء، وتذمّر عبر وسائل التواصل رصدته شخصيات فنية وثقافية أخيراً.
إذاً، نحن أمام سياقاتٍ عديدة نضجت، وفي سبيلها إلى صناعة مسارٍ للخروج من هذه الأزمة المديدة، والتي، فضلاً عن عدم وجود أفقٍ واضح لها، فإنّها تتفرّع بشكل يومي إلى أنماط جديدة من الأزمات التي باتت مثل أذرع الأخطبوط تحاصر السوريين قبل التهامهم. والسؤال المطروح الآن، وربما باستغراب، كيف يفكّر صانع القرار في النظام السوري تجاه هذه الأوضاع، وما هي تقديراته لاستجابات الناس الواقعين تحت حكمه على مخرجات قراراته، ألا يستشعر وجود مخاطر محتملة، كأن تفلت زمام الأمور من يديه ولا يستطيع السيطرة على انفجارٍ قد يشهده الشارع المحكوم نتيجة عدم قدرته على احتمال الأوضاع المزرية؟
في الواقع، القراءات الإستخباراتية، لهذا النمط من الأنظمة، تنظر إلى الوقائع من زاوية مختلفة، وأمامها لوحة معطياتٍ لا تنطوي على مؤشراتٍ خطيرة، بحسب تقديراتها. وبالتالي، يصعّب الواقع السوري الحالي إنتاج تمرّد أو ثورة يمكن أن تطيح النظام، ومن هذه المعطيات:
تغيّر التركيبة السكانية في سورية بشكل حاد، إذ لم يعد الشباب هم الأكثرية، ومن بين الملايين الستة اللاجئين أكثر من ثلثيهم شباب، كما أنّ عدد الستة مليون قديم، مثل عدد القتلى الذي توقف عدّاده منذ زمن، إذ يغادر سورية يومياً، وعبر أكثر من طريقة ومنفذ، مئات الشباب، إلى مصر والجزائر وليبيا، ومن بقي من الشباب يوجّه كلّ طاقته إلى البحث عن طريقة للخروج من سورية، ولن يورّط نفسه بالانخراط في ثورة جديدة، أيّاً تكن شعاراتها وأهدافها
وتبخّر الجيل الذي قام بالثورة، بين المعتقلات والتغييب والتسويات، وخروج قسم منه عن الفعالية بسبب الإعاقات، بالإضافة إلى من لجأ ونزح.
وتمزّق النسيج الوطني السوري، إلى درجة باتت تصعب إعادة رتقه، فيما جبل من عدم الثقة والشك بالآخر بات يعزل المكونات السورية بعضها عن بعض، حتى داخل المناطق نفسها، وجميع المكونات والشرائح والفئات السورية باتت تفضّل الحلول الفردية على الاشتراك بعمل وطني عام غير مضمون النتائج.
ونتيجة هذه القراءة، من غير المتوقع قيام النظام بأكثر من نمطين لمعالجة الأزمة المتصاعدة في سورية، وثمّة مؤشرات تدلّ على بدئه بالقيام بهما: التسويف وإغراق السوريين بالتفاصيل، من نوع وجود خطأ تقني يُصار إلى معالجته، أو أيّ تخريجةٍ أخرى، إلى أن يتسنّى له ضبط الوضع ومعرفة المناطق والأشخاص والجهات التي تقود الاحتجاج وتفكيك ما يعتبره مصادر خطر، وحتى تستطيع ماكينته الأمنية تركيب عمليات أمنية وفبركتها ونسبها إلى قادة الحراك، تجهيزاً لضمّ الحراك إلى قائمة المؤامرة الكونية. والنمط الثاني: المواجهة الأمنية المباشرة من دون مقدمات، وتحويل الأزمة إلى مشكلة عدم فهم السوريين الظروف التي تمرّ بها البلاد، ويصبح مطلوباً منهم إجراء مصالحة مع النظام والإقرار بالخضوع لكلّ قراراتها.
فمن لايزال يتأمل خيرا من هكذا نظام مجرم فكأنه يلهث خلف سراب في وسط الصحراء بحثا عن شربة ماء.
فمن يقف مع النظام السوري اليوم إما أن يكون مستفدا أو منافقا أو جبانا.