تتجه الأنظار هذا الأسبوع إلى العاصمة الألمانية برلين، حيث يستقبل المستشار الألماني فريدريش ميرز الرئيس السوري أحمد الشرع في زيارة رسمية تُعد الأولى من نوعها منذ تولي الشرع مهامه، بعد تأجيل زيارة سابقة لأسباب لم تُعلن بشكل رسمي. وتحمل هذه الزيارة أهمية سياسية كبيرة، إذ تأتي في مرحلة حساسة تشهد إعادة تشكيل العلاقات الأوروبية مع سوريا بعد التحولات السياسية التي أعقبت سقوط النظام السابق نهاية عام 2024.
ملفات معقدة على طاولة المباحثات
تتركز أجندة اللقاء على مجموعة من القضايا الحساسة، في مقدمتها ملف اللاجئين السوريين في ألمانيا، إلى جانب التعاون الأمني، وترحيل الأشخاص المصنفين خطرين، إضافة إلى تعزيز التعاون الإنساني والاقتصادي بين البلدين.
وتسعى الحكومة الألمانية، وفق مراقبين، إلى تحقيق توازن دقيق بين التزاماتها الإنسانية تجاه اللاجئين، وبين الضغوط السياسية الداخلية المتزايدة التي تطالب بتشديد سياسات الهجرة، خصوصاً في ظل تصاعد نفوذ الأحزاب اليمينية في البلاد.
تراجع ملحوظ في طلبات اللجوء
تشير بيانات وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء إلى انخفاض كبير في عدد طلبات اللجوء المقدمة من السوريين في ألمانيا، حيث تراجعت من نحو 151 ألف طلب في عام 2024 إلى حوالي 42 ألفاً في عام 2025. ويُعزى هذا التراجع إلى عدة عوامل، أبرزها تشديد إجراءات اللجوء الأوروبية، وتحسن نسبي في بعض المناطق السورية، إضافة إلى اتفاقيات إعادة التنظيم التي أُبرمت بين دول الاتحاد الأوروبي.
في هذا السياق، تسعى برلين إلى تقييم وضع مئات الآلاف من السوريين المقيمين لديها، خاصة أولئك الذين نجحوا في الاندماج في سوق العمل، حيث أصبحوا يشكلون جزءاً مهماً من القوى العاملة في قطاعات مثل الصناعة، والرعاية الصحية، والخدمات.
الترحيل والتنسيق الأمني
يُعد ملف الترحيل من أبرز النقاط المثيرة للجدل في هذه الزيارة، إذ تناقش ألمانيا إمكانية توسيع عمليات ترحيل السوريين الذين ارتكبوا جرائم أو صُنّفوا ضمن قائمة “الخطرين أمنياً”. وكانت برلين قد بدأت خلال العام الماضي تنسيقاً محدوداً مع السلطات السورية في هذا الإطار، وسط انتقادات من منظمات حقوقية.
وتواجه الحكومة الألمانية معضلة واضحة: فمن جهة، تحتاج إلى الحفاظ على الأمن الداخلي والاستجابة للمطالب السياسية، ومن جهة أخرى، تلتزم بالقوانين الدولية التي تمنع إعادة الأفراد إلى مناطق قد يتعرضون فيها للخطر أو الاضطهاد.
وتراقب منظمات حقوق الإنسان هذه الزيارة عن كثب، محذّرة من أن أي اتفاقيات ترحيل أو تعاون أمني يجب أن تراعي بشكل صارم المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
محاولة لإعادة التموضع السياسي
يحاول الرئيس السوري أحمد الشرع، بحسب محللين، تقديم نفسه كشريك موثوق للمجتمع الدولي، خاصة الدول الأوروبية، من خلال التأكيد على التزامه بالإصلاح السياسي وتعزيز الاستقرار الداخلي. ويأتي ذلك في إطار مساعٍ أوسع لكسر العزلة الدولية وإعادة بناء العلاقات الدبلوماسية مع الغرب.
ويرى مراقبون أن هذه الزيارة تمثل اختباراً مهماً لقدرة القيادة السورية الجديدة على كسب ثقة أوروبا، خصوصاً في ظل الشكوك المستمرة حول طبيعة التحولات السياسية داخل البلاد.
أبعاد اقتصادية وإنسانية
إلى جانب الملفات السياسية والأمنية، تتناول المباحثات أيضاً فرص التعاون الاقتصادي، خاصة في مجالات إعادة الإعمار، والطاقة، والبنية التحتية، إضافة إلى استمرار الدعم الإنساني الألماني للمناطق المتضررة في سوريا.
وتعد ألمانيا من أكبر الدول المانحة للمساعدات الإنسانية للسوريين خلال السنوات الماضية، سواء داخل سوريا أو في دول اللجوء، ما يجعلها لاعباً أساسياً في أي جهود مستقبلية لإعادة الاستقرار.
يوم واحد… وتأثير طويل الأمد
من المقرر أن تستمر الزيارة ليوم واحد فقط، وتتضمن اجتماعات مغلقة بين وفدي البلدين، إضافة إلى جلسات تقييم مشتركة. ورغم قصر مدة الزيارة، إلا أن نتائجها قد تكون ذات تأثير طويل الأمد على سياسات الهجرة الألمانية، وعلى شكل العلاقة المستقبلية بين برلين ودمشق.
في المحصلة، تعكس هذه الزيارة مرحلة جديدة من الانخراط الحذر بين ألمانيا وسوريا، حيث تتقاطع المصالح السياسية مع التحديات الإنسانية والأمنية، في مشهد معقد يعكس طبيعة التحولات الجارية في المنطقة وأوروبا على حد سواء.