السويداء – مروان مجيد الشيخ عيسى
لم يحسب حكام سوريا من القادم أي حساب ، فمن أصوات الجياع جاء التهديد، ارتفعت الصرخة: إذا جعنا أكثر سنسرق لنأكل، وهذا خروج عن القانون، لكن كيف سكت القانون على جوع الناس؟
أظنه سكتَ، لأنه القانون ذاته الذي وطّد دعائم حكام التجويع العام، وحوّل الشعب في سوريا إلى طبقتين: لصوص كبارٌ وفاسدون، وأكثرية لا تمتلك الرغيف وأبسط مقومات العيش.
سيخرج كثيرون ليأخذوا رغيفهم بسواعدهم، الجوع كافر بلا دين، من سيلوم رجلاً قرّر ألّا يموت أولاده من الجوع، فقام إلى اقتحام محل تجاري، أو قرّر سرقة مصرف؟
فالسرقة تؤدي إلى القتل، والقتل يؤدي إلى خلل عام، سيضعنا جميعاً في شريعة غاب معاكسة، لن يأكل فيها القوي الضعيف، لأن الأقوياء أكلوه وما أبقوا منه شيئاً، هذه المرة سيأكل الضعيف القوي، سيسرقه، سيعتبر ماله وروحه مشاعاً، لأن نتاج الفقر الكبير تمرد أعمى على كل شيء، حريق عام وفي هذه المرة سيأكل اليابسُ الأخضرَ.
وهذا يستدعي السؤال الكبير الذي نردده منذ نصف قرن وربما قبل ذلك فسوريا إلى أين؟
الطبقة التي تحكم البلد حاولت امتصاص ثورة الشعب، ومارست الهجوم المعاكس على أكثرية الشعب، والنظام الذي يقوم على ترميز الزعيم الطائفي، والمناطقية والمذهبية، ينتج حشوداً قطيعية لا أكثر، لحظة يأمرها الزعيم بالعودة إلى الصمت، تلتزم وتعضّ على الجراح.
ولم يكتف بقمع الثورة منذ بداياتها بأبشع الوسائل الوحشية، بل عمد إلى تأديب حاضنتها الشعبية، حين دمّر بأعصاب باردة المدن والقرى السورية على رؤوس قاطنيها.
فالشعب يعيش تحت خط الفقر، فجأة ترتفع الأسعار بقدرة ظالم، تجنّ الأسعار ولا أحد يفكر في الحَجْرِ عليها في مصحّ وطني يحرص على عدم أذية أهل الوطن، تنقطع الكهرباء، والمياه، يتفلت سوق الصرف، يمر القتل والتهجير بكل ما فيه من وحشية مرور الكرام بلا رقيب ولا حسيب، والجميع يلتزم الصمت ، والقادم أعظم.
شيء رخيص في هذا البلد سوى المواطن الذي لا ظهر له، سوى المواطن الذي لا ينتمي إلى طبقات المتخمين واللصوص وناهبي الخيرات.
لقد وصلت الحالة إلى الجدار الأصم، وصلت إلى نهايات الصبر والاحتمال، وصلت إلى الحافة، وتجاوزتها، إلى القاع وأسوأ.
لا أظن المواطن اليوم يهتم مطلقاً بحكومة ، وقانونية الحكومة الحالية، ولم يعد يسأل عن الانتخابات ولا عن القانون الذي سيعتَمد فيها، ولا أظنه سيفكر جدياً بإعطاء صوته لممثليه الذين انتخبهم وجميعم خذلوه، ولن يفكر في الخط الأزرق وفي الخطوط الحمراء والملونة، ولن تثيره الفيديو كليبات المصورة، ولا الأغنيات الطازجة، ولا المهرجانات الراقصة والعارية والمحجبة والخطابية.
اليوم سوريا ضاعت البوصلة ، في ظل ارتفاع الجرائم والسرقات، والتفلت في القيم.
وظهرت طبقة جديدة من المرتزقة تبني ثرواتها على احتكار كل شيء بدءاً بالرغيف وانتهاء بالكهرباء والدواء.
سوريا كانت بلداً نفطياً، وينام أهلها على جوع.
في أي بلد على هذه الأرض، حين يحكم السارقون تموت الشعوب.
الكلام لم يعد يغني عن الجوع ولا الغناء ولا أي شيء آخر.
حديث الناس فقط عن الحالة المتردية التي وصلوا إليها، وحديثهم اليومي بين بعضهم البعض وبينهم وبين أبناء لهم غرّبهم الفقر القديم هو عن الفقر الجديد المستبد، وعن رجاءات كبيرة بأن يؤمّنوا لهم ثمن تذاكر السفر إلى أي مكان آخر بعيداً عن هذا الوطن الذي غالبية شعبه داخلها ونفر يسير منهم يتاجر بالجثث والأطلال؟
كانوا دائماً يقولون عن سوريا إنها شعب واحد، كم تصح المقولة اليوم، شعب خارج الحياة، في بلد منهوب الخيرات، مسروق حتى العظم، والناس في غيبوبة فادحة، ولا أمل في أي خلاص.
ثورة الجياع حطمت أصنام النظام السوري، حطمت جدار الصمت، حطمت التشبيح والتخوين لتقف اليوم كالطود في وجه النظام، في وجه العملاء، في وجه المثبطين، لتكون السويداء شوكة في حلق الدكتاتورية كما عهدناها عندما وقف سلطان باشا الأطرش بوجه الطغاة، وسطر أبناء جبل العرب أروع البطولات في سفر التاريخ.