التواجد الإيراني في سوريا في ظل الإنسحابات الروسية

شرق أوسط – مروان مجيد الشيخ عيسى

كان رد طهران على الإنسحاب الروسي، قد تمثّل في رفع مستوى الوجود العسكري في سوريا، وتجنيد الميليشيات شرق البلاد، وتعميق مستوى التعاون العسكري مع دمشق، وعبرها مع “حزب الله” في لبنان وحلفاء آخرين في المنطقة. وكانت إيران تقوم بذلك عبر الممرات البرية، وحاولت القيام بذلك عبر الممرات البحرية أيضا، لكنها كثّفت في الفترة الأخيرة شحناتها وجهودها عبر المطارات الجوية، فهل كانت موسكو متفقة مع هذا الإطار، أم أن عدم وجود جدية دولية أو عربية، لمحاربة إيران من الأساس بالمنطقة، ومجابهتها، وعلى الطريقة نفسها التي تُعامل بها التنظيمات الإرهابية، ولِد تراخ وتهاون لدى دمشق.

وأهم الأسباب التي فتحت الطريق أمام التطور الإيراني في الجنوب السوري، هو تكرر التركيز الروسي على الجبهة الأوكرانية، حيث خفضت روسيا وجودها وسيطرتها، وهذا ما تُلخصه الضربات الجوية الإسرائيلية المتكررة ضد أهداف عسكرية إيرانية، أبرزها المطارات في دمشق وحلب.

ومن الواضح أن سباقا لملء الفراغ الروسي قد بدأ بين تل أبيب وطهران، وفق ما يراه المحلل السياسي الروسي، أليكاس موخين، إذ يقول: أن الرسالة من تل أبيب، هي أن الحرب لإزالة التموضع الجديد قد بدأت، خصوصا وأن دمشق لم تحرك ساكنا بالرغم من التحذيرات التي وصلتها عبر قصف عصب تجارتها الخارجية مطاري حلب ودمشق.

يقول موخين، إن “هذا التصعيد مهين بالنسبة لموسكو ودمشق، وكان موضوع تكهنات بالنسبة إلى طهران وحلفائها، ولذلك، لم يكن أمرا مفاجئا عندما قررت إسرائيل تكثيف استهدافها لإيران في سوريا، لتقليص مخاطر جبهة لبنان وسوريا تحسبا لأي مواجهة معها”.

من الصعب رصد الهجمات العسكرية الإسرائيلية على الأراضي السورية، بما في ذلك المطار والمناطق المحيطة به، فضلا عن المناطق المتفرقة الأخرى، وربما تكون الجهات الوحيدة القادرة على الرصد، هي وكالات الاستخبارات، أو مؤسسات البحوث المتخصصة.

وطبقا لحديث موخين، فإن سوريا الآن مستودع أسلحة بالإضافة إلى نقطة تجمّع لجيوش إيران، وبالتالي فإن القضية الحقيقية تكمن في حجم المخزون الإيراني من الصواريخ والأسلحة الأخرى، والتزام طهران، ودمشق الصمت إزاء هذه الاستهدافات، يؤكد أن هدف المؤسسة العسكرية الإسرائيلية دقيق، وحقيقة أن إيران لا ترد أو تصعّد في مواجهة مثل هذه الهجمات، هي دليل آخر على أنها تنظر إلى سوريا ولبنان كساحة معركة محتملة في حالة نشوب صراع.

أصبح من الواضح الآن بلا شك أن إيران تتفاوض في فيينا، وتحتشد في لبنان وسوريا، وتمزق العراق حتى لا يصبح منطلقا لشن هجوم على طهران في حالة الحرب، وتصعّد في اليمن لتحييد الحدود من السعودية، وكل هذا تأكد بتواتر الهجمات الإسرائيلية على البلاد.

يظهر عدد الضربات الإسرائيلية في سوريا، أن المخزون الإيراني هناك كبير، وهذا يعني أن إيران نفذت عمليات تهريب الأسلحة بشكل متسارع خلال الفترة الماضية، بل بحسب موخين، إن عدم جدية عربية أو غربية تجاه تهريب هذه الأسلحة، سيتعين على المنطقة مواجهة العواقب.

ويعتقد موخين، أن دمشق إذا لم تتحرك نحو المربع العربي المواجه لطهران، فإن الخيارات أمامها ستكون قليلة مستقبلا، خصوصا وأن مطار دمشق الدولي بات أداة لتوسيع الهيمنة العسكرية الإيرانية، وفي تدعيم العمق الاستراتيجي للنظام الإيراني في سوريا.

وتابع موخين، “إذا لم تتحالف دمشق مع الدول العربية لعقد اتفاق مع طهران، على شاكلة الاتفاق النووي 5+1 مع الغرب، فإن منع إيران من إنشاء قواعد عسكرية في جميع أنحاء الشرق الأوسط، سيكون من الصعب، لأنها ستكون حينها متغلغلة في مفاصل الدول سياسيا”.

في الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي، تصاعدت وتيرة الهجمات الإسرائيلية على مطار “دمشق” الدولي، بنسبة 85 بالمئة، مقارنة بعام 2021.

وبحسب دراسة للباحث في الشأن الإيراني، ضياء قدور، فإن أهداف القصف الإسرائيلي لمنطقة مطار “دمشق” وما حولها، خلال الأشهر الثمانية الماضية من العام الحالي، شكّلت نحو 29 بالمئة، من مجمل أهداف القصف الإسرائيلي لتلك المنطقة خلال العقد الماضي، ونحو 4.3 بالمئة، من مجمل أهداف القصف الإسرائيلي لكامل الجغرافية السورية خلال العقد الماضي.

و لتستمر إيران في زيادة قواعدها في سوريا بمباركة من النظام الذي باع البلد بثمن بخس .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.