شتاينماير: ألمانيا تحتاج إلى الهجرة.. ولا مواطنين من الدرجة الأولى والثانية

برلين – 26 أغسطس/آب 2026

أكد الرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير أن ألمانيا لا تستطيع الاستغناء عن الهجرة، معتبراً أن العمالة الوافدة باتت ضرورية لاستمرار قطاعات أساسية في البلاد، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة التعامل بواقعية مع المشكلات المرتبطة بالهجرة وعدم تجاهل مخاوف المواطنين والبلديات.

وجاءت تصريحات شتاينماير خلال افتتاح فعالية في برلين بعنوان «الوطن في ألمانيا.. كيف نعيش معاً»، الثلاثاء 25 أغسطس/آب، حيث جمع في حديثه بين الدفاع عن الهجرة باعتبارها حاجة اقتصادية وديموغرافية، والتحذير من التمييز ضد الألمان من أصول مهاجرة أو الذين حصلوا على الجنسية الألمانية بالتجنس. (DIE ZEIT⁠)

«ألمانيا بحاجة إلى الهجرة حتى تتمكن من العمل»

وقال شتاينماير إن ألمانيا «تحتاج إلى الهجرة» إذا أرادت البلاد أن تستمر في أداء وظائفها الأساسية، مشيراً بصورة خاصة إلى المستشفيات ودور رعاية المسنين ومؤسسات الرعاية، إضافة إلى قطاعات واسعة من الاقتصاد الخاص.

وأوضح أن الحاجة لا تقتصر على العمال في الوظائف الأساسية، بل تشمل أيضاً الموظفين والعمال والمهندسين والكوادر المتخصصة التي تحتاج إليها الشركات الألمانية.

وتتوافق هذه النقطة مع بيانات وكالة العمل الاتحادية الألمانية، التي أظهرت في أحدث تحليل لها وجود 157 مهنة تعاني من نقص في العمالة المتخصصة خلال عام 2025، مع استمرار النقص بصورة خاصة في مهن الرعاية الصحية والطبية، والبناء والحرف، إضافة إلى بعض المهن الاجتماعية وغيرها. (statistik.arbeitsagentur.de⁠)

وفي المقابل، تؤكد الوكالة أن الصورة ليست موحدة في جميع قطاعات الاقتصاد، إذ لا توجد مؤشرات على وجود نقص عام في العمالة على مستوى ألمانيا، بينما توجد وفرة في عرض العمالة في عدد من المهن. ولذلك فإن الحديث عن حاجة ألمانيا إلى الهجرة يتعلق بصورة أساسية بقطاعات ومهارات محددة وليس بنقص شامل في جميع أنواع العمالة. (statistik.arbeitsagentur.de⁠)

الهجرة بين الحاجة الاقتصادية والضغط على المدن والبلديات

اعترف شتاينماير بأن الهجرة لا تأتي من دون تكاليف وتحديات، موضحاً أن استقبال أعداد كبيرة من الوافدين يفرض أعباء إضافية على المواطنين والبلديات، خصوصاً في مجالات السكن والتعليم والخدمات العامة.

لكنه رأى في المقابل أن الهجرة يمكن أن تمنح المجتمعات المحلية قوة إضافية، عندما تتمكن الشركات من العثور على الموظفين والعمال الذين تحتاج إليهم، أو عندما يساهم وصول الشباب والأسر في الحد من آثار شيخوخة السكان.

وفي هذا السياق، تشير تقديرات معهد أبحاث سوق العمل الألماني IAB إلى أن التغير الديموغرافي سيؤدي خلال عام 2026 إلى انخفاض محتمل في حجم القوة العاملة المتاحة بنحو 470 ألف شخص، في حين يُتوقع أن تزيد الهجرة الصافية القوة العاملة بنحو 170 ألف شخص. ويشير ذلك إلى أن الهجرة يمكن أن تخفف جزءاً من أثر التراجع الديموغرافي، لكنها لا تلغي تأثيره بالكامل. (doku.iab.de⁠)

شتاينماير: لا مواطنين من الدرجة الأولى والثانية

الجانب الأكثر وضوحاً في خطاب الرئيس الألماني كان رفضه التمييز بين المواطنين على أساس أصولهم.

وقال شتاينماير: «لا يوجد مواطنون من الدرجة الأولى وآخرون من الدرجة الثانية»، مؤكداً أن «الشعب الألماني» وفق مفهوم الدستور يشمل أيضاً الألمان الذين انضموا إلى المجتمع عبر الهجرة والتجنس.

Siehe auch  ميرتس يصعّد لهجته بعد حادثة تحرّش: لاجئون دون حق إقامة “سيُعادون إلى الوطن”.. وسوريا ما بعد النظام يجب أن تستعيد أبناءها

وأضاف أن الانتماء إلى ألمانيا لا يتحدد بأصول الأجداد أو بما وصفه بالتفكير القائم على «الدم»، وإنما بالمواطنة واللغة والرغبة في العيش المشترك في الحرية والالتزام بالدستور. (DIE ZEIT⁠)

وتتفق هذه النقطة مع النص الدستوري الألماني؛ إذ ينص المادة 116 من القانون الأساسي على أن الألماني، وفق القانون الأساسي، هو من يحمل الجنسية الألمانية، مع أحكام خاصة محددة تتعلق باللاجئين والمهجرين من أصول ألمانية. كما تنص المادة الثالثة على مبدأ المساواة أمام القانون وتحظر التمييز على أساس الأصل أو اللغة أو الوطن والمنشأ. (Gesetze im Internet⁠)

كما تنص المادة 33 من القانون الأساسي على أن لكل ألماني الحقوق والواجبات المدنية نفسها في الولايات الألمانية. (Gesetze im Internet⁠)

«من يحق له البقاء يجب أن تتاح له فرصة الانتماء»

ربط شتاينماير بين الحق في البقاء في ألمانيا وبين المشاركة في المجتمع، قائلاً إن من يحق له البقاء يجب أن تتاح له فرصة الانتماء والوصول إلى المدارس والسكن والرعاية الطبية.

لكنه وضع في الوقت نفسه حداً واضحاً للجانب الآخر من سياسة الهجرة، مؤكداً أن من يتوجب عليه مغادرة ألمانيا يجب أن يغادر بالفعل.

وبذلك حاول الرئيس الألماني الجمع بين موقفين غالباً ما يظهران في النقاش السياسي باعتبارهما متعارضين: الدفاع عن الهجرة والاندماج من جهة، والتشديد على تطبيق قرارات المغادرة بحق من لا يملك حق البقاء من جهة أخرى. (DIE ZEIT⁠)

تحذير من تقسيم المجتمع إلى «نحن وهم»

وحذر شتاينماير من تحويل النقاش حول الهجرة إلى تقسيم للمجتمع بين «نحن» و«هم»، معتبراً أن تصنيف المواطنين الألمان إلى فئات بحسب أصلهم يمكن أن يتحول إلى مساس بالمبادئ الدستورية.

وقال إن من يحاول تقسيم «الألمانية» إلى درجات، أو توزيع الحقوق على أساس الانتماء إلى مجموعات، يهاجم النظام الدستوري والديمقراطي.

ولم يسمِّ الرئيس الألماني حزب البديل من أجل ألمانيا AfD بالاسم في تصريحاته، لكن وكالة dpa ووسائل إعلام ألمانية ربطت بعض مواقفه بصورة واضحة بالجدل السياسي الحالي حول الهجرة، بما في ذلك الدعوات إلى تشديد سياسة الترحيل ومواقف الحزب من الهجرة واللاجئين. (DIE ZEIT⁠)

دعوة إلى معالجة مخاوف المواطنين بدلاً من تجاهلها

وفي الوقت نفسه، لم يقدم شتاينماير الهجرة باعتبارها قضية خالية من المشكلات، بل دعا السياسة الألمانية إلى التعامل بجدية مع مخاوف المواطنين الذين يشعرون بأن بلداتهم أو أحيائهم تواجه ضغوطاً متزايدة بسبب الهجرة.

وقال إن فقدان الناس الثقة في إمكانية نجاح التعايش يفرض على السياسة التحرك بسرعة وحسم، ومعالجة المشكلات الواضحة وتقديم حلول عملية.

وهذه النقطة تعكس جانباً مهماً من الجدل الألماني الحالي: فالنقاش لم يعد يدور فقط حول ما إذا كانت ألمانيا تحتاج إلى العمالة الأجنبية، وإنما حول نوع الهجرة المطلوبة، وكيفية تنظيمها، وقدرة الدولة على دمج الوافدين، وتوفير السكن والتعليم والخدمات، وفي الوقت نفسه تنفيذ قرارات المغادرة بحق من لا يملك حق الإقامة.

الحاجة إلى الهجرة لا تعني غياب البدائل

وتشير بيانات سوق العمل إلى ضرورة التمييز بين الحاجة إلى الهجرة وبين القول إن الهجرة هي الحل الوحيد لمشكلة العمالة.

Siehe auch  الرئيس السوري أحمد الشرع يكلف لجنة تحضيرية لمؤتمر الحوار الوطني الشامل

فوكالة العمل الاتحادية أكدت في تحليلها لعام 2025 أن هناك نقصاً في عدد كبير من المهن، خصوصاً الرعاية والصحة وبعض قطاعات البناء والحرف، لكنها أكدت أيضاً عدم وجود نقص عام في العمالة في ألمانيا. (statistik.arbeitsagentur.de⁠)

كما تظهر بيانات الوكالة أن سوق المهندسين، على سبيل المثال، شهد تراجعاً في الطلب خلال 2024 و2025، مع استمرار وجود احتياجات في تخصصات محددة مثل بعض مجالات البناء والهندسة والخدمات التقنية. وبلغ عدد المهندسين المسجلين كعاطلين عن العمل في المتوسط السنوي لعام 2025 نحو 48 ألفاً، بحسب بيانات الوكالة. (statistik.arbeitsagentur.de⁠)

وهذا يعني أن سياسة الهجرة المرتبطة بسوق العمل تحتاج إلى أن تكون موجهة وفق احتياجات القطاعات والتخصصات، بالتوازي مع رفع مشاركة السكان الموجودين أصلاً في سوق العمل، والتدريب المهني، والتعليم، وتحسين ظروف العمل.

ألمانيا أمام معادلة مزدوجة

تكشف تصريحات شتاينماير عن معادلة تواجهها ألمانيا في السنوات المقبلة: البلاد تحتاج إلى سد فجوات محددة في سوق العمل في وقت يتسارع فيه تأثير الشيخوخة الديموغرافية، لكنها تواجه في الوقت ذاته ضغوطاً سياسية واجتماعية مرتبطة بالهجرة والاندماج وقدرة المدن والبلديات على توفير الخدمات.

وتشير تقديرات IAB إلى أن صافي الهجرة في 2025 تراوح، وفق البيانات المتاحة آنذاك، بين 220 ألفاً و260 ألف شخص، بينما توقع المعهد صافي هجرة يقارب 230 ألفاً في 2026. وفي المقابل، قدر الانخفاض الديموغرافي في القوة العاملة المتاحة خلال 2026 بنحو 470 ألف شخص. (doku.iab.de⁠)

وعليه، فإن الرسالة الأساسية التي حملها خطاب شتاينماير لا تتمثل في الدعوة إلى هجرة بلا ضوابط، بل في التأكيد على أن ألمانيا تحتاج إلى الهجرة، خصوصاً لسوق العمل، بالتزامن مع ضرورة إدارة آثارها ومشكلاتها بصورة أكثر فعالية.

الخلاصة

يضع الرئيس الألماني النقاش حول الهجرة في إطار مزدوج: الحاجة الاقتصادية والديموغرافية من جهة، والاندماج وسيادة القانون والتماسك الاجتماعي من جهة أخرى.

وبحسب هذا التصور، فإن ألمانيا تحتاج إلى العمالة التي تساهم في اقتصادها وخدماتها العامة، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى سياسة قادرة على معالجة الضغط على البلديات والسكن والتعليم والرعاية، والاستجابة لمخاوف المواطنين، وضمان اندماج من يحق لهم البقاء، وتنفيذ قرارات المغادرة بحق من لا يملك حق الإقامة.

أما بالنسبة للمواطنين الألمان الذين حصلوا على الجنسية بالتجنس، فيؤكد شتاينماير أن الدستور لا يضعهم في مرتبة أدنى من الألمان الذين حصلوا على الجنسية بالولادة، وهو موقف تدعمه المبادئ الدستورية المتعلقة بالمساواة وتعريف المواطن الألماني. (Gesetze im Internet⁠)

المصادر:

  • وكالة الأنباء الألمانية dpa عبر DIE ZEIT، 25 أغسطس/آب 2026: تصريحات شتاينماير حول الهجرة والمواطنة. (DIE ZEIT⁠)
  • Süddeutsche Zeitung / dpa، 25 أغسطس/آب 2026: تفاصيل خطاب الرئيس الألماني. (Süddeutsche.de⁠)
  • وكالة العمل الاتحادية الألمانية (Bundesagentur für Arbeit): تحليل نقص العمالة المتخصصة لعام 2025. (statistik.arbeitsagentur.de⁠)
  • معهد أبحاث سوق العمل IAB: توقعات سوق العمل الألماني لعام 2026. (doku.iab.de⁠)
  • القانون الأساسي الألماني (Grundgesetz)، المواد 3 و33 و116. (Gesetze im Internet⁠)

📰 أخبار ذات صلة

تابع آخر الأخبار على Baznews

Schreibe einen Kommentar

Deine E-Mail-Adresse wird nicht veröffentlicht. Erforderliche Felder sind mit * markiert

Diese Website verwendet Akismet, um Spam zu reduzieren. Erfahre, wie deine Kommentardaten verarbeitet werden.