مروان مجيد عبدالله.. شاعر الثورة الذي دفع ثمنها سجناً وتهجيراً ثم خرج منها بلا منصب

«قضينا العمر نبني للفداء غداً.. فما جنينا سوى الخذلان والألم»

BAZ News – ملف إنساني

اعداد وتحرير: Mohamad Alhussein

بعد سنوات طويلة من النضال والسجن والتضحيات، يجد الشاعر والمربي والحقوقي والناشط الإعلامي مروان مجيد عبدالله نفسه مهجّراً، بعيداً عن وطنه، وقد فقد عمله واستقراره، بينما يرى أن كثيراً ممن لم يدفعوا الثمن نفسه أصبحوا اليوم في مواقع المسؤولية وصناعة القرار.

قصة عبدالله لا تُروى من خلال قصيدته فقط، بل من خلال مسار طويل بدأ مع السنوات الأولى للثورة السورية، ودفع خلالها ثمناً شخصياً ومهنياً كبيراً.

كان عبدالله من أوائل المنخرطين في الحراك الثوري، وعمل في المجال التربوي، إلى جانب نشاطه الحقوقي والإعلامي والأدبي. وتعرض للاعتقال والسجن بسبب نشاطه؛ إذ أمضى نحو عامين في سجون مليشيات قسد، إضافة إلى عدة أشهر في سجون نظام بشار الأسد.

وهذه الوقائع ليست رواية منقولة عن مصادر بعيدة؛ إذ يؤكدها مدير موقع BAZ News شخصياً، بصفته شاهداً مباشراً على تجربة عبدالله، والذي عمل محرراً في الموقع وما يزال مرتبطاً به، وعلى خلفية معرفته المباشرة بظروف اعتقاله ومساره المهني والنضالي.

لكن المفارقة التي تحملها قصته اليوم هي أن الرجل الذي دفع سنوات من عمره ثمناً لموقفه، لا يزال خارج وطنه، وخارج مواقع القرار، فيما تولى آخرون مناصب في المرحلة الجديدة.

قصيدة تروي ما بعد الانتصار

في قصيدته الأخيرة، لا يكتب مروان مجيد عبدالله عن السجن وحده، ولا عن الثورة وحدها، وإنما عن المرحلة الأكثر قسوة في نظره: مرحلة ما بعد الانتصار، حين يكتشف بعض الذين دفعوا الثمن أنهم لم يحصلوا على شيء من ثمار ما ناضلوا من أجله.

يقول:

«مر الزمان فزاد الشيب والهرمُ
واليوم أمضي وحيداً هدني الهضمُ»

منذ المطلع، يضع الشاعر أمام القارئ خلاصة سنوات طويلة: شباب مضى، وشيب حضر، ووحدة أصبحت جزءاً من الحياة اليومية.

ثم يقول:

«مات الرجاء وعاد الصمت ينتقمُ
ولم يعد في زوايا الخاطر العشمُ»

إنه ليس مجرد حزن على الماضي، بل شعور بأن الانتظار الطويل لم يؤدِّ إلى النتيجة التي كان يتوقعها.

دفع ثمن الثورة من حريته وعمله

عبدالله لم يدفع الثمن سياسياً فقط؛ بل دفعه من حريته وعمله واستقراره.

السجن في تجربته جاء على مرحلتين مختلفتين، الأولى لدى نظام الأسد، والثانية لدى مليشيات قسد، وفق ما تؤكده الشهادة المباشرة المتصلة بتجربته.

كما خسر عمله التربوي، وتبدلت حياته المهنية والشخصية بصورة جذرية.

ولهذا تبدو أبياته:

«بذلت عز شبابي في سبيل غدٍ
واليوم أسكن بيتاً هده الهرمُ»

أقرب إلى خلاصة سيرة كاملة، لا مجرد صورة شعرية.

فالشاعر يقارن بين الشباب الذي بذله من أجل المستقبل وبين واقع يصفه اليوم بأنه مثقل بالتهجير والخسارة والوحدة.

ويقول:

«بعت الوظيفة والأيام شاهدة
أني فديت بلاداً خانها الحكمُ»

الوظيفة هنا ليست مجرد مصدر للدخل؛ إنها جزء من الحياة التي كان يمكن أن يعيشها لو اختار الصمت والابتعاد عن الصراع السياسي.

لكنه اختار طريقاً آخر، وكان الثمن باهظاً.

«صاحوا بنصرٍ وساروا في غنائمهم»

ربما تكون أكثر أبيات القصيدة تعبيراً عن شعوره بالخذلان تلك التي يقول فيها:

«صاحوا بنصرٍ وساروا في غنائمهم
وخلفوني وحيداً ملؤني الندمُ»

فالانتصار الذي انتظره طويلاً لا يظهر في القصيدة باعتباره نهاية سعيدة بالنسبة إليه.

آخرون، كما يرى الشاعر، انتقلوا إلى مرحلة جديدة واستفادوا من التحولات السياسية، بينما بقي هو في الخارج، يحمل آثار السنوات التي مضت.

وهنا يبرز السؤال الذي تتجاوز دلالاته تجربة عبدالله الشخصية:

ماذا عن الذين دفعوا ثمن الثورة عندما أصبحت الثورة دولة ومؤسسات ومناصب؟

من السجن إلى الغربة

لم تنتهِ معاناة عبدالله بخروجه من السجن.

فالخسارة، كما تظهر في القصيدة، تراكمت طبقة فوق أخرى: الوظيفة، البيت، الشباب، الاستقرار، والأصدقاء، وصولاً إلى الغربة.

يقول:

«جدران بيتي التي فارقتها ألماً
تبكي شباباً غدا في الغربة السقمُ»

Siehe auch  التقارب المصري-التركي: مباحثات السيسي وأردوغان تركز على الأزمة السورية واتفاقية أضنة

ويقول:

«مرارة الفقد لا مال ولا سكنٌ
ولا رفيق يداري دمع من حرموا»

الغربة هنا ليست مجرد انتقال من بلد إلى بلد، وإنما نتيجة لمسار طويل من الخسارات.

فالرجل الذي كان يعمل في التربية، وينشط في المجال الحقوقي والإعلامي، ويكتب الشعر والأدب، وجد نفسه بعد سنوات من النضال خارج المكان الذي أراد أن يساهم في بنائه.

«خرجت صفر اليدين»

تتكرر في القصيدة صورة الخروج بلا شيء:

«خرجت صفر اليدين اليوم مغترباً
حسبي خسرت فخاراً ساده الوصمُ»

ثم يعود إليها:

«خرجت صفر اليدين اليوم محتسباً
ولست أبكي على ما حازه الصنمُ»

لكن عبدالله لا يقدم نفسه في القصيدة باعتباره نادماً على الثورة أو على مواقفه.

وهذه نقطة أساسية في النص.

فهو يعدد خساراته، لكنه لا يتراجع عن قناعته.

يقول:

«خسرت بيتي وعملي والشباب مضى
لكن فؤادي بحبل الله يعتصمُ»

وكأنه يضع فاصلاً بين الخسارة الدنيوية وبين الإيمان بأن ما فعله كان صواباً من الناحية الأخلاقية.

شاعر ومربٍ وحقوقي.. لكن بلا مكان في المشهد الجديد

تحمل سيرة عبدالله مفارقة قاسية.

فهو يجمع بين العمل التربوي، والخبرة الحقوقية، والنشاط الإعلامي، والأدب والشعر، فضلاً عن سنوات طويلة من النضال وما رافقها من اعتقال وسجن وتهجير.

ومع ذلك، وبحسب تجربته الشخصية، لم يجد نفسه ضمن دائرة من جرى الاستفادة من خبراتهم في المرحلة الجديدة.

بينما يرى أن أشخاصاً آخرين، بعضهم أقل تجربة في العمل العام والنضال، وصلوا إلى مواقع ومناصب في الحكومة ومؤسسات الدولة.

هذه ليست، في قصيدته، مجرد غيرة من منصب أو رغبة في مكسب شخصي.

بل تبدو أقرب إلى سؤال عن العدالة والاعتراف بالتضحيات.

هل يُفترض أن تكون المناصب مكافأة للنضال؟

أم أن المعيار الحقيقي يجب أن يكون الكفاءة والخبرة والنزاهة والقدرة على خدمة الدولة والمجتمع؟

والأهم: هل تستطيع سوريا الجديدة أن تستوعب أصحاب التجارب الذين دفعوا ثمناً حقيقياً في السنوات السابقة، أم أن مرحلة جديدة من التهميش ستجعل بعضهم يشعر بأن الثورة انتصرت بينما خسروا هم حياتهم من أجلها؟

«بذلت للحق عمراً»

رغم كل هذه المرارة، لا تنتهي قصيدة عبدالله بالشكوى.

بل تتحول في نهايتها إلى خطاب إيماني واضح:

«بذلت للحق عمراً لا أمن به
إن كان ربي يرى ما خطه القلمُ»

ويقول:

«سأترك الدنيا والأيام فانية
وزادي الطهر والوجدان والقيمُ»

ثم:

«ما همني الفقد في الدنيا وزينتها
إن كان ربي يرى طهري ويبتسمُ»

وهنا يتحول النص من رثاء لحياة ضائعة إلى إعلان تمسك بالمبدأ.

فالشاعر، رغم خسارة العمل والوطن والاستقرار والشباب، لا يريد أن يقيس تجربته بمنطق المال والمنصب.

«رضاك غاية عمري»

في خاتمة القصيدة، يبلغ هذا المعنى ذروته:

«رضاك غاية عمري والرجاء به
يفنى الوجود ويبقى وجهك الشممُ»

ثم يقول:

«عشت العزيز بحق لا ألين له
وأبتغي القرب يوم الخلق تزدحمُ»

إنها نهاية مختلفة عن بداية القصيدة.

في البداية نرى رجلاً يواجه الشيب والوحدة والخذلان.

وفي النهاية نرى إنساناً يحاول أن يستعيد معنى الانتصار من مكان آخر: ليس في المنصب، ولا في المال، ولا في السلطة، وإنما في أن يبقى وفياً لما آمن به.

قصة تتجاوز مروان مجيد عبدالله

قد تكون قصة مروان مجيد عبدالله حالة فردية، لكنها تفتح باباً على قضية أكبر في سوريا الجديدة: مصير أصحاب التضحيات والخبرات الذين أمضوا سنوات في مواجهة النظام السابق، ثم وجدوا أنفسهم بعد التغيير خارج دوائر القرار.

فالعدالة الانتقالية لا تتعلق فقط بمحاسبة من ارتكب الجرائم، وإنما تتصل أيضاً بكيفية بناء دولة جديدة تعترف بتضحيات من دفعوا ثمناً في سبيل التغيير، وتستفيد من خبراتهم وكفاءاتهم بعيداً عن المحسوبية والاستقطاب.

عبدالله اليوم، وفق تجربته الشخصية، لا يبحث في قصيدته عن تعويض مادي بقدر ما يبحث عن معنى لما حدث.

Siehe auch  هجوم يستهدف القواعد الأمريكية في حقل العمر وكونيكو النفطييتين شمالي شرق سوريا

لقد سُجن.

وخسر عمله.

وفقد استقراره.

وغادر وطنه.

ومضى شبابه.

ثم رأى آخرين يتقدمون إلى مواقع المسؤولية.

ومع ذلك يقول:

«موتي عزيزاً بساح الحق غايتنا
وربنا يعلم النيات والحكمُ»

ثم يختم:

«يرضى الإله الشكور اليوم عن عملي
فذاك فوزي وإن هد القوى كرمُ»

ربما تختصر هذه الأبيات حكايته كلها:

رجل يقول إنه خسر الكثير في الدنيا، لكنه لا يريد أن يخسر أيضاً إيمانه بأن ما فعله كان من أجل الحق.

وبينما تستمر سوريا في بناء مرحلتها الجديدة، تبقى قصة مروان مجيد عبدالله سؤالاً مفتوحاً أمام الدولة والمجتمع:

من ينصف الذين دفعوا ثمن التغيير، حين يصبح التغيير واقعاً؟

وهل يكون الانتصار الحقيقي هو فقط الوصول إلى السلطة، أم أن الانتصار يكتمل عندما يشعر الذين ضحوا من أجلها بأنهم لم يُنسوا؟

أ. مروان مجيد عبدالله
شاعر ومربٍ وحقوقي وناشط إعلامي، ومحرر في BAZ News، وصاحب تجربة طويلة في النضال والعمل العام، وفق شهادته وسيرته التي يعرفها العاملون معه.

والقصيدة المنشورة هنا ليست مجرد أبيات عن الماضي؛ إنها شهادة شاعر على عمرٍ يقول إنه دفعه ثمناً لقضية آمن بها، ثم وجد نفسه في نهايتها يسأل عن نصيبه من الوطن الذي حلم به.

القصيدة كاملة

في صوره الانفوكرافيك

مر الزمان فزاد الشيب والهرم ُ
واليوم أمضي وحيداً هدني الهضم ُ

مات الرجاء وعاد الصمت ينتقمُ
ولم يعد في زوايا الخاطر العشمُ

قضينا العمر نبني للفداء غداً
فما جنينا سوى الخذلان والألمُ

بذلت عز شبابي في سبيل غدٍ
واليوم أسكن بيتاً هده الهرمُ

لا خل يسأل عن حالي فينقذني
ولا قريب يواسي قلب من صدموا

خرجت منها صريع الوهم منفرداً
كأنني لم أكن يوماً لهم علمُ

صاحوا بنصرٍ وساروا في غنائمهم
وخلفوني وحيداً ملؤني الندمُ

تفرق الصحب والأيام واجتمعت
علي نفسي فلا أهل ولا حشمُ

جدران غرفتي الموحشات تشهد لي
أني خسرت ورب البيت ما غنموا

تركت بيتي ووهم الدار يهدمه
وضاع مستقبلي والعيش ينحطمُ

بعت الوظيفة والأيام شاهدة
أني فديت بلاداً خانها الحكمُ

عمر بنيت به الأحلام في صغرٍ
فصار في لحظة كالرمل يرتطمُ

أين المكاتب والأوراق خاليةُ
مضت كحلم تهادى لفه الظلمُ

جدران بيتي التي فارقتها ألماً
تبكي شباباً غدا في الغربةِ السقمُ

ضحيت بالكل لم أترك لي سنداً
واليوم أجلس في ركني وأكتتمُ

مرارة الفقد لا مال ولا سكنٌ
ولا رفيق يداري دمع من حرموا

خرجت صفر اليدين اليوم مغترباً
حسبي خسرت فخاراً ساده الوصمُ

خسرت بيتي وعملي والشباب مضى
لكن فؤادي بحبل الله يعتصمُ

وضاعت علومي والآمال مجدبة
وما ندمت وطرفي ليس ينسجمُ

بذلت للحق عمراً لا أمن بها
إن كان ربي يرى ما خطه القلمُ

سأترك الدنيا والأيام فانية
وزادي الطهر والوجدان والقيمُ

فليذهب المال والتعليم والعمل
إذا رضيت إلهي وانجلى الغممُ

خرجت صفر اليدين اليوم محتسباً
ولست أبكي على ما حازه الصنمُ

موتي عزيزاً بساح الحق غايتنا
وربنا يعلم النيات والحكمُ

يرضى الإله الشكور اليوم عن عملي
فذاك فوزي وإن هد القوى كرمُ

قضينا العمر نبني للفداء غداً
صروف دهر بها الأحرار تهتضمُ

رأيت في الله آمالي ومستندي
وعند ربي يزول الهم والأزمُ

أرجو من الله غفراناً ومرحمةً
يوم الحساب إذا ما زلت القدمُ

ما همني الفقد في الدنيا وزينتها
إن كان ربي يرى طهري ويبتسمُ

أملي عظيم بذي الألطاف يكلؤني
إذا انقضى العمر والأيام تنصرمُ

يموت جسمي وتبقى الروح راضيةً
بما قضاه وعني زاحت التهمُ

يا رب خذني ونور العفو يغمرني
فكل من فوق هذي الأرض ينعدمُ

رضاك غاية عمري والرجاء به
يفنى الوجود ويبقى وجهك الشممُ

عشت العزيز بحق لا ألين له
وأبتغي القرب يوم الخلق تزدحمُ

أ.مروان مجيد عبدالله


📰 أخبار ذات صلة

تابع آخر الأخبار على Baznews

Schreibe einen Kommentar

Deine E-Mail-Adresse wird nicht veröffentlicht. Erforderliche Felder sind mit * markiert

Diese Website verwendet Akismet, um Spam zu reduzieren. Erfahre, wie deine Kommentardaten verarbeitet werden.