كشفت مصادر مطلعة داخل وزارة الخارجية السورية عن تدخل مباشر وحازم لإجبار السفير السوري في تونس، محمد المحمد، على سحب شكوى جنائية كان قد تقدم بها ضد عدد من المواطنين السوريين، بتهمة “تشويه السمعة”، وذلك بعد سلسلة اتصالات رسمية وتصعيد إداري خلال الأسبوع الماضي.
وبحسب المعلومات، فإن السفير، الذي يعود تعيينه إلى فترة النظام السابق، أقدم على رفع الدعوى أمام السلطات التونسية دون الحصول على موافقة مسبقة من وزارة الخارجية، ودون إجراء أي تحقيق داخلي، في خطوة اعتُبرت مخالفة صريحة للأعراف الدبلوماسية المعمول بها، والتي تشدد على معالجة النزاعات المهنية داخل الأطر المؤسسية للوزارة.
وأكدت المصادر أن وزارة الخارجية وجهت طلبين سابقين للسفير بضرورة إنهاء القضية، إلا أنه تجاهلهما، وقدم معلومات غير دقيقة تفيد بإغلاق الملف. هذا السلوك دفع الوزارة إلى إجراء اتصال ثالث أكثر صرامة، تخلله توبيخ مباشر، ما اضطر السفير في نهاية المطاف إلى التوجه فوراً إلى الجهات القضائية التونسية والتنازل عن الدعوى وإسقاط الحق القانوني للسفارة.
خلفيات القضية وتجاوزات إدارية
تشير الحيثيات إلى أن القضية لم تكن مجرد خلاف قانوني، بل تضمنت اتهامات باستخدام المنصب الدبلوماسي للضغط على ناشطين سوريين محسوبين على التيار الداعم للتغيير السياسي. ووصفت مصادر في الوزارة تصرف السفير بأنه “تغوّل على الصلاحيات” وتجاوز واضح للأنظمة الإدارية، معتبرة أن مثل هذه القضايا يجب أن تُعالج داخلياً عبر القنوات الرسمية وليس عبر القضاء في الدولة المضيفة.
الدور التونسي في احتواء الأزمة
في السياق ذاته، لعبت السلطات التونسية دوراً مهماً في احتواء الأزمة، حيث عملت الأجهزة الأمنية على توجيه الأطراف المعنية نحو حل الخلاف داخل الإطار الدبلوماسي، ومنع تحوله إلى نزاع قانوني موسع. وأظهرت السلطات التونسية، وفق المصادر، مستوى عالياً من المهنية في التعامل مع الملف، رغم إصرار السفير في البداية على متابعة الإجراءات القضائية.
دلالات سياسية وإدارية
تعكس هذه الواقعة، بحسب مراقبين، فجوة واضحة بين توجهات الإدارة السورية الحالية وبعض الكوادر الدبلوماسية التي ما تزال تعمل بعقلية المرحلة السابقة. كما تسلط الضوء على تحديات إعادة ضبط الأداء المؤسسي داخل البعثات الدبلوماسية، وضمان التزامها بالتعليمات المركزية والنهج السياسي الجديد للدولة.
وتأتي هذه الحادثة في وقت تسعى فيه وزارة الخارجية السورية إلى إعادة هيكلة عملها الخارجي وتعزيز الانضباط المهني، في ظل مساعٍ لإعادة بناء الثقة مع الجاليات السورية في الخارج، وتوحيد الخطاب الدبلوماسي بما يتماشى مع التحولات السياسية الجارية.