أعداد وتحرير: M.Alhussein
أفادت مصادر محلية في الساحل السوري بأن قوى الأمن السورية أقدمت على اعتقال اللواء السابق محمد منصورة في مدينة جبلة، قبل أن تقوم بنقله بشكل مباشر إلى العاصمة دمشق، في خطوة أثارت اهتماماً واسعاً نظراً لحجم الرجل ودوره السابق داخل المنظومة الأمنية السورية.
وبحسب المعلومات المتداولة، فإن عملية الاعتقال جرت دون إعلان رسمي أو توضيح للأسباب، فيما لم تصدر حتى الآن أي بيانات حكومية تؤكد أو تنفي الواقعة، ما يفتح الباب أمام تكهنات حول خلفيات هذه الخطوة وتوقيتها.
شخصية أمنية مثيرة للجدل
يُعد محمد منصورة من أبرز الشخصيات الأمنية التي برزت خلال عقود حكم النظام السوري، حيث شغل مناصب حساسة، من بينها رئاسة شعبة الأمن السياسي، إضافة إلى إدارته لفرع الأمن العسكري في مدينة القامشلي لأكثر من خمسة عشر عاماً، وهي فترة تُعد من الأطول في تاريخ هذا المنصب.
وخلال تلك السنوات، اكتسب منصورة نفوذاً واسعاً في المنطقة الشرقية من البلاد، ما دفع بعض الأوساط إلى تسميته بـ”ملك الجزيرة”، في إشارة إلى سيطرته الأمنية والنفوذ الذي كان يتمتع به داخل محافظة الحسكة ومحيطها.
محمد منصورة رجل النظام الوفي الذي تلاعب بالجزيرة السورية لربع قرن
ولد محمد منصورة عام 1950 في قرية عين قبيّة، التي باتت اليوم أحد أحياء ناحية حمّام القراحلة التابعة لمنطقة جبلة، لوالده أحمد منصورة الذي يعتبر أحد الرموز الدينية والاجتماعية لعشيرة “القراحلة” في منطقة ريف جبلة. على غرار معظم شبان منطقته من الطائفة العلوية، التحق منصورة بالجيش، وحين وصل إلى رتبة نقيب في نهاية سبعينيات القرن الماضي، عين رئيساً لمفرزة الأمن العسكري، ليخرج من المدينة بعد ربع قرن برتبة لواء، وقد تحولت المفرزة إلى فرع.
بنى منصورة مجده الأمني والسياسي خلال عمله طيلة نحو ربع قرن كرئيس لفرع الأمن العسكري في القامشلي، أقصى شمال شرق البلاد طوال العقدين الماضيين، سواء بشقه الداخلي المتعلق بالأحزاب في منطقة الجزيرة، أم بشقه الخارجي المرتبط بالعلاقة مع تركيا والعراق، وفي السنوات الأخيرة، عمل منصورة مستشاراً أمنياً لما تسمى “خلية إدارة الأزمة” مع بداية الثورة في عام 2011.
منذ البداية، حرص محمد منصورة خلال عمله رئيساً لفرع الاستخبارات العسكرية في منطقة الجزيرة السورية، ومركزه في مدينة القامشلي، على تقديم نفسه لأهالي المنطقة بوصفه واحداً منهم، حريصاً عليهم، وينقل همومهم لقيادة النظام في دمشق.
وبغية التغلغل في مجتمع الجزيرة المختلط عرقياً ودينياً وثقافياً، عمد منصورة إلى بناء شبكة من العملاء والمخبرين بين مختلف الأوساط والمكونات السكانية في المدينة، معتمداً أساليب جديدة وقتها، عبر فتح باب التوظيف المدني في الفرع، وتعيين عدد كبير من المخبرين في وظائف وهمية، مثل ورشات الميكانيك والبناء والدهان، لتبرير دخولهم إلى الفرع وتسليم تقاريرهم في وضح النهار.
واستطاع منصورة بناء شبكة من العلاقات الاجتماعية في الجزيرة التي أطلق عليه أهلها لقب “أبو جاسم” رغم أنه بقي أعزب، ووطّد علاقته مع كل الوجهاء والأشخاص الذين يمكن استخدامهم من شيوخ عشائر ورجالات دين وأصحاب أعمال ومصالح، مستخدماً الترغيب والترهيب.
بعد انتهاء خدمته في منطقة الجزيرة، تولى منصورة رئاسة فرع فلسطين بدمشق، الذي بقي فيه حوالى عامين خلفا للواء مصطفى التاجر، ثم انتقل خارج ملاك شعبة الاستخبارات العسكرية معاوناً للواء غازي كنعان الذي عين وقتها رئيسا لشعبة الأمن السياسي في وزارة الداخلية، إذ كانا حليفين داخل ذلك الجهاز على مدى عقدين من الزمن. وحين تم تعيين كنعان وزيراً للداخلية، كلف منصورة برئاسة الشعبة السياسية حتى تولاها رسمياً بموجب مرسوم بشار الأسد .
وتمكن منصورة من بناء ثروة جيدة من خلال علاقاته المالية مع مهربي التبغ والسلاح والمواشي، إضافة إلى تورطه في عمليات فساد تتعلق بالأراضي الزراعية. ويصف البعض منصورة، الذي دعاه حافظ الأسد ذات يوم بملك الجزيرة”، بالدهاء والخبث لأبعد مستوى، حيث لم يرد أنه ضرب أحداً بيده، لكن تكفي ابتسامة منه لأي عنصر أمني حتى يتولى تقديم ضيافة فروع الاستخبارات المعهودة للأشخاص الموقوفين.
واليوم تم الإعلان عن إلقاء القبض عليه
إدارة معقدة للملف الشرقي
ارتبط اسم منصورة بإدارة ملفات معقدة في شمال شرق سوريا، حيث تشير روايات متعددة إلى اعتماده على سياسات أمنية قائمة على إدارة التوازنات العرقية والعشائرية، خصوصاً بين العرب والأكراد، بهدف الحفاظ على السيطرة الأمنية في منطقة تُعد من الأكثر حساسية في البلاد.
كما يُتهم، وفق هذه الروايات، بلعب دور في تأجيج التوترات التي شهدتها مدينة القامشلي عام 2004، والتي شكلت واحدة من أبرز محطات الاحتقان في المنطقة، رغم عدم وجود توثيق رسمي يثبت مسؤوليته المباشرة عن تلك الأحداث.
نفوذ إقليمي واقتصاد غير رسمي
وتشير تقارير غير رسمية إلى أن منصورة كان أحد المسؤولين عن إدارة ما يُعرف بـ”الملف الكردي” على المستوى الإقليمي، بما في ذلك التعامل مع فصائل مسلحة وعلاقات مع أطراف خارجية، في إطار سياسات معقدة هدفت إلى تحقيق توازنات سياسية وأمنية تخدم مصالح النظام.
كما ارتبط اسمه بشبكات اقتصادية غير رسمية، تضمنت عمليات تهريب عبر الحدود شملت السلاح والآثار والمواشي، بالتعاون مع شخصيات محلية وعشائرية، وهو ما ساهم في تعزيز نفوذه المالي إلى جانب سلطته الأمنية.
عودته إلى الواجهة بعد سنوات من الغموض
يأتي اعتقال منصورة بعد سنوات من الغموض الذي أحاط بمصيره، حيث كانت تقارير سابقة قد تحدثت عن خروجه من المشهد الأمني منذ عام 2011، مع بداية الاحتجاجات في سوريا، قبل أن يُعاد استدعاؤه كمستشار في إدارة الأزمات، وفق بعض الروايات.
كما تحدثت مصادر غير مؤكدة في وقت سابق عن تعرضه للتصفية في ظروف غامضة عام 2016، على غرار شخصيات أمنية بارزة مثل غازي كنعان ورستم غزالة، إلا أن ظهور اسمه مجدداً في سياق الاعتقال الحالي يعيد طرح تساؤلات حول حقيقة تلك الروايات.
تساؤلات مفتوحة
يثير اعتقال محمد منصورة تساؤلات عديدة حول دوافع هذه الخطوة، وما إذا كانت مرتبطة بإعادة ترتيب داخل الأجهزة الأمنية، أو بملفات قديمة يعاد فتحها، أو حتى بصراعات داخلية بين أجنحة السلطة.
وفي ظل غياب المعلومات الرسمية، يبقى مصير اللواء السابق مجهولاً، فيما تترقب الأوساط السياسية والإعلامية أي توضيحات قد تكشف حقيقة ما يجري خلف الكواليس في واحد من أكثر الملفات حساسية داخل النظام السوري.