شهد العراق، فجر الثلاثاء، تصعيدًا أمنيًا خطيرًا تمثل في سلسلة هجمات متزامنة استهدفت قوات البشمركة في إقليم كردستان ومواقع تابعة للحشد الشعبي في محافظة الأنبار، ما أسفر عن سقوط عشرات القتلى والجرحى، وسط تضارب الروايات بشأن الجهات المنفذة، وتبادل الاتهامات بين أطراف إقليمية ودولية، الأمر الذي يثير مخاوف متزايدة من انزلاق البلاد إلى موجة جديدة من العنف وعدم الاستقرار.
هجوم صاروخي على البشمركة شمالي أربيل
أفادت مصادر أمنية وأخرى من قوات البشمركة بأن هجومًا صاروخيًا استهدف، فجر الثلاثاء، مواقع عسكرية شمالي مدينة أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، ما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن ستة مقاتلين وإصابة 22 آخرين.
وذكرت المصادر، وفق ما نقلته وكالة “رويترز”، أن الهجوم طال مقرات الفرقة السابعة التابعة لقوات البشمركة، حيث تم تنفيذ الضربات في توقيتين منفصلين، ما زاد من حجم الخسائر البشرية والمادية.
من جهتها، أكدت وزارة البشمركة في حكومة إقليم كردستان أن الهجوم تم باستخدام ستة صواريخ باليستية، متهمة إيران بالوقوف وراء العملية، ووصفتها بأنها “عمل عدائي غادر وخائن وبعيد عن كل القيم الإنسانية ومبادئ حسن الجوار”.
وأوضح البيان أن الهجوم استهدف مقر اللواء السابع مشاة في المحور الأول، إضافة إلى قوة من اللواء الخامس مشاة على حدود منطقة سوران في محافظة أربيل، ما يشير إلى دقة في اختيار الأهداف العسكرية.
غارات جوية دامية على الحشد الشعبي في الأنبار
بالتزامن مع الهجوم على البشمركة، تعرض موقع تابع لقوات الحشد الشعبي في محافظة الأنبار غربي العراق لغارات جوية عنيفة، أسفرت عن سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى.
ووفقًا لمصادر أمنية وصحية، فقد قُتل ما لا يقل عن 15 مقاتلًا، بينهم قائد عمليات الحشد الشعبي في الأنبار سعد البعيجي، إضافة إلى إصابة نحو 30 آخرين، في حين أشارت تقديرات رسمية لاحقة إلى أن عدد القتلى قد يصل إلى 60 شخصًا، معظمهم من عناصر الحشد.
وأكدت هيئة الحشد الشعبي، في بيان رسمي، مقتل البعيجي وعدد من مرافقيه، مشيرة إلى أن الغارة استهدفت مقر القيادة أثناء انعقاد اجتماع أمني ضم عددًا من كبار القادة.
واتهمت الهيئة الولايات المتحدة بتنفيذ الهجوم، معتبرة أنه “استهداف مباشر لقيادات أمنية أثناء أداء مهامها”، فيما لم يصدر حتى الآن تعليق رسمي من الجانب الأمريكي بشأن هذه الاتهامات.
هجوم على ناقلات قرب أحد الموانئ
وفي تطور موازٍ، أفاد مسؤولون أمنيون في أحد الموانئ العراقية بمقتل أحد أفراد طاقم أجنبي جراء هجوم استهدف ناقلات قرب الميناء، في حادثة تعكس اتساع نطاق التهديدات الأمنية لتشمل البنية التحتية الاقتصادية.
تضارب الروايات وغياب تبنٍ رسمي
حتى الآن، لم تعلن أي جهة مسؤوليتها بشكل رسمي عن الهجمات المتعددة، في حين تتباين الاتهامات بين أطراف مختلفة، حيث تشير بعض الروايات إلى ضلوع جهات مدعومة من إيران، بينما تتهم أطراف أخرى الولايات المتحدة بتنفيذ الضربات الجوية.
هذا الغموض يزيد من تعقيد المشهد الأمني، ويجعل من الصعب تحديد طبيعة التصعيد وما إذا كان جزءًا من مواجهة إقليمية أوسع أو سلسلة عمليات منفصلة.
خلفية التوتر المتصاعد في العراق
تأتي هذه التطورات في سياق تصاعد التوترات في العراق والمنطقة، خصوصًا بعد اندلاع مواجهات مرتبطة بالصراع مع إيران منذ فبراير/شباط الماضي، حيث شهدت البلاد سلسلة هجمات استهدفت قواعد عسكرية ومواقع استراتيجية.
وتضم قوات الحشد الشعبي فصائل شبه عسكرية، معظمها ذات غالبية شيعية، وقد تم دمجها رسميًا ضمن المنظومة الأمنية العراقية، إلا أن العديد من هذه الفصائل ترتبط بعلاقات وثيقة مع إيران، ما يجعلها جزءًا من معادلة الصراع الإقليمي.
في المقابل، تُعد قوات البشمركة القوة العسكرية الرئيسية لإقليم كردستان، وتلعب دورًا مهمًا في حفظ الأمن في شمال العراق، ما يجعل استهدافها مؤشرًا خطيرًا على اتساع رقعة النزاع.
مخاوف من انفجار أمني شامل
يرى مراقبون أن تزامن هذه الهجمات في مناطق مختلفة من العراق، واستهدافها لقوى عسكرية رئيسية، قد يشير إلى مرحلة جديدة من التصعيد، خصوصًا في ظل استمرار التوتر بين الولايات المتحدة وإيران على الأراضي العراقية.
كما أن استهداف مواقع قيادية واجتماعات أمنية يرفع من مستوى الخطورة، ويهدد بإحداث فراغ أمني قد تستغله جماعات مسلحة أخرى.
في ظل هذه التطورات المتسارعة، يقف العراق أمام تحديات أمنية معقدة، حيث تتداخل الصراعات الداخلية مع التوترات الإقليمية، ما يزيد من صعوبة احتواء التصعيد. ومع غياب موقف دولي واضح، تبقى المخاوف قائمة من أن تتحول هذه الأحداث إلى شرارة لمواجهة أوسع قد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من الحدود العراقية.

إعداد وتحرير: M. Alhussein