تشهد مناطق شمال شرق سوريا، ولا سيما محافظة الحسكة ومدينة (عين العرب)، تطورات لافتة في إطار مساعٍ لإعادة تنظيم الإدارة المحلية والعسكرية بين الحكومة السورية (قسد)، وذلك عقب تفاهمات غير معلنة بشكل رسمي حتى الآن، لكنها بدأت تنعكس على شكل توزيع أولي للمناصب في المنطقة.
وبحسب معطيات متداولة من مصادر محلية، فقد تم التوصل إلى صيغة مبدئية لتقاسم بعض المواقع الإدارية والعسكرية، في خطوة يُنظر إليها على أنها جزء من مسار أوسع لإعادة دمج الهياكل الأمنية والإدارية في تلك المناطق ضمن مؤسسات الدولة السورية، مع الحفاظ على نوع من الشراكة المحلية.
توزيع أولي للمناصب
تشير المعلومات إلى أن الحكومة السورية (دمشق) حصلت على عدد من المواقع ذات الطابع السيادي أو المرتبط بالبنية الأمنية والعسكرية، من أبرزها:
- قيادة الفرقة 60، وهي التشكيل العسكري الأبرز في محافظة الحسكة.
- إدارة الأمن الداخلي في المحافظة.
- مديرية الزراعة في الحسكة.
- إدارة منطقة كوباني.
في المقابل، حصلت “قسد” على مواقع إدارية وتنفيذية داخل المحافظة، من بينها:
- منصب محافظ الحسكة.
- موقع معاون وزير الدفاع لشؤون المنطقة الشرقية.
- قيادة ثلاثة ألوية عسكرية ضمن هيكلية الترتيب الجديد.
- إدارة مديرية التربية في الحسكة، حيث تم تكليف عدنان محمد البري بتسيير الأعمال، دون صدور قرار تعيين رسمي حتى الآن.
ملفات عالقة وحساسة
ورغم هذا التوزيع الأولي، لا تزال هناك ملفات رئيسية لم تُحسم بعد، وتُعد من أبرز نقاط الخلاف أو التفاوض بين الطرفين، نظرًا لأهميتها الاقتصادية والسيادية. ومن أبرز هذه الملفات:
- إدارة حقول النفط في رميلان، والتي تُعد من أهم الموارد الاقتصادية في المنطقة.
- دائرة السجل المدني (النفوس)، لما لها من تأثير مباشر على البنية الديموغرافية والإدارية.
- المؤسسة العامة للحبوب، المرتبطة بالأمن الغذائي.
- المصالح العقارية (الطابو)، وما يرتبط بها من قضايا ملكية ونزاعات محتملة.
- إدارة معبر سيمالكا الحدودي مع إقليم كردستان العراق.
- الجهاز القضائي وآلية الإشراف عليه.
دلالات وتحديات
يرى مراقبون أن هذه الترتيبات، في حال تثبيتها رسميًا، قد تمثل خطوة نحو إعادة بسط نفوذ الدولة السورية بشكل تدريجي في مناطق كانت خارجة عن سيطرتها المباشرة منذ سنوات، مع الحفاظ على دور محلي لقوات “قسد” ضمن صيغة توافقية.
لكن في المقابل، تبرز تحديات كبيرة أمام هذا المسار، أبرزها:
- غياب إعلان رسمي واضح من الطرفين يحدد طبيعة الاتفاق وحدوده.
- حساسية الملفات الاقتصادية، خاصة النفط والحبوب، التي تشكل مصدر تمويل رئيسي.
- التباينات السياسية والعسكرية بين الطرفين، إضافة إلى تأثير القوى الدولية الموجودة في المنطقة.
- مخاوف محلية لدى بعض السكان من كيفية إدارة الملفات الحساسة مثل السجل المدني والعقارات، في ظل تجارب سابقة مع تعدد السلطات.
بين التفاهم المؤقت والتسوية طويلة الأمد
حتى الآن، تبدو هذه الترتيبات أقرب إلى تفاهمات مرحلية أو إجراءات ميدانية، أكثر من كونها اتفاقًا نهائيًا شاملًا. ويُرجّح أن تبقى الملفات العالقة محورًا أساسيًا لأي مفاوضات قادمة، خاصة مع ارتباطها المباشر بالسيادة والموارد.
في ظل ذلك، يبقى مستقبل هذا التقارب مرهونًا بمدى قدرة الطرفين على تجاوز الخلافات، والتوصل إلى صيغة مستقرة تضمن إدارة فعالة للمنطقة، وتحظى بقبول محلي ودولي.
التطورات الجارية في شمال شرق سوريا تعكس تحولات تدريجية في موازين الإدارة والنفوذ، لكنها لا تزال في مرحلة حساسة، حيث تلعب الملفات غير المحسومة دورًا حاسمًا في تحديد اتجاه المرحلة المقبلة، سواء نحو تثبيت الشراكة أو العودة إلى التوتر.