الشركة السورية للبترول وملف الـ110 ملايين دولار.. ماذا حدث؟ وماذا يعني بيان الشركة؟…….. تحقيقات وتدقيق وعقود أثارت الجدل.. الشركة تقول إن الرقم «تقدير لضرر محتمل» وليس اختلاساً مثبتاً، بينما تبقى أسئلة العقود والإنفاق والحجز الاحتياطي مفتوحة

 

دمشق – BAZ News

تصاعد خلال الأيام الماضية الجدل حول أداء الشركة السورية للبترول وعدد من عقودها، بعد تقارير صحفية تحدثت عن أضرار مالية تتجاوز 110 ملايين دولار، وإجراءات حجز احتياطي طالت، بحسب تقارير إعلامية، شركات وأشخاصاً مرتبطين بملفات في قطاع النفط.

لكن بياناً توضيحياً أصدرته الشركة السورية للبترول في 26 أيلول/سبتمبر أعاد رسم صورة القضية؛ إذ نفت الشركة أن يكون مبلغ 110 ملايين دولار اختلاساً مثبتاً، وقالت إنه يمثل تقديراً أولياً لضرر محتمل ضمن ملفات لا تزال قيد التحقيق والتدقيق.

وفي الوقت نفسه، لم تنف الشركة وجود التحقيقات أو التدقيق في العقود، بل أكدت تعاونها مع الجهات الرقابية، كما نفت ما أُثير عن توقيف رئيسها التنفيذي يوسف قبلاوي أو إحالته للتحقيق. 

ماذا نعرف حتى الآن؟

الخلاصة الأساسية هي أن هناك ملفات وعقوداً تخضع للتدقيق والتحقيق بالفعل، لكن لا توجد، وفق ما أعلنته الشركة، نتائج نهائية تثبت أن مبلغ 110 ملايين دولار يمثل أموالاً اختُلست فعلياً.

وهذا يضع القضية في منطقة وسطى بين روايتين:

تقارير صحفية تتحدث عن أضرار مالية وحجز احتياطي، وشركة سورية للبترول تقول إن الرقم مجرد تقدير أولي لضرر محتمل لم يُحسم بعد.

وبالتالي، فإن القضية لم تُغلق، لكنها أيضاً لم تُحسم باعتبارها قضية اختلاس بقيمة 110 ملايين دولار.

من أين جاء رقم 110 ملايين دولار؟

ظهر الرقم في تقارير صحفية خلال 24 و25 أيلول/سبتمبر، وتحدثت تلك التقارير عن تقرير للهيئة المركزية للرقابة والتفتيش وإجراءات حجز احتياطي مرتبطة بعدد من الشركات والأشخاص في القطاع النفطي.

ووفق التقرير الذي نشرته «زمان الوصل»، توزعت الأضرار المقدرة على عدد من الشركات، بينها:

  • فولكون للخدمات اللوجستية: نحو 93 مليون دولار.
  • ستار بيرتوفا للطاقة: نحو 9.5 ملايين دولار.
  • تعزيز للخدمات البترولية: نحو 7 ملايين دولار.

أي أن مجموع الأرقام المتداولة يقترب من 109.5 ملايين دولار. 

لكن بيان الشركة السورية للبترول قدم تفسيراً مختلفاً لطبيعة هذا الرقم.

فبحسب الشركة، الرقم لا يمثل قيمة الأموال التي ثبت اختلاسها، ولا قيمة العقود محل التحقيق، وإنما هو تقدير أولي للضرر في ملفات لم تنتهِ التحقيقات بشأنها. 

ماذا يعني ذلك عملياً؟

يعني أن عبارة:

«اختلاس 110 ملايين دولار»

لا تعكس، وفق بيان الشركة، الوضع القانوني النهائي للملف.

والصياغة الأدق بناءً على المعلومات المتاحة حالياً هي:

«تقدير أولي لضرر محتمل بنحو 110 ملايين دولار في ملفات قيد التحقيق».

والفرق بين التعبيرين كبير.

فـ«الاختلاس» يتطلب إثباتاً ومسؤولية محددة، بينما «الضرر المحتمل» هو تقدير يمكن أن يتغير بعد مراجعة العقود والمستندات والدفعات والتكاليف الفعلية.

لكن الشركة لم تنفِ وجود التحقيقات

وهنا تكمن النقطة الأهم في بيان الشركة.

فالشركة لم تقل إن ملف العقود انتهى أو إن جميع الإجراءات كانت سليمة ولا تحتاج إلى تدقيق.

بل أكدت أن هناك ملفات قيد التحقيق والتدقيق، وأنها تتعاون مع الجهات الرقابية.

وكان الرئيس التنفيذي يوسف قبلاوي قد أعلن في أغسطس/آب إحالة عدد من المسؤولين في حقول الشركة بمحافظة دير الزور بعد نتائج رقابية، وقال حينها إن الشركة لن تتهاون مع أي تجاوز يمس المال العام. 

إذن، وجود الرقابة والتحقيقات أمر تؤكده الشركة نفسها، بينما الخلاف الأساسي يتعلق بما وصلت إليه هذه التحقيقات، وما إذا كانت الأرقام المتداولة تمثل خسائر نهائية ومسؤوليات مثبتة أم مجرد تقديرات أولية.

READ  من واشنطن إلى كييف.. أول شحنة مساعدات بمجال الطاقة

ماذا عن العقود التي أثارت الشبهات؟

كانت التقارير السابقة قد أثارت أسئلة حول عدد من العقود، خصوصاً ما يتعلق بطريقة التعاقد والأسعار والإنفاق.

وفي تقرير سابق لـ BAZ News، نُقلت اتهامات وأسئلة طرحها الصحفي والموظف السابق في قطاع النفط محمد البيوش بشأن عقود نقل النفط، وعقد «التعزيز»، وآليات إبرام بعض العقود، إضافة إلى ملفات أخرى داخل الشركة. 

لكن بيان الشركة يقدم رواية مختلفة بشأن آليات التعاقد.

فالشركة تقول إن بعض العقود أُبرمت في ظروف استثنائية فرضتها الحاجة إلى حماية المنشآت النفطية في المنطقة الشرقية وتأمين استمرار العمل.

كما تؤكد أن عقوداً أخرى أُبرمت من خلال طلب عروض ومنافسة بين جهات متقدمة ودراسة العروض فنياً ومالياً. 

هل العقد بالتراضي يعني فساداً؟

لا.

مجرد كون العقد أُبرم بالتراضي لا يثبت وحده وجود فساد.

المسألة الأساسية هي: هل استوفى التعاقد شروطه القانونية؟

وهنا يصبح السؤال أكثر أهمية في العقود التي تبلغ قيمتها ملايين الدولارات.

فإذا كان هناك عقد بالتراضي، فإن معرفة سبب اللجوء إليه، والأساس القانوني، والظروف التي أحاطت به، والأسعار التي عرضت، وطريقة اختيار المتعاقد، هي التي تسمح بتقييم سلامة القرار.

أما إذا كان العقد قد مر عبر منافسة، فإن المستندات التي تحسم الأمر هي عروض الشركات ومحاضر التقييم وقرار الترسية والعقد النهائي.

وماذا عن تكاليف نقل النفط؟

من أبرز الملفات التي تناولتها تقارير BAZ News السابقة ادعاء بارتفاع تكلفة نقل النفط الخام من نحو 1700 دولار للصهريج إلى 5700 دولار.

وتحدث التقرير عن فارق يبلغ نحو 4000 دولار للصهريج، مستنداً إلى معلومات نشرها محمد البيوش. 

لكن هذه الأرقام، بحد ذاتها، لا تثبت وجود خسارة أو فساد.

فإثبات ذلك يحتاج إلى مقارنة العقود السابقة واللاحقة، والمسافات، وكميات النقل، وسعة الصهاريج، وتكاليف الوقود والتأمين والتحميل والتفريغ وغيرها.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط:

لماذا ارتفع السعر؟

بل:

ما الذي تغير في شروط النقل حتى أصبح السعر الجديد بهذا المستوى؟

وماذا عن «عقد التعزيز»؟

أثار تقرير BAZ News السابق أيضاً أسئلة حول ما عرف بـ«عقد التعزيز»، وتحدثت المعلومات المنشورة عن فارق كبير بين تقديرات أولية وقيمة العقد.

لكن الفارق بين تقدير أولي وقيمة نهائية لا يثبت وحده وجود مخالفة.

فقد تتغير قيمة المشروع بسبب نطاق الأعمال، أو المواصفات، أو الظروف التشغيلية، أو أوامر التغيير، أو أعمال إضافية.

والوثيقة التي تحسم المسألة هي ملف العقد نفسه: التقدير الأولي، دفتر الشروط، العروض، محاضر اللجان، قرار الترسية، العقد النهائي وأوامر التغيير.

ماذا عن الحجز الاحتياطي؟

هنا توجد نقطة منفصلة عن بيان الشركة.

فالتقرير الذي نشرته «زمان الوصل» تحدث عن قرارات حجز احتياطي بحق أموال وشركات وأشخاص مرتبطين بالملف، وربط الإجراءات بتقرير رقابي. 

كما نشرت BAZ News تقريراً عن هذه المعلومات. 

لكن بيان الشركة السورية للبترول الأخير لم يكن، بحسب النص المتاح، بياناً تفصيلياً حول كل قرار حجز وأسماء الأشخاص المشمولين به، وإنما ركز على طبيعة الرقم المالي والعقود والتحقيقات ونفي توقيف الرئيس التنفيذي.

وبالتالي تبقى تفاصيل الحجز الاحتياطي بحاجة إلى الوثائق الرسمية الكاملة لتحديد نطاقه وأسبابه والأشخاص والشركات المشمولة به.

READ  مفوض الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين يدعو إلى تحرك حازم لضمان سلامة العائدين ودعم استقرار العودة إلى سوريا في ظل التحديات الإنسانية المتفاقمة

ماذا عن يوسف قبلاوي؟

نفت الشركة السورية للبترول بشكل واضح ما تم تداوله عن توقيف يوسف قبلاوي أو إحالته للتحقيق في هذا الملف. 

وهذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها تداول خبر مشابه.

ففي يوليو/تموز 2026، تحقق «True Platform» من ادعاء سابق حول إحالة قبلاوي إلى التحقيق بسبب صفقة محروقات، وخلص إلى أن الادعاء مفبرك، مع نفي من إدارة الإعلام في الشركة السورية للبترول. 

لذلك لا يوجد في المصادر التي أمكن التحقق منها ما يثبت توقيف قبلاوي في إطار ملف الـ110 ملايين دولار.

أين تقف التقارير السابقة بعد بيان الشركة؟

التقارير السابقة لم تعد تعني تلقائياً أن «110 ملايين دولار اختُلست»، كما أن بيان الشركة لا يعني تلقائياً أن كل ما أثير حول العقود غير صحيح.

الصورة الحالية هي:

هناك تحقيقات.

هناك عقود تخضع للتدقيق.

هناك تقدير مالي أولي للضرر يبلغ نحو 110 ملايين دولار بحسب بيان الشركة.

هناك تقارير صحفية تحدثت عن إجراءات حجز احتياطي.

الشركة تنفي أن يكون مبلغ 110 ملايين دولار اختلاساً مثبتاً.

الشركة تنفي توقيف رئيسها التنفيذي أو إحالته للتحقيق.

والنتائج النهائية للمسؤولية والضرر لم تُعلن، وفق ما تؤكده الشركة. 

ماذا ينتظر الشارع السوري الآن؟

بعد كل ما أثير، لم يعد السؤال الأساسي هو:

هل هناك 110 ملايين دولار؟

بل:

كيف تم احتساب الرقم؟

وما العقود والعمليات التي دخلت في احتساب هذا الضرر؟

هل الضرر فعلي أم تقديري؟

وما القيمة التي ستصل إليها الجهات الرقابية بعد انتهاء التحقيق؟

هل توجد مخالفات في العقود؟

وإذا كانت موجودة، فمن المسؤول عنها وما طبيعتها؟

هل كانت العقود بالتراضي أم بالمنافسة؟

وما الأساس القانوني لكل عقد؟

ماذا عن الحجز الاحتياطي؟

ما القرار الذي صدر؟ ومن شمله؟ وما الأسباب القانونية التي استند إليها؟

ومتى تصدر النتائج النهائية؟

هذه الأسئلة هي التي يمكن أن تحسم الجدل، وليس تبادل الاتهامات أو النفي.

الخلاصة

ملف الشركة السورية للبترول لم يُغلق، لكنه أيضاً لم يُحسم باعتباره عملية اختلاس بقيمة 110 ملايين دولار.

الرقم المتداول، وفق بيان الشركة، هو تقدير أولي لضرر محتمل ضمن ملفات تخضع للتحقيق والتدقيق، وليس مبلغاً ثبت اختلاسه.

وفي الوقت نفسه، فإن وجود تحقيقات وملفات عقود تخضع للتدقيق أمر تؤكده الشركة نفسها.

أما التقارير التي تحدثت عن حجز احتياطي وأضرار مالية وأسماء وشركات محددة، فهي تحتاج إلى الوثائق الرسمية الكاملة حتى يمكن تحديد ما ثبت منها وما يزال في إطار المعلومات المنقولة.

وبذلك، فإن النتيجة الحالية ليست تبرئة ولا إدانة.

النتيجة هي أن هناك ملفاً رقابياً مفتوحاً يتعلق بعقود وإنفاق وأضرار مالية محتملة في قطاع النفط، وأن الشركة السورية للبترول تقول إن التحقيق لم يصل بعد إلى نتائج نهائية.

ويبقى السؤال الأهم:

هل ستكشف نتائج التحقيقات والوثائق النهائية حقيقة الـ110 ملايين دولار، وتحدد ما إذا كان هناك ضرر فعلي، ومن تسبب به، وما المسؤولية القانونية المترتبة عليه؟

حتى صدور تلك النتائج، يبقى الرقم تقديراً قيد التحقيق، والاتهامات اتهامات، والمسؤولية النهائية لم تُحسم.

بيان الشركة السورية للبترول كما تناولته منصة تأكد⁠
تقرير BAZ News السابق حول العقود والإنفاق والرقابة⁠
تقرير BAZ News حول الحجز الاحتياطي⁠


📰 أخبار ذات صلة

تابع آخر الأخبار على Baznews

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.