كشفت بيانات حكومية تايوانية حصلت عليها منصة Rest of World أن السلطات في تايوان فتحت خلال السنوات الست الماضية 166 قضية تتعلق بشركات يُشتبه في إخفائها صلاتها بالصين، في إطار محاولات قالت السلطات إنها استهدفت توظيف مهندسي أشباه الموصلات والوصول إلى تقنيات حساسة.
وبحسب التحقيق الذي نشرته المنصة في 2 سبتمبر/أيلول 2026، أنهت السلطات التايوانية أيضًا 67 تحقيقًا مرتبطًا بأسرار تجارية في قطاع التكنولوجيا خلال الفترة نفسها، فيما لا تزال عمليات التحقيق والمداهمة مستمرة.
وتأتي هذه الإجراءات في وقت تحاول فيه تايوان حماية قطاع أشباه الموصلات الذي يمثل أحد أهم عناصر قوتها الاقتصادية والاستراتيجية، وسط تصاعد التنافس التكنولوجي بين الصين والولايات المتحدة.
شركات صينية بواجهات أجنبية
يستند التحقيق إلى بيانات من مكتب التحقيقات التابع لوزارة العدل التايوانية (MJIB)، إضافة إلى مراجعة سجلات قضائية ومقابلات مع مهندسين وخبراء ومحامين ومسؤولين في قطاع أشباه الموصلات.
وتشير النتائج إلى أن بعض الشركات الصينية اتُهمت باستخدام شركات مسجلة في تايوان أو كيانات أجنبية لإخفاء علاقاتها بالصين، ثم توظيف مهندسين تايوانيين والاستفادة من خبراتهم في تصميم الرقائق والتقنيات المتقدمة.
ومن بين الأساليب التي أشار إليها التحقيق تسجيل شركات بأسماء أجنبية أو استخدام مواطنين من دول أخرى كممثلين قانونيين، رغم أن التمويل أو النشاط التشغيلي، وفق اتهامات السلطات، كان مرتبطًا بالصين.
وفي إحدى الحالات، عمل مهندس تايواني لدى شركة اعتقد أنها أمريكية، قبل أن يكتشف أن غالبية زملائه ومشرفيه كانوا يعملون من الصين وأنه كان يشارك معهم في تطوير تصاميم ورموز هندسية مرتبطة بالرقائق.
داهمت السلطات الشركة في أغسطس/آب 2021، واتهمتها بالعمل في تايوان مع إخفاء ملكيتها الصينية.
36 قضية انتهت بالإدانة
راجعت Rest of World سجلات قضائية متاحة للعامة في 36 من التحقيقات التي أعلنت عنها السلطات التايوانية، وخلصت إلى أن جميع هذه القضايا انتهت بإدانات مرتبطة بمخالفة قوانين الاستثمار عبر مضيق تايوان.
وكانت 33 قضية منها مرتبطة بشركات تعمل في البحث والتطوير أو تصميم الرقائق.
ولا تمثل هذه الأرقام جميع القضايا التي وصلت إلى المحاكم، إذ لا تصبح بعض الملفات متاحة للعامة إلا بعد صدور الأحكام القضائية.
كما قالت السلطات إنها حققت في 67 قضية تتعلق بأسرار تجارية في قطاع التكنولوجيا خلال السنوات الست الماضية.
وتسمح القوانين التايوانية بملاحقة الحالات التي تتضمن نقلًا غير مصرح به لتقنيات مصنفة باعتبارها «تقنيات حرجة»، ويمكن أن تصل العقوبات في بعض هذه القضايا إلى 12 عامًا من السجن وغرامة قدرها 100 مليون دولار تايواني جديد، أي نحو 3.1 ملايين دولار أمريكي.
من الرقائق إلى الذكاء الاصطناعي
لا تقتصر المخاوف التايوانية على صناعة الرقائق التقليدية، إذ شملت القضايا التي تابعها مكتب المدعي العام في مدينة هسينتشو، مركز صناعة التكنولوجيا التايوانية، مجالات مثل تصميم الرقائق، معدات أشباه الموصلات، خوادم الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة.
وقالت السلطات إن حماية الملكية الفكرية والخبرات التقنية أصبحت جزءًا أساسيًا من استراتيجية الأمن القومي التايوانية.
وتحتل تايوان موقعًا محوريًا في صناعة أشباه الموصلات العالمية، إذ تنتج أكثر من 60% من أشباه الموصلات في العالم ونحو 90% من الرقائق الأكثر تقدمًا، وفق البيانات التي أوردها التحقيق.
وتضم الجزيرة شركات عملاقة مثل TSMC، إلى جانب شركات رئيسية أخرى في تصميم وتصنيع الرقائق.
تشديد القوانين
بدأت تايوان في عام 2020 عملية واسعة لملاحقة الاستثمارات المرتبطة بالصين في قطاع التكنولوجيا، مع تخصيص جميع محققي مكتب التحقيقات، وعددهم نحو 2000 محقق، للمشاركة في العملية في بدايتها.
وفي عام 2022، شددت تايوان قوانينها المتعلقة بالعلاقات عبر المضيق والأمن القومي، ورفعت العقوبات الموصى بها على بعض المخالفات، في محاولة لحماية ما تصفه بـ«التقنيات الحرجة».
وبحسب البيانات التي نقلتها المنصة، بلغ نشاط المداهمات ذروته في عام 2021، عندما داهمت السلطات 100 شركة خلال السنة الأولى الكاملة للحملة.
وفي 5 أغسطس/آب 2026، أعلنت السلطات التايوانية مداهمة 18 شركة تكنولوجية أخرى، بعد عمليات نفذت بين 13 يوليو/تموز و4 أغسطس/آب.
الصين ترفض الاتهامات
من جانبها، انتقدت بكين التحقيقات التايوانية ووصفتها بأنها ذات دوافع سياسية.
وفي عام 2022، اتهم مكتب شؤون تايوان التابع للحكومة الصينية الحزب الحاكم في تايوان بـ«تشويه سمعة» الشركات الصينية وترهيبها، معتبرًا أن المداهمات تهدف إلى عرقلة التعاون التجاري.
كما يشير التحقيق إلى أن بعض الخبراء يرون أن توسع الشركات الصينية في الخارج لا يرتبط بالضرورة دائمًا بالتجسس أو الاعتبارات الجيوسياسية، بل قد يكون جزءًا من سعي الشركات إلى بناء قدراتها والوصول إلى الأسواق والخبرات العالمية.
وقالت خبيرة في صناعة أشباه الموصلات إن الشركات الصينية، مثل نظيراتها الغربية والتايوانية، كانت تستخدم منذ سنوات عمليات التوظيف والاستثمار خارج البلاد لأسباب تجارية، لكنها أقرت في الوقت نفسه بأن القيود القانونية الجديدة جعلت هذه الأنشطة أكثر حساسية.
«درع السيليكون» في مواجهة الصين
ترتبط حماية صناعة الرقائق في تايوان بمفهوم يُعرف باسم «درع السيليكون»، ومفاده أن الدور المحوري للجزيرة في الاقتصاد العالمي، ولا سيما في إنتاج الرقائق المتقدمة، يجعل أي تهديد عسكري أو سياسي ضدها ذا تكلفة هائلة على الولايات المتحدة وحلفائها.
لكن هذا الدور الاستراتيجي يجعل الصناعة نفسها هدفًا رئيسيًا في المنافسة بين بكين وتايبيه وواشنطن.
وقد ضخت الصين مليارات الدولارات في تطوير صناعة أشباه الموصلات المحلية، خصوصًا بعد القيود الأمريكية المفروضة على وصول الشركات الصينية إلى التقنيات والرقائق المتقدمة.
وفي الوقت نفسه، تشير تقديرات نقلها التحقيق إلى أن الصين لا تزال متأخرة عن شركة TSMC التايوانية في بعض أكثر تقنيات تصنيع الرقائق تقدمًا بفارق يقدّر بين ثلاث وعشر سنوات.
سباق على التكنولوجيا الأكثر حساسية
لا تبدو المواجهة بين الصين وتايوان محصورة في السيطرة على المصانع، بل تمتد إلى المهندسين والخبرات والملكية الفكرية التي تشكل أساس صناعة الرقائق والذكاء الاصطناعي.
وتظهر القضايا التي جمعتها السلطات التايوانية أن المنافسة على هذه الموارد البشرية والتقنية أصبحت جزءًا من الصراع الأوسع على مستقبل التكنولوجيا العالمية.
وبينما تقول تايوان إن إجراءاتها ضرورية لحماية الأمن القومي والتقنيات الحساسة، تواجه الشركات والأفراد المتهمون تحديات قانونية لإثبات أنهم لم يكونوا على علم بالمصدر الحقيقي لاستثمارات شركاتهم.
ويخلص التحقيق إلى أن الوعي داخل المجتمع التايواني بالمخاطر المرتبطة بالاستثمارات الصينية ازداد بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة، فيما أصبح بعض المهندسين أكثر حذرًا عند قبول عروض العمل في الشركات الناشئة أو الشركات التي يصعب التحقق من مصادر تمويلها.
المصدر: Rest of World، تحقيق Kinling Lo المنشور في 2 سبتمبر/أيلول 2026. (Rest of World)