الحروب التي لا تُرى.. كيف تُستهدف العقول قبل الحدود؟
التخريب الأيديولوجي وحروب الإدراك.. بين الوقائع التاريخية والنظريات المتداول
سوريا| BAZ News
> “قد تُدمر الدبابات مدينة، لكن الأفكار الموجهة قد تُغيّر أمة بأكملها.”
عندما يتحدث الناس عن الحروب، فإن أول ما يتبادر إلى أذهانهم هو الصواريخ والطائرات والجيوش. غير أن خبراء الأمن والدراسات الاستراتيجية يؤكدون أن القرن الحادي والعشرين شهد انتقالاً متزايداً نحو نوع آخر من الصراع، يعتمد على التأثير في الإدراك والوعي والمعلومات أكثر من اعتماده على القوة العسكرية المباشرة.
هذا النوع من الصراع يُعرف في الأدبيات الحديثة بمصطلحات مثل حروب المعلومات، والعمليات النفسية، والتأثير الاستراتيجي، والحرب الإدراكية (Cognitive Warfare)، وهي أدوات تستخدمها دول وجهات مختلفة للتأثير في المجتمعات والرأي العام.
من أين جاءت نظرية “التخريب الأيديولوجي”؟
انتشرت هذه الفكرة عالمياً بعد مقابلات أجراها المنشق السوفيتي السابق يوري بيزمينوف (Yuri Bezmenov) خلال ثمانينيات القرن الماضي، حيث تحدث عن ما سماه “التخريب الأيديولوجي” أو “الإجراءات النشطة” التي كانت تُستخدم خلال الحرب الباردة.
وبيزمينوف قال إن النشاط الاستخباراتي لا يقتصر على التجسس، بل يشمل عمليات طويلة المدى تستهدف تغيير طريقة تفكير المجتمع وإدراكه للواقع. كما ذكر أن “85% من الجهد يذهب إلى التخريب الأيديولوجي مقابل 15% للتجسس”.
لكن من المهم التنويه إلى أن هذه النسبة تمثل رأي بيزمينوف الشخصي ولم تُثبت بوثائق رسمية منشورة، كما شكك بعض الباحثين في دقتها التاريخية.
المرحلة الأولى: إضعاف المناعة الفكرية
بحسب بيزمينوف، تبدأ العملية بما سماه “إضعاف البنية الأخلاقية والفكرية”، وهي مرحلة قد تستغرق جيلاً كاملاً.
ويتم خلالها التأثير على:
التعليم.
الإعلام.
الثقافة.
الخطاب العام.
منظومة القيم.
والهدف ليس إقناع المجتمع بفكرة واحدة، بل إرباك قدرته على التمييز بين الصحيح والخاطئ، حتى تصبح الحقيقة نفسها محل خلاف دائم.
المرحلة الثانية: زعزعة الاستقرار
بعدها تنتقل العملية – وفق هذه النظرية – إلى استهداف ركائز الدولة الأساسية، مثل:
الاقتصاد.
المؤسسات.
العلاقات الخارجية.
الأمن.
الثقة بين المجتمع والدولة.
وتصبح الانقسامات الداخلية أكثر حدة، بينما تتراجع الثقة بالمؤسسات الرسمية.
المرحلة الثالثة: صناعة الأزمة
عندما تصبح مؤسسات الدولة ضعيفة والثقة مهزوزة، فإن أي أزمة سياسية أو اقتصادية أو أمنية قد تتحول إلى صدمة عامة.
في هذه المرحلة تنتشر:
الإشاعات.
الأخبار الكاذبة.
حملات التحريض.
الاستقطاب الحاد.
الفوضى المعلوماتية.
وقد أثبتت دراسات حديثة أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت إحدى أهم ساحات التأثير في مثل هذه العمليات.
المرحلة الرابعة: فرض واقع جديد
يرى بيزمينوف أن المجتمع بعد الأزمة يصبح أكثر استعداداً لقبول حلول لم يكن ليقبلها سابقاً، بسبب الإرهاق والانقسام وفقدان الثقة.
وهذه الفكرة تُعرف أيضاً في بعض الأدبيات السياسية باسم “استغلال الأزمات” لإعادة تشكيل البيئة السياسية والاجتماعية.
هل أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي ساحة الحرب الجديدة؟
تشير أبحاث عديدة إلى أن منصات التواصل أصبحت اليوم إحدى أهم أدوات التأثير العالمية.
فالخوارزميات تكافئ المحتوى الأكثر إثارة، وليس الأكثر دقة.
ولهذا تنتشر:
الأخبار الكاذبة.
نظريات المؤامرة.
حملات الكراهية.
الحسابات الوهمية.
التضليل المنظم.
وقد وثقت دراسات أكاديمية عمليات تأثير رقمية واسعة خلال أحداث سياسية وانتخابية في عدة دول.
صناعة التفاهة… هل هي أداة أم نتيجة؟
يذهب بعض الباحثين إلى أن إغراق الجمهور بالمحتوى السطحي يضعف الاهتمام بالقضايا الجوهرية.
فكلما انشغل المجتمع بصراعات يومية وترندات عابرة، تراجعت مساحة النقاش حول:
التعليم.
الاقتصاد.
الأمن.
البحث العلمي.
التنمية.
لكن في المقابل، لا يوجد دليل قاطع على أن جميع الظواهر الثقافية أو الترفيهية هي جزء من خطة منظمة؛ فكثير منها يرتبط أيضاً بطبيعة اقتصاد المنصات الرقمية وسلوك المستخدمين.
كيف تحمي الدول نفسها؟
لم تعد الحماية تعتمد فقط على الجيش والأجهزة الأمنية، بل تشمل أيضاً:
تعليم التفكير النقدي.
مكافحة الأخبار المضللة.
دعم الإعلام المهني.
تعزيز الثقة بالمؤسسات.
رفع الوعي الرقمي.
تشجيع الحوار المجتمعي.
الحروب الحديثة لم تعد تُقاس بعدد الدبابات والطائرات فقط، بل أصبحت تُخاض أيضاً داخل فضاء المعلومات والعقول. غير أن من المهم التمييز بين الوقائع الموثقة المتعلقة بعمليات التأثير والدعاية، وبين النظريات أو التقديرات التي لم تثبتها وثائق رسمية.
فالوعي، والتعليم، والإعلام المهني، والقدرة على التحقق من المعلومات، تبقى خط الدفاع الأول أمام أي محاولة للتلاعب بإدراك المجتمعات أو تعميق الانقسامات الداخلية.
اعداد وتحرير: Mohamad Alhussein