تقع دول الخليج في مآزق تتعرض يوميا لانفجارات وخسائر
ماذا تفعل الدول الخليجيه؟
أعقد القضايا السياسية والعسكرية في المنطقة، والإجابة عليه تعتمد على السياق و الجهة التي تُقيّم الفعل
1. المنظور الشعبي والعربي (القومي والإسلامي)
في حال حدوث ضربة خليجية لإيران، سينقسم الشارع العربي والإسلامي إلى تيارين:
تيار يراها خيانة:
سيجادل هذا الطرف بأن أي استهداف لدولة مسلمة (إيران) في وقت تتعرض فيه غزة والقدس لعدوان إسرائيلي هو خدمة مجانية للمشروع الصهيوني والأمريكي. هؤلاء سيربطون الضربة مباشرة بتنسيق مع واشنطن وتل أبيب لتصفية خصوم إسرائيل في المنطقة.
تيار يراها دفاعاً عن النفس:
هذا الطرف سيرى أن إيران هي من بدأت بتهديد الأمن القومي العربي (في اليمن، العراق، لبنان، وسوريا)، وأن الضربة هي رد فعل على تغول النفوذ الإيراني، وليست مساندة لإسرائيل بل حماية للسيادة العربية.
2. المنظور السياسي (المصالح والتحالفات)
واقعياً، من الصعب جداً عسكرياً ولوجستياً أن تقوم دول الخليج بضربة شاملة لإيران دون:
تنسيق استخباراتي وعسكري مع أمريكا:
نظراً لوجود القواعد الأمريكية في المنطقة والاعتماد على السلاح الأمريكي.
فتح الأجواء: مما يجعل التهمة بالتعاون مع المحور الغربي-الإسرائيلي” جاهزة سياسياً وإعلامياً، سواء كان الهدف الخليجي نبيلاً (دفاعاً عن النفس) أم لا.
3. كيف ستستغل إسرائيل وأمريكا هذا الموقف؟
هذا هو الفخ السياسي؛ فإسرائيل وأمريكا ستحاولان تصوير أي صراع خليجي-إيراني على أنه:
شرعنة لتحالفهما: سيقولون للعالم انظروا، حتى العرب يضربون إيران، إذاً عدونا واحد.
إزاحة الأنظار عن غزة:
أي حرب إقليمية كبرى ستجعل مأساة فلسطين خبراً ثانوياً في الإعلام العالمي، وهو ما يخدم الأجندة الإسرائيلية تماماً.
4. هل الخليج مسانِد أم مُجبَر؟
هناك فرق بين المساندة وبين تقاطع المصالح.
دول الخليج تاريخياً تحاول تجنب الحرب المباشرة مع إيران لأنها ستدفع الثمن الأكبر (تدمير البنية التحتية والنفطية).
إذا رُدّت الضربة، فسيكون ذلك غالباً نتيجة استفزاز إيراني مباشر أو تهديد وجودي، وليس حباً في إسرائيل. لكن في لغة السياسة الدولية، عدو عدوي هو صديقي، وهذا ما يجعل التمييز بين الدفاع عن النفس وبين التعاون مع أمريكا أمراً صعباً جداً في أعين المراقبين.
لو حدثت هذه الضربة، ستتهم دول الخليج فوراً بـالتواطؤ من قِبل حلفاء إيران ومن قطاع واسع من الشعوب التي ترى إسرائيل هي العدو الأول.
أما الحكومات الغربية، فستعتبرها خطوة شجاعة لتأمين الاستقرار
الحقيقة ستكون ضائعة بين: حاجة الخليج لحماية حدوده وبين استغلال أمريكا وإسرائيل لهذا الصراع لتحقيق طموحاتهما في الهيمنة وتصفية الحسابات.
السيناريو البديل هو الحلم الصعب ولكنه الممكن، وهو الانتقال من نظام الأمن بالوكالة (الاعتماد على أمريكا) إلى نظام الأمن الجماعي الإقليمي. لكي تنجح الدبلوماسية العربية في حل الأزمات مع إيران بعيداً عن التدخل الخارجي،
يجب أن تتحرك وفق مسارات استراتيجية واضحة:
1. المسار الاقتصادي: المصالح فوق الأيديولوجيا
إيران تعاني من حصار اقتصادي خانق، ودول الخليج تملك فوائض مالية وقدرات استثمارية هائلة.
الربط التجاري: تحويل العلاقة من صراع حدود إلى شراكة قيود. استثمارات خليجية في البنية التحتية الإيرانية مقابل ضمانات أمنية ووقف التدخل في الشؤون الداخلية.
خطوط الغاز والكهرباء: جعل المصالح الاقتصادية متداخلة لدرجة أن أي رصاصة تُطلق ستؤدي لخسارة مالية فادحة للطرفين، مما يجعل الحرب خياراً غير منطقي اقتصادياً.
2. المسار الأمني: اتفاقية أمنية إقليمية شاملة
بدلاً من استدعاء الأساطيل الأمريكية عند كل أزمة، يمكن إنشاء منظومة أمنية مشتركة (بصيغة “6+1” أي دول الخليج وإيران، أو بإضافة العراق ):
تعهد بعدم الاعتداء: توقيع معاهدات ملزمة تضمن احترام السيادة وعدم دعم المليشيات أو الجماعات المسلحة في الدول الأخرى.
غرفة عمليات مشتركة لتأمين الملاحة: أن يتولى أهل المنطقة (السعودية، إيران، عمان، الإمارات) تأمين مضيق هرمز وممرات النفط بأنفسهم،
مما يسحب الذريعة من أمريكا للتواجد العسكري بحجة حماية التجارة الدولية.
3. المسار السياسي:حلحلة الملفات بالتدريج
الدبلوماسية العربية يجب أن تتعامل مع إيران كـجار دائم وليس كـعدو عابر.
الوساطة العربية-العربية: تفعيل دور دول مثل عُمان والعراق والجزائر كوسطاء نزيهين لتقريب وجهات النظر بين الرياض وطهران بعيداً عن الإملاءات التي تضعها واشنطن في مفاوضاتها.
فصل الملفات: عدم ربط الملف النووي (الذي يهم الغرب) بملف الجوار الجغرافي (الذي يهم العرب). العرب يحتاجون لضمانات حسن جوار، بينما أمريكا تريد تفكيك القدرات.
4. القوة الناعمة:الحوار المذهبي والثقافي
تفتيت بعبع الطائفية الذي تستخدمه القوى الخارجية لإذكاء الصراع.
إطلاق مؤتمرات حوار حقيقية بين المرجعيات الدينية في مكة والنجف وقم، للتأكيد على أن الخلاف سياسي بحت وليس دينياً، مما يسقط الشرعية عن أي ميليشيا تستخدم الدين وقوداً لحروبها.
التحدي الأكبر:هل ستسمح أمريكا؟
هنا تكمن العقدة؛ فأمريكا تستفيد من حالة اللا حرب واللا سلم لبيع السلاح وضمان تبعية المنطقة
السيناريو البديل يتطلب إرادة سياسية عربية صلبة تؤمن بأن:
كلفة السلام مع الجار، مهما كانت صعبة، هي أقل بكثير من كلفة الحرب بالوكالة لصالح الغريب.
تحول المنطقة من ساحة تصفية حسابات دولية إلى كتلة اقتصادية وأمنية مستقرة.
إذا استطاع العرب وإيران الجلوس وجهاً لوجه دون مترجم أمريكي، فسيجدون أن نقاط الاتفاق (الجغرافيا، الدين، المصالح النفطية) أكبر بكثير من نقاط الخلاف.
هانم داود