السُنه والشبهات….. مقال ورأي للكاتبة المصرية هانم داود

الردُّ المسكت على دعاوى الفَصم بين الكتاب والسنة،وأصالة السنة في ميزان العقل والنقل،و حجيّة السنة النبوية و ردودٌ منهجية على الشبهات المعاصرة
نحن نعيش في زمنٍ اختلطت فيه المفاهيم، وخرجت فيه فئةٌ تحاول نزع روح الإسلام من جسده، بدعوى الاكتفاء بالقرآن. هؤلاء الذين يرفعون شعار القرآنيين يحاولون، بوعيٍ أو دون وعي، هدم الجسر الذي عبر منه الوحي إلى الواقع، والواقع إلى التشريع.

السنة النبوية: البيان الذي لا يستغني عنه الكتاب
إن القرآن الكريم والسنة النبوية ليسا كيانين منفصلين، بل هما كالشمس وضيائها، لا تُبصر العينُ الضياء إلا بانبعاثه من الجرم، ولا يُعرف قدر الشمس إلا بما تبثه من نور. إن دعوى الاستغناء عن السنة هي في جوهرها دعوى لتعطيل القرآن نفسه.

1. الشبهة الأولى: القرآن تبيان لكل شيء، فما حاجتنا للسنة؟
يستدلون بقوله تعالى: “وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ”.

الرد العلمي والبلاغي: إن الذي أنزل “التبيان” هو الذي قال في الكتاب نفسه: “وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ
. فكيف يكون القرآن تبيانًا وهو يأمرنا بالرجوع إلى بيان الرسول ﷺ؟
بلاغة القرآن تقوم على الإيجاز المعجز، والسنة هي التفصيل المفسر. فلو فُصلت كل جزئية في القرآن لصار آلاف المجلدات، ولخرج عن كونه معجزة يسهل حفظها وترديدها. السنة هي التطبيق العملي للقيم المطلقة، فبدونها تظل الصلاة مجرد لفظ، والزكاة مجرد فكرة، والحج ممارسة مجهولة الكيفية.

2. الشبهة الثانية: السنة تدوين بشري تأخر عن عهد النبوة
يزعمون أن الأحاديث كُتبت بعد قرنين، مما يعرضها للوضع والنسيان.
الرد العلمي والبلاغي: هذه مغالطة تاريخية فجة. التدوين بدأ في عهد النبي ﷺ (الصحيفة الصادقة لعبد الله بن عمرو بن العاص نموذجًا)،
لكن الصدور كانت هي الدواوين الحقيقية عند العرب الذين عُرفوا بحدة الحفظ وملكَة الاستظهار.
إن علم “الحديث” هو أدق نظام توثيقي عرفته البشرية (منهج الجرح والتعديل). لم يعرف التاريخ أمةً فحصت رجالها، وميزت بين الثقة والكذاب، وضبطت مخارج الحروف ومداخل الأسانيد كما فعلت أمة الإسلام. إن إنكار السنة بحجة التأخر في التدوين
يشبه إنكار ضوء النجوم لأننا نراه بعد زمن من انبعاثه؛ فالحقيقة باقية والوسائل تتطور.

3. الشبهة الثالثة: السنة ليست وحياً بل هي اجتهاد بشري
الرد العلمي والبلاغي: يقول الله تعالى: “وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ”.
الوحي في الإسلام نوعان:
وحي متعبد بلفظه ورسمه (القرآن).
وحي ملقى في الروع ومفوض بالتعبير عنه بالعمل والقول (السنة). لو كانت السنة بشريّة بحتة، لكانت طاعة الرسول ﷺ مرتبطة بحياته فقط، لكن القرآن جعل طاعته تشريعاً ممتداً إلى يوم الدين: “مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ”. فكيف نطيع من لا نملك منه نهجاً ولا أثراً؟

لا إسلام بلا سنة
إن الذين يروجون لإنكار السنة إنما يريدون إسلاماً بلا أنياب، إسلاماً خاضعاً للتأويلات الشخصية والأهواء العصرية. فإذا غابت السنة، ضاع التفسير المنضبط، وصار القرآن نهباً لكل مؤول يفسر الآيات حسب هواه السياسي أو الثقافي.

(السنة): هي السياج الذي يحمي بيضة الدين، وهي الروح التي تنفث الحياة في نصوص الكتاب. ومن أراد أن يطير بجناح واحد القرآن وحده دون السنة سيسقط حتماً في فخ التناقض والضياع.
عند مخاطبة (الشباب) حول قضية حجية السنة، نحتاج إلى لغة تجمع بين المنطق العقلي، الأمثلة الواقعية، والتبسيط غير المخل. الشباب اليوم يبحث عن لماذا؟ وكيف؟ قبل قال..
السنة النبوية الكتالوج الذي بدونه لا يعمل الجهاز
تخيل لو أن شركة تقنية عالمية أصدرت أحدث هاتف ذكي  لكنها لم ترفق معه نظام تشغيل ولا دليل استخدام. هل ستعرف كيف تستفيد منه؟ القرآن هو الوحي الأساس، والسنة هي “نظام التشغيل” والتطبيق العملي الذي يرينا كيف نعيش هذا الوحي.

1.التحديث ليس اختراعاً جديداً.قول بعضهم:نحن نؤمن بالقرآن فقط لأنه كلام الله، أما السنة فكتبها بشر.
الرد المنطقي: اسألهم: كيف عرفتم أن هذا القرآن هو كلام الله أصلاً؟ لقد وصل إلينا القرآن عبر نفس الأشخاص (الصحابة) ونفس القنوات (النقل) التي نقلت لنا السنة. فمن غير المنطقي أن تثق في “الناقل” حين يعطيك المصحف، وتخوّنه حين يعطيك طريقة الصلاة! إما أن تثق في المصدر كلياً أو تشك فيه كلياً.

2. فخ الإسلام النظري بدون السنة، يتحول الدين إلى مجرد أفكار هلامية.
مثال عملي: القرآن يقول “أقيموا الصلاة”. ممتاز! لكن كم ركعة؟ متى نصلي؟ ماذا نقول في الركوع؟ القرآن لم يذكر هذه التفاصيل.
النتيجة: إنكار السنة يعني أن كل شخص سيصلي على هواه، وسنتحول من أمة واحدة إلى مليار دين بعدد الأشخاص، وهذا هو الضياع بعينه.

3. هل السنة كلام بشر؟ السنة ليست مجرد رأي شخصي للنبي ﷺ، بل هي وحي بياني من الله.
مثلا:إذا أرسل ملك رسالة مشفرة لشعبه، وأرسل معها سفيراً يشرحها. هل كلام السفير من كيسه من نفسه من رأيه؟ طبعاً لا، هو يعبر عن مراد الملك. النبي ﷺ هو السفير الإلهي، وما ينطقه في الدين هو شرح للمرسل (الله عز وجل).

4. “الفلترة” الصارمة يخاف الشباب من الأحاديث الضعيفة أو المدسوسة.
الحقيقة المذهلة: علماء الحديث لم يتركوا الأمر للمصادفة. لقد اخترعوا أدق نظام لـتوثيق البيانات في التاريخ. قبل اختراع الكمبيوتر بقرون، كان لديهم داتا بيز
لكل راوٍ: متى ولد؟ أين سافر؟ هل كذب يوماً في حياته؟ هل أصيب بالخرف في كبره؟
نحن لا نقبل أي كلام، نحن نقبل فقط البيانات الموثقة التي اجتازت اختبارات قاسية جداً.

القرآن نفسه يأمر بطاعة الرسول في أكثر من 30 آية. (من ينكر السنة فهو ينكر آيات صريحة في القرآن).
صحح المفهوم: السنة ليست قيوداً، بل هي خريطة طريق تحميك من الفهم الخاطئ والمتطرف للقرآن.

ملخص المقال:

يتناول المقال قضية حجيّة السنة النبوية والرد على دعوات الفصل بين القرآن والسنة أو الاكتفاء بالقرآن وحده. يوضح الكاتب أن القرآن والسنة مصدران متلازمان للتشريع، وأن السنة تمثل البيان العملي والتفصيلي للقرآن، ولا يمكن فهم كثير من الأحكام الشرعية دونها.

يرد المقال على أبرز الشبهات المعاصرة، ومنها:

  1. القول بأن القرآن تبيان لكل شيء ولا حاجة للسنة
    يبيّن أن القرآن نفسه يأمر بالرجوع إلى بيان الرسول ﷺ، وأن طاعة النبي جزء من طاعة الله، مما يدل على أن السنة مكملة ومفسرة للكتاب، وليست منفصلة عنه.
  2. الادعاء بأن السنة دُوّنت متأخرة فهي غير موثوقة
    يوضح أن كتابة الحديث بدأت في عهد النبي ﷺ، إلى جانب الحفظ الشفهي، وأن علماء الحديث وضعوا منهجًا دقيقًا للتحقق من الروايات (علم الجرح والتعديل)، مما يجعل السنة من أكثر النصوص التاريخية توثيقًا.
  3. الزعم بأن السنة اجتهاد بشري وليست وحيًا
    يستدل المقال بآيات تؤكد أن ما يصدر عن النبي ﷺ في شأن الدين هو وحي من الله، وأن طاعته تشريع دائم، مما يدل على أن السنة وحي بياني مكمّل للوحي القرآني.

ويؤكد المقال أن إنكار السنة يؤدي إلى تفريغ الإسلام من مضمونه العملي، إذ إن العبادات الأساسية كالصلاة والزكاة والحج لا يمكن تطبيقها عمليًا دون السنة. كما يخاطب الشباب بلغة عقلية معاصرة، مشبّهًا السنة بـ”نظام التشغيل” الذي يفعّل نصوص القرآن ويحوّلها من مبادئ عامة إلى واقع تطبيقي.

ويخلص المقال إلى أن السنة ليست عبئًا على النص القرآني، بل هي السياج الحافظ له، وأن الفصل بينهما يفتح الباب للتأويلات الفردية والفوضى في فهم الدين

هانم داود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.