مع استمرار التطبيق العملي للاتفاق المبرم بين الحكومة السورية وميليشيا «ب ي د/قسد»، لا يزال المشهد الميداني والسياسي في شمال شرقي سوريا يتسم بالهشاشة، وسط غياب خطوات حاسمة تنقل الاتفاق من إطار التفاهمات الأولية إلى التنفيذ الكامل.
وتبرز هذه الهشاشة بوضوح في ملف الإدارة المحلية، إذ لم تُقدم الحكومة السورية حتى الآن على تعيين محافظ دائم لمحافظة الحسكة، واكتفت بمنح المرشح المدعوم من «قسد» صفة تسيير أعمال مؤقتة، في خطوة تعكس انتظار دمشق لتقدم ملموس في تنفيذ بنود الاتفاق قبل تثبيت أي تعيينات دائمة.
ورغم قيام وفد من قوى الأمن الداخلي السورية بزيارة مطار القامشلي والبدء بالاستعدادات الفنية والإدارية لتسلّمه، إلا أن جوهر الاتفاق لا يزال معلقًا، مع عدم حسم القضايا الأساسية التي تشكل عموده الفقري، وعلى رأسها الانتشار العسكري والأمني.
وبحسب المعطيات المتداولة، يُفترض أن تعيد ميليشيا «ب ي د/قسد» انتشارها من مدينتي الحسكة والقامشلي إلى ثلاث قواعد محددة، اثنتان منها كانتا سابقًا تحت سيطرة قوات التحالف الدولي، فيما كانت الثالثة قاعدة تابعة للجيش السوري. غير أن هذا البند لم يُنفّذ بعد بشكل عملي.
ويُعد ملف السلاح الثقيل نقطة الخلاف الأبرز بين الطرفين، إذ تضغط دمشق باتجاه نزع هذا السلاح بالكامل، في حين تصر «قسد» على الاحتفاظ به مؤقتًا إلى حين تثبيت ما تُعرف بـ«فرقة الحسكة» رسميًا ضمن هيكل عسكري متفق عليه.
بالتوازي مع ذلك، تواصل القوات الأميركية إخلاء قواعدها في المنطقة بهدوء، حيث يجري نقل الجنود والمعدات إلى إقليم كردستان، وتحديدًا إلى أربيل، في خطوة يُعتقد أنها تهدف إلى تجنب تداعيات سياسية داخلية في الولايات المتحدة. وتشير تقارير إلى احتمال الإبقاء على قاعدة أميركية واحدة، إلا أن الشكل النهائي للوجود الأميركي لا يزال غير محسوم في ظل التطورات المتسارعة.
وفي ملف مكافحة الإرهاب، تستمر عملية نقل سجون تنظيم داعش، إذ يُعتقد أن نحو 3000 سجين جرى نقلهم بالفعل إلى الأراضي العراقية، مع ترجيحات بأن يتجاوز العدد النهائي 7000 سجين، ما يثير تساؤلات أمنية وسياسية حول إدارة هذا الملف في المرحلة المقبلة.
أما الملف الديموغرافي، فيبقى من أكثر القضايا تعقيدًا، حيث تسعى دمشق إلى حصر وجود «قسد» في مدن محددة مثل عامودا والدرباسية وربما المالكية، بينما تطالب الأخيرة بالبقاء في مناطق إضافية، من بينها القحطانية والمعبدة ورميلان، لما تمثله من ثقل جغرافي واقتصادي.
وينص الاتفاق، وفق ما هو متداول، على عدم دخول كوادر الحكومة السورية إلى القرى ذات الغالبية الكردية، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول آلية التعامل مع القرى الآشورية والسريانية، في ظل التداخل الديموغرافي الكبير في محافظة الحسكة ومحيطها.
وتتباين كذلك رؤية الطرفين لطبيعة الوجود الأمني الحكومي، إذ تعتبره «قسد» وجودًا مؤقتًا ومحدود الصلاحيات، بينما تنظر إليه دمشق على أنه بداية لسيطرة تدريجية واستعادة كاملة لنفوذ الدولة في المنطقة. وينسحب هذا الخلاف على ملف الموظفين المدنيين وآليات إعادة إدماجهم ضمن مؤسسات الدولة.
وتُعد المعابر الحدودية من أكثر مراحل التنفيذ تعقيدًا، ولا سيما معبر سيمالكا، حيث تصر دمشق على استلامه بشكل كامل، في مقابل حديث «قسد» عن إدارة مشتركة. ويتركز الخلاف هنا على الجهة التي ستتولى الملف الأمني: هل ستكون قوات تابعة لدمشق أم عناصر من «قسد» بعد دمجهم.
ولا يزال ملف دمج ميليشيا «ب ي د/قسد» في الجيش السوري معلقًا، في ظل تمسكها بالدمج ككتلة واحدة، مقابل إصرار دمشق على الدمج الفردي وفق القوانين والأنظمة المعمول بها.
وفي السياق نفسه، تمثل حقول النفط عقدة أساسية في مسار الاتفاق، إذ تطالب دمشق بالسيطرة الكاملة عليها باعتبارها ثروة سيادية، بينما تسعى «قسد» إلى الحصول على حصة من عائداتها، ما يجعل هذا الملف أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيرًا على مستقبل التفاهمات.
وبين هذه الخلافات المتراكمة، يبقى اتفاق دمشق و«قسد» في مرحلة اختبار حقيقي، حيث سيحدد حسم الملفات العالقة ما إذا كان سيتحول إلى تسوية مستقرة أم سيبقى إطارًا هشًا قابلًا للتعثر في أي لحظة.