اتهامات أوروبية لضابط سوري من فلول النظام السابق: كيف تحوّل خالد الحلبي من مسؤول أمن في الرقة إلى مشتبه به بجرائم تعذيب وعلاقة سرّية مع الموساد؟

وجَّهت النيابة العامة في النمسا، خلال الأيام الماضية، لائحة اتهام ثقيلة ضد الضابط
السوري السابق خالد الحلبي، أحد فلول النظام السوري السابق، الذي شغل
رتبة عميد وشغل منصب رئيس فرع أمن الدولة (الفرع 335) في مدينة الرقة قبل وخلال اندلاع
الثورة السورية. تتهمه السلطات النمساوية اليوم بالتورط في جرائم تعذيب، وعنف جنسي،
وانتهاكات جسيمة ضد المدنيين خلال الفترة بين عامي 2011 و2013، في واحدة من أبرز قضايا
ملاحقة مجرمي الحرب السوريين على الأراضي الأوروبية في السنوات الأخيرة.

من هو خالد الحلبي… ضابط من فلول النظام السابق؟

وُلد خالد الحلبي عام 1962 في منطقة السويداء، وتدرّج داخل أجهزة أمن النظام حتى أصبح
عميدًا ورئيسًا لفرع أمن الدولة 335 في الرقة بين عامي 2009 و2013، أي في ذروة القمع
الذي واجهته الاحتجاجات السلمية في بداية الثورة السورية. وتشير شهادات ضحايا وتقارير
حقوقية إلى أن الفرع الذي كان يقوده الحلبي تورّط في حملات اعتقال واسعة، وتعذيب
ممنهج، وحالات عنف جنسي، وعمليات قتل بحق معتقلين، رغم نفيه المتكرر لمسؤوليته عن تلك
الجرائم.

وبحسب منظمات حقوقية دولية، يُعدّ الحلبي من أرفع المسؤولين الأمنيين السابقين من
النظام السوري المقيمين في أوروبا والملاحَقين بتهم تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد
الإنسانية، ما يجعل قضيته اختبارًا مهمًا لقدرة القضاء الأوروبي على معالجة إرث
الانتهاكات في سوريا عبر مبدأ الولاية القضائية العالمية.

لائحة اتهام نمساوية بعد سنوات من التراخي

تستند لائحة الاتهام النمساوية إلى تحقيقات بدأت قبل سنوات، بعد شكاوى قدّمها ناجون من
التعذيب في فرع الرقة، وملف قانوني مفصل أعدّته اللجنة الدولية للعدالة والمساءلة
(CIJA) ومنظمات حقوقية أخرى، وجرى تسليمه للسلطات النمساوية منذ
عام 2016. وبحسب هذه الجهات، يتضمن الملف مئات الوثائق الإدارية والأمنية وشهادات
ضحايا تربط الحلبي مباشرة بسلسلة من الانتهاكات الخطيرة داخل مراكز الاحتجاز التي كانت
تحت سلطته.

وتشير تقارير دولية إلى أن اللائحة الحالية تتضمّن تهمًا تتعلق بالتعذيب، والعنف
الجنسي، وإساءة المعاملة، والإخفاء القسري بحق محتجزين مدنيين خلال السنوات الأولى
للنزاع السوري، وهي تهم تندرج ضمن نطاق جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بموجب
القانون الدولي.

منشق من فلول النظام السابق… وعلاقة مزعومة مع الموساد

لا تقتصر إثارة القضية على سجل الحلبي داخل أجهزة الأمن السورية، بل تمتد إلى شبكة
معقّدة من العلاقات الاستخباراتية التي كُشف جانب منها في تقارير صحفية غربية. فبحسب
هذه التحقيقات، عمل الحلبي في مرحلة ما كـ«عميل مزدوج» لصالح جهاز الموساد
الإسرائيلي أثناء وجوده داخل بنية النظام الأمني في سوريا.

وتشير تلك التقارير إلى أن الموساد لعب دورًا أساسيًا في تهريب الحلبي من سوريا بعد عام
2013، ثم مساعدته على الخروج من فرنسا إلى النمسا، في إطار عملية سرية حملت اسم
White Milk، بالتنسيق مع مسؤولين في جهاز الاستخبارات الداخلية
النمساوي، وهي العملية التي أصبحت لاحقًا محل تحقيق ومحاكمات داخل النمسا نفسها. ومع
ذلك، تبقى تفاصيل هذه العملية ضمن ما نُشر في التحقيقات الصحفية والاستخباراتية ولم
تؤكَّد رسميًا بالكامل.

من فرنسا إلى فيينا… ثم الاختفاء

بعد خروجه من سوريا عام 2013، تقدّم الحلبي بطلب لجوء في فرنسا عام 2014، لكن السلطات
الفرنسية رفضت طلبه بعد ظهور شبهات قوية حول ضلوعه في جرائم حرب وتعذيب، وفتحت بحقه
إجراءات قضائية. ومع ذلك، تُظهر الوثائق والشهادات أن الحلبي استطاع لاحقًا مغادرة
فرنسا إلى النمسا، ليحصل هناك على إقامة ويعيش في فيينا منذ عام 2015، في ظروف بقيت
غامضة لسنوات وأثارت انتقادات حادة للسلطات النمساوية.

صورة على جسر بودابست… الخيط الذي قاد إلى سقوطه

على الرغم من كل إجراءات التخفّي، جاء التحوّل في مسار القضية من تفصيل صغير على وسائل
التواصل الاجتماعي: صورة نشرها الحلبي لنفسه على جسر في العاصمة الهنغارية بودابست.

باستخدام تقنيات التحقّق البصري من الخلفية والمعالم المعمارية، تمكّن ناشطون ومنظمات
حقوقية، ثم جهات تحقيق متخصصة، من تحديد الموقع بدقة، وربط الصورة بتحركات الحلبي في
أوروبا. وقد ساعد هذا الدليل البصري في تأكيد وجوده في المنطقة ودعم طلبات ملاحقته، قبل
أن تؤكد تقارير صحفية أنه أُوقِف في النمسا بعد متابعات امتدت لسنوات.

دور CIJA والمنظمات الحقوقية

تلعب اللجنة الدولية للعدالة والمساءلة (CIJA) دورًا مركزيًا في
هذا الملف. فبحسب روايتها، تمكّن فريقها من تعقّب وجود الحلبي في فيينا أواخر عام 2015،
مستندًا إلى مزيج من الوثائق الرسمية السورية المسرَّبة، وتحليل هياكل الأوامر داخل
أجهزة الأمن، إضافة إلى أرشيف واسع من صور ووثائق تثبت مسؤولياته القيادية في فرع الرقة
335.

وفي عام 2016 سلّمت CIJA ملفًا قانونيًا متكاملاً إلى وزارة العدل النمساوية، يتضمن
أدلة على أن جرائم تعذيب وعنف جنسي ووفاة معتقلين ارتُكبت في الفرع الذي كان تحت قيادة
الحلبي، وأن هذه الجرائم وقعت بعلمه وتحت سلطته. ومنذ ذلك الحين انضمّت منظمات أخرى،
بينها Open Society Justice Initiative وCEHRI في فيينا، إلى الجهود الرامية لدفع
السلطات النمساوية إلى المضي قدمًا في التحقيقات وصولاً إلى مرحلة لائحة الاتهام
الحالية.

قضية تتجاوز شخصًا واحدًا

لم تبقَ قضية خالد الحلبي حكرًا على ماضي ضابط من فلول النظام السوري السابق، بل تحوّلت
أيضًا إلى ملف حساس داخل النمسا نفسها. فقد وُجّهت اتهامات لعدد من المسؤولين السابقين
في جهاز الاستخبارات الداخلية بالتورط في توفير غطاء لوجود الحلبي على الأراضي
النمساوية، والتدخل في ملف لجوئه، بل و«حمايته» رغم الاتهامات الموجهة
إليه، وذلك في سياق تعاون استخباراتي مع جهاز أجنبي.

الخطوة التالية… بين العدالة والجدل السياسي

مع وصول ملف خالد الحلبي إلى مرحلة لائحة الاتهام، يرى حقوقيون أن القضية قد تشكّل علامة
فارقة في مسار محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الواسعة في سوريا، خصوصًا مع كون المتهم
من أعلى الرتب الأمنية السابقة للنظام ممن وصلوا إلى أوروبا. في المقابل، يؤكد الحلبي
أنه ينفي كل الاتهامات المتعلقة بالتعذيب والجرائم ضد المعتقلين، ويقدّم نفسه باعتباره
منشقًّا عن النظام السابق لا مجرم حرب.

حتى الآن، لم يصدر حكم قضائي نهائي في القضية، وما زالت جميع الوقائع في طور الاتهامات
والتحقيقات أمام القضاء النمساوي، لكن مجرد وصول الملف إلى قاعة المحكمة يمثل بالنسبة
لكثير من الضحايا السوريين إشارة إلى أن الجرائم المرتكبة في سوريا لن تبقى خارج متناول
العدالة، مهما طال الزمن أو ابتعد الجناة عن مسرح الجريمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.