القامشلي: من أطلال الحامية الفرنسية إلى مدينة نابضة — وثيقة تاريخية من بدايات التشكّل الأولى إضاءة تاريخية على “نواة القامشلي” كما يرويها الباحث مهند الكاطع

في دراسة موثقة للباحث والكاتب السوري مهند الكاطع، يُسلّط الضوء على المراحل الأولى لنشوء مدينة القامشلي في الجزيرة السورية، من خلال تتبع التحركات العسكرية والإدارية الفرنسية في عشرينيات القرن الماضي، والتي مهّدت لتأسيس المدينة لاحقاً.

يقول الكاطع إن الفرنسيين وصلوا إلى نصيبين للمرة الأولى عام 1922، وكانت نيتهم إنشاء مدينة جديدة تتخذ من قرية المحمقية نواة لها، لكن وجودهم هناك لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما انتقلوا شرقاً إلى قرية بياندور.

وفي عام 1923، عاد الفرنسيون مجدداً وتمركزوا في الحسكة، بعد معارك بياندور وخربة القبطان الشهيرة، التي شكّلت نقطة تحول في خريطتهم العسكرية والإدارية داخل منطقة الجزيرة السورية. ونتيجة لإعادة تنظيم السيطرة، أسسوا في تموز/يوليو 1925 قضاءً جديداً حمل اسم كرو، مركزه تل قيرو، الواقع على بعد نحو 20 كيلومتراً شرق القامشلي الحالية، وتمتد حدوده الغربية حتى نهر جغجغ وتل الحمدي.

صورة جوية توثّق اللحظة الأولى للقامشلي

يشير الباحث إلى صورة جوية تاريخية نادرة تُظهر تموضع القوات الفرنسية جنوب نصيبين بتاريخ 5 آب/أغسطس 1926، أي بعد توقيع اتفاقية أنقرة الثانية لترسيم الحدود بين تركيا وسوريا. التُقطت الصورة من الجهة الجنوبية، من ناحية القامشلي التي لم تكن قد تأسست بعد، وتُعدّ من أقدم الشواهد البصرية على نشأة المدينة.

تُظهر الصورة عدداً قليلاً من الأبنية في مقدمتها، كانت تُستخدم آنذاك كحامية فرنسية، ويُرجّح أن تكون تلك النقطة النواة الأولى لمدينة القامشلي، التي أصبحت لاحقاً مركز قضاء قيرو.

وفي بداياتها، أطلق الفرنسيون على الموقع اسم “نصيبين الجديدة”، غير أن تشابه الأسماء بين المدينتين تسبب بإرباك إداري وتأخير في المعاملات والرسائل البريدية، ما دفع التجار والمقيمين إلى اقتراح اسم جديد هو “القامشلية”، نسبة إلى مزرعة محلية تحمل الاسم نفسه.

القامشلية… من اسم تركي إلى هوية سورية

يشرح الكاطع أن كلمة “القامشلي” تعود إلى أصل تركي وتعني “المكان كثير القصب”، في إشارة إلى طبيعة الأرض التي كانت تكثر فيها نباتات القصب على ضفاف نهر جغجغ.

وفي منتصف الصورة الجوية، تظهر خيام الفرنسيين المنتظمة، بينما تبدو في الأفق الشمالي بلدة نصيبين، على بعد يقارب كيلومتراً واحداً فقط، في مشهد يُجسّد العلاقة الجغرافية والتاريخية الوثيقة بين المدينتين منذ لحظة التأسيس الأولى.

توثيق لحظة التحول

بهذا السرد الدقيق والموثّق، يقدّم مهند الكاطع إضاءة فريدة على واحدة من أهم اللحظات المفصلية في تاريخ منطقة الجزيرة السورية، حين تحوّلت حامية عسكرية صغيرة إلى مدينة القامشلي التي ستصبح لاحقاً مركزاً حضرياً واقتصادياً وثقافياً رئيسياً في شمال شرق سوريا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.