أسرار الثورة الصامتة: رجال الفدغمي والشيخ عيسى: ثوار آل البديوي العبداللطيف في مواجهة الأسد شهادات نادرة يرويها المهندس شاكر ود. عبدالسلام حول الاعتقالات، الإعدامات، والتحقيقات في فروعالأمن السوري

أعداد وتحرير: مروان مجيد عبدالله

/ BAZNEWS

في ذاكرة الثورة السورية غير المعلنة، حيث لا منصات ولا إعلام، كانت هناك عائلات كاملة قررت أن تقول “لا” في وجه الأسد الأب. ومن بين هؤلاء، كانت عائلة آل العبداللطيف – من فخذ العبداللطيف في قبيلة البو سلامة – مثالًا صارخًا على الثمن الذي دفعه الشرفاء ممن اختاروا طريق المقاومة مبكرًا. في هذا التوثيق الحصري، نروي ما لم يُكتب من قبل: شهادات من المهندس شاكر، والراحل مشعل، والدكتور عبدالسلام، عن سنوات السجن، والمحاكمات الصورية، والمنفى، والموت الصامت في أقبية الظلام

عائلة في مهب الاستبداد: سيرة نضال آل البديوي العبداللطيف في مواجهة نظام حافظ الأسد

توثيق لعقود من التضحية والمواجهة، من قرية النشوى إلى سجن تدمر والمنفى الطويل

الثورة التي لم تُكتب

لم تبدأ الثورة السورية في ربيع 2011، ولم تكن لحظة غضب عابرة في وجه نظام متجذر. بل إن جذورها تمتد إلى السبعينات، إلى قرى مثل الفدغمي والنشوى في ريف دير الزور، حيث قاومت عائلات بأكملها محاولات إخضاعها، رافضةً عروض المناصب والمصالح، ومدفوعةً بوعي فطري بالكرامة الوطنية. من بين هذه العائلات، تبرز عائلة البديوي العبداللطيف، من فخذ العبداللطيف – قبيلة البو سلامة، والتي دفعت ثمناً باهظاً من دم أبنائها وسنوات عمرهم.

ثوار آل العبداللطيف: عندما تتحول العشيرة إلى ضمير

الشيخ عيسى البو سلامة، زعيم العشيرة، وذريته، كان لهم موقف مبكر ضد حكم حافظ الأسد. لم تغرهم المناصب ولا الوعود، بل وقفوا في وجه مشروع التوريث والديكتاتورية منذ 1970، متضامنين مع رفاقهم من أبناء الفدغمي، حيث كانت الكلمة الفصل للموقف وليس للنجاة الفردية.

في هذا السياق، برز اسم الشهيد محمود بديوي العبداللطيف، القيادي العشائري البارز، ذو العلاقات الواسعة في سوريا والعراق. لم يتوقف عن فضح النظام في المجالس، ما جعله هدفًا أمنيًا مباشرًا، وتم اعتقاله في 2 تشرين الأول/أكتوبر 1981 من شارع عام في دير الزور، ليغيب بعدها في أقبية المخابرات حتى تم إعدامه سرًّا في 24 كانون الأول/ديسمبر 1986، بعد أن أوصى رفاقه وتطهّر بركعتين قبل استشهاده.

مشعل بديوي: من إدارة الجرارات إلى زنزانات تدمر

شقيقه المهندس مشعل، الذي كان مديرًا لشركة جرارات حلب، تعرّض للاعتقال لاحقًا، ليقضي 16 عامًا في زنازين سجن تدمر. في المحكمة الصورية عام 1984، وقف أمام القاضي مهران شعيب وقال بيت شعر متحديًا:

“ياهايبين من المنايا الموت ماله نذير

لعيون من شدن حنايا والخد شعشاع الغدير”

ردّ القاضي بأمره: “اربطوا هذا الخنزير”، وأُرسل بعدها إلى تدمر، مكبلًا بالسلاسل، لينجو من الموت فقط ليواجه سنوات طويلة من العذاب النفسي والجسدي.

وفي عام 1996، خرج مشعل من السجن بوزن لا يتجاوز 25 كغ، بعدما كان في السابق أكثر من 80 كغ، في مشهد لا يُنسى، وصفه من حضروه بأنه أشبه بخروج شبح من المقبرة.

المهندس شاكر والدكتور عبدالسلام: جيل الذاكرة الحية والمنفى الطويل

المهندس شاكر محمد بديوي، مدير زراعة مدينة الصور سابقًا، واجه العزل والنفي بسبب صلته بأعمامه، ليلتحق بالمعارضة السورية في العراق. ومن شهادته نعرف الكثير عن عمليات الاعتقال والمطاردة في الثمانينات، لا سيما ما جرى في صيف وخريف عام 1981.

أما الدكتور عبدالسلام محمد بديوي، فقد قضى أكثر من 30 عامًا في المنفى الأوروبي والعربي، ناشطًا ضد نظام الأسد، بعيدًا عن أهله وبلده. عاد إلى سوريا بعد عقود، ليجد والدته ووالده قد رحلوا دون أن يراهم، حاملاً في قلبه حسرة الوطن والغياب الطويل.

سجون الرعب: من القامشلي إلى تدمر وصيدنايا

يروي شهود العيان أن الأجهزة الأمنية حينها كانت تدار بعقلية الانتقام لا القانون. في فرع الأمن العسكري بالقامشلي، تحت إدارة الضابط الدموي محمد منصورة، عانى المعتقلون أشد أنواع التعذيب، قبل ترحيلهم إلى دمشق ثم تدمر. وكان من أبرز الجلادين آنذاك:

• المساعد محمد حازم

• المساعد محمد نعمة

• مدير السجن غازي الجريبي بركات

• المحقق عمر

تم تقسيم المعتقلين بين الفروع، وتوزيعهم على أساليب التعذيب، والضغط، والتحقير، ليخرج من نجا منهم بذاكرة محفورة بجروح لا تندمل.

خاتمة: ذاكرة لا تموت.. ودرس لا يُنسى

قصة آل العبداللطيف، ومن معهم من رجالات قبيلة البو سلامة، ليست مجرد فصل في سجل الثورة السورية، بل هي مرآة صافية لما دفعه الشرفاء من دمائهم وأعمارهم في سبيل الكرامة. هم الذين لم يبحثوا عن شهرة أو مكسب، بل وقفوا بوجه الطغيان في وقتٍ كان مجرد الهمس معارضة يعتبر خيانة كبرى.

واليوم، بعد كل هذا الزمن، لا يزال ذكرهم حيًّا في القرى، والبيوت، وفي صدور من عرفوهم. فالتاريخ لا يُكتب فقط في دفاتر الأمم، بل في وجوه الذين لم ينحنوا… وفي دموع من بقوا يحملون الحكاية حتى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.