(ماذا بقي من عاداتنا وتقاليدنا ) للأستاذ ياسين صويلح

 

يقول احدهم : إنهيار المجتمع يبدأ من التمرد على العادات والتقاليد . وربما لايدرك كثيرون كم من المخاطر التي تصيب المجتمعات نتيجة خروج أبنائها عن طوع العادات والتقاليد ، وفرض واقع جديد خاص بهم لايتماشى مع العرف الاجتماعي .
وقد اعتبر علماء الاجتماع ، ان حضارة وهوية أي شعب ، هي بمقدار مايوليه من اهتمام ومحافظة على عاداته وتقاليده .
ويقوم آخر : إذا أردت ان تعرف أي مجتمع ، عليك ان تعرف هويته . والهوية في معناها المجرد ، هي جملة علامات وخصائص من أجناس مختلفة تستقل بها الذات عن الآخر . وبحضور هذه العلامات والخصائص تكون الذات حاضرة ، وبغيابها تغيب وتذوب في الآخر .

ولو أردنا تسليط الضوء على مجتمع الجزيرة السورية كنموذج . هذا المجتمع الذي يتشكل من عدة طوائف ومكونات وأعراق وديانات مختلفة ، عاشت مع بعضها البعض على مدار القرون الماضية في حالة من الود والوئام ، وفي نسيج إجتماعي متماسك ، لوجدنا أنه رغم الاختلاط ، فإن كل مكون من هذه المكونات يحتفظ بعاداته وتقاليده ويتفاخر بها أمام الآخرين ، ولو شاء لك أن تلتقي بعائلة من مكون ما دون معرفة سابقة بهذه العائلة فسوف تعرف على الفور هويتها والى من تنتمي ، من خلال ماتمارسه من طقوس خاصة بها .

ولكن ماذا عنا نحن كعرب ، نعيش على هذه الأرض منذ زمن بعيد ، ونشكل الغالبية في هذا المجتمع ؟
هل مازلنا محافظين على عاداتنا وتقاليدنا التي ورثناها من اسلافنا أم لا ؟
لا أرى ذلك وأنا أشاهد اليوم بعض المضافات والدواوين التي عرفها مجتمع الجزيرة السورية منذ القديم ، حتى أصبحت إحدى سماته المميزة وتطورت مع تطوره . وكانت على عهد آباءنا وأجدادنا أشبه ببرلمانات مصغرة وهي تؤدي دورا كبير في اتجاهات عديدة ، حيث كان يلتقي بها أهل المعرفة مع الضيوف ، إلى جانب الطارقين وعابري السبيل ، لمناقشة كل الأمور التي تخص حياهم اليومية .
أرى بعض هذه المضافات اليوم وقد اصبحت مقاه لجيل اليوم من الشباب ، بحيث طغت رائحة المعسل على رائحة القهوة المرة التي كانت رائحتها في السابق تفوح من شبابيك اغلب تلك الدواوين ، كما سيطرت نغمات الموبايل بكل مايحتويه من تقنيات حديثة على صوت النجر الذي كان في السابق أحد اهم عناوين الكريم ، وكانت كل حركة من حركاته ترمز الى شيء معين .
لقد اصبحت الأركيلة موضة لشبابنا هذه الأيام ، لا بل اخذت تنتشر حتى في أوساط النساء ، ومن لايتعاطى الأركيلة فهو برأي رفاقه متخلف ، لأنها اصبحت برأي البعض مقياسا للتحضر والتمدن .
اما المجالس والسهرات التي كان يتخللها أحاديث وأشعار وقصص من الماضي ، وكانت تقام في تلك المضافات ، وخاصة في شهر رمضان بعد صلاة التراويح ( ورمضان يدق أبوابنا الآن ) فقد تم استبدالها بألعاب ورق الشدة ، التي سحبت البساط من تحتها ، ولم يعد لسهرات أيام زمان أي ذكر .

كانت مناسباتنا الإجتماعية في السابق تسير وفق طرق مدروسة نابعة من عاداتنا وتقاليدنا ولا يمكن تجاوزها .

وإذا أردنا أن نسلط الضوء على بعض عادات عرب الجزيرة من أبناء الريف ، كعادات الزواج مثلا . فهي في السابق كانت تتم بعد أن يتعرف الشاب على الفتاة من خلال اللقاء أثناء القيام بالأعمال الزراعية أو التحطيب أو الفزعة او عند الغدير أو في المناسبات العامة . وبعد ذلك يقوم والد العريس بتجهيز مجموعة من وجوه العشيرة قاصدين منزل والد الفتاة ، وربما يكون ذلك دون سابق إنذار وهو مايعرف ب ( الجاهة ) وبعد الترحيب يتم النقاش في مواضيع عامة . ومن خلال ذلك يعرف أهل الفتاة الغاية من مجيء الجاهة . وعند تقديم الطعام يتم النقاش في الموضوع الأساسي الذي من أجله قد جاءت الجاهة . حيث جرت العادة أن يتم رفض تناول الطعام إلا بعد تلبية الطلب . وفي هذه الحالة يقوم كبير الجاهة بمخاطبة والد الفتاة بالقول :
نحن طالبين القرب منك ونريد فرس تاكل بيدها لفلان ابن فلان ، وهم بذلك يشبهون الفتاة بالفرس . والعادة أن يقول والد الفتاة : هلا والنبي محييكم ، القمرة تتلقاكم والظلمة تتقفاكم ، تفضلوا على عشاكم والجايين بيه تروحون بيه .
عندئذ يتقدم الحضور الى الطعام وبعد ذلك تبدأ التفاصيل في مقدار المهر ويتم النقاس في هذا الموضوع مطولا . وبعد ذلك يقوم أحد الحضور بالثناء على عائلة العروس من حيث الأصل والفصل ، وانهم جاؤا لإن العروس بنت فلان وجدها فلان . كقولهم مثلا :
نحن طمعانين بالنسب وجايين نشتري رجال .
أو يقول أحدهم : لاتنظر على خدودها انظر على أصل جدودها . مع الكثير من عبارات المجاملة المتعارف عليها . وفي احيان أخرى يقول والد العروس : اهلا وسهلا بيكم ، ولكن نريد تمهلونا كم يوم حتى نشاور أهل البيت ونرجع لكم خبر ، وان شاء الله مايصير ألا الخير . وفي حالات الرفض يتحجج والد العروس بأن البنت محيرة لابن عمها ، أو البنت تدرس ، أو البنت صغيرة إلا ما هنالك من اعذار .
العادة سابقا أن لايذهب العريس مع الجاهة إنما ينتظر النتيجة على أحر من الجمر ، وكلما تأخرت الجاهة كان يستبسر بالخير ، لأنه في حالات الرفض كانت الجاهة تعود سريعا . لذلك يقال في المثل الشعبي :
اذا تأخر مرسالك ابشر بالخير .

بعد ذلك يتم التجهيز للعرس من خلال شراء لوازم العرس وحاجيات العروس من الألبسة والأثاث وهو مايسمى بالجهاز .
وخلال فترة لاتتعدى إسبوع أو اسبوعان على الاكثر يتم تحديد موعد العرس . والعادة قبل العرس بيوم يتم بناء بيوت الشعر وتجهيز وليمة العرس ودعوة الأقارب والمعارف من خلال بطاقات العرس . وهنا يظهر مدى التكافل والتعاون بين ابناء المجتمع الواحد حيث الجميع يشارك في بناء بيوت الشعر وتجهيزها من الفرش والجميع يشارك في تجهيز وليمة العرس حتى النساء تشارك في العجن والخبز وإعداد الطعام .
وفي يوم العرس يتم تجهيز قافلة من السيارات للذهاب من أجل إحضار العروس ، حيث تركب العروس في السيارة المخصصة وهي مغطاة الوجة بمنديل أبيض يدل على بياض شرفها وعفتها ، وإلى جانبها أقرباء العريس من النساء . وأثناء مسير السيارات يتزاحم السائقين للسير بجانب سيارة العروس وعند الوصول يتم اطلاق العيارات النارية ويتم أخذ العروس الى بيوت أحد الجيران ، ثم يقدم الطعام . وفي المساء يتم إحضار العروس إلى بيت أهل العريس وسط الغناء والزغاريد وبعد ذلك تعقد الدبكة على انغام مزمار الشاعر الذي يجيد العزف على الزمارة . ثم يتم إدخال العريس الى العروس وسط فرحة الأهل والأقارب والأصدقاء ليبقى العروسان يلتقيان التهاني لمدة أسبوع . ثم تتم دعوتها إلى بيت أهلها ويرافقها العريس في ذلك .
في الماضي ربما كان العريس لايرى عروسه إلا في ليلة العرس ، فالأغلبية تتزوج عن طريق ذكر صفات ومحاسن العروس من قبل الأم أو الأخت أو أحد الأقارب ، فكان العريس لايرى عروسه أو يكون قد لمحها لمح البصر عن طريق الصدفة .
اما اليوم الوضع اختلف تماما فمنذ عشر سنوات أو أكثر كانت اللقاءات تتم في الأسواق الشعبية ، كسوق السبت والأربعاء ، بحيث تمر العروس برفقة إحدى قريباتها ليراها العريس ، ومع وجود وسائل التواصل الإجتماعي اصبح الطرفان يتفقان على الأغلب بدون علم الأهل عن طريق المراسلة ومن خلال الحديث بالصوت والصورة . كما اختلفت الكثير من العادات ، فبدل إقامة الحفلة في بيت والد العريس في فضاء مفتوح يحسدنا عليه العديد من سكان المدن الذين يقيمون في شقق سكنية صغيرة ، أصبحت الحفلات تقام في الصالات وبدل اللباس العربي الدال على الحشمة والوقار والنابع من التقاليد اصبحت العروس تلبس الاكليل . كما أن حفلة الدبكة عن طريق عازف المزمار قد انقرضت تماما بوجود الآلات الموسيقية والمطربين الشعبيين ، الذين اجبرونا على ممارسة الدبكة على انغام اغاني لاتمت لتراثنا بصلة .
كانت احتفالات العرس تقام في بيت اهل العريس ، اما اهل العروس فلم تكن لديهم أية مظاهر للاحتفال ، حتى أن والد العروس واخوتها يمتنعان عن حضور حفلة العرس .
أما اليوم فقد اختلط الحابل بالنابل ، فقد تجد احتفال ودبكة ورقص وإطلاق رصاص ، ويكون اعتقادك انه ببت اهل العريس ، لتتفاجأ بعد ذلك أن هذه المظاهر من الاحتفالات تقام في بيت أهل العروس .

أما ظاهرة إطلاق العيارات الناربة التي انتشرت اليوم بمناسبة أو بدون مناسبة ، فقد كانت في السابق لاتتم إلا في مناسبات الأفراح كالأعراس مثلا . وإن سمعها أحدهم في مناسبة غير ذلك ، فلابد من أن يستغرب ومن ثم يستفسر . فإذا كان مصدر الصوت قادم من البيت الفلاني ، وكان أحد ابناء ذلك البيت معتقل ، فهذا يدل على أنه قد تم إطلاق سراحه ، وإذا كان الصوت قادم من بيت فلان ، وكان لدى صاحب البيت شاب عسكري ، فهذا دليل على أن ذلك الشاب قد أنهى خدمته الالزامية . واذا كانت هناك نتائج لطلاب مدارس ، فهذا يعني ان الطالب فلان الفلاني قد نجح . وفي أحيان كثيرة يكون إطلاق الرصاص اضطراريا بسبب خطر ما قد يداهم شخص ما أو بيت ما ، وهو بمثابة طلب النحدة .

لقد طال التقليد الأعمى كل مناحي حياتنا الإجتماعية ، حتى ( الدية ) أو ( الودي ) بالمفهوم العام ، الذي يعتبر أحد عناوين التضامن الإجتماعي قد تغيرت مفاهيمه . فبعد أن كانت الدية تدل على التكافل والترابط ومدى صلة القربى ، عندما يقول أحدهم : نحن والعائلة الفلانية ( بالخمسة ) أي نرتبط مع بعصنا البعض بالجد الخامس ، ويضيف قائلا ( ند دي مداهم ونجلي مجلاهم ) أي أن مايصيبنا يصيبهم على الخير والشر . وهل هناك اروع من هكذا تكافل وترابط وتضامن . ولكن للأسف اخذت مسألة الدية اليوم تتراجع وترتخي شيئا فشيئا ؟ بسبب وجود التأمين على الآليات ( السيكورتا ) التي غالبا ماتتسبب بالحوادث المرورية ، وعند ذلك يتم دفع دفع الدية من قبل المؤسسات القائمة على التأمين .

ليس المهم هنا نشر كل العادات والتقاليد ، لأنها عديدة ومتنوعة وتتعدى طاقاتنا ، ولا أدعي الصواب في كل ماذكرته ، ولكن مشكلة أصحاب الفكر المتمرد على موروثنا الشعبي ، أنهم يعتبرون أن الابتعاد عن كل ماتعودنا عليه من عادات وطقوس جميلة ، كان يمارسها اسلافنا في ذلك الزمن الجميل . يعتبرون كل ذلك قديم وموروث ومدعاة للتخلف ، دون تفرقة بين عادات قديمة لايمكن التخلي عنها ، وأخرى يمكن تجاوزها ، لأنها لم تعد تصلح لهذا الزمن .

أما تقليدنا للآخرين بشكل أعمى غير مدروس ، فهو بمثابة مكافأة أو جائزة نقدمها لمن نقوم بتقليدهم على طبق من ذهب ، وهم بدورهم سيجدون في ذلك فرصتهم ، ليثبتوا من خلالها للآخرين أنهم الأقدم على هذه الأرض ، ودليلهم في ذلك أننا نحن من نقوم بتقليدهم وليس العكس .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.