سوريا – مروان مجيد الشيخ عيسى
لا بد من الاعتراف أولاً بأن الماكينة الإعلامية البعثية التي كانت، وما زالت مضرباً للمثل في الكذب والتلفيق والتحوير والابتذال والسخرية، نجحت على مدى عقود، بطريقة أو بأخرى، في تثبيت بعض الخرافات والأساطير السخيفة في عقول ملايين السوريين.
وقد نجح النظام، زوراً وبهتاناً، في تسويق نفسه لدى السوريين خصوصاً والعرب عموماً بأنه قلعة الصمود والتصدي في وجه الكيان الصهيوني.
ولكن الحقيقة عكس كل ذلك ،فمن يلتحق بصفوف هذه القوات ينسى كل مكارم الأخلاق، فيمنع على الجندي الصلاة والصيام وأي شعيرة من شعائر الإسلام ،ويتلذذ ضباط وصف ضباط القوات بعقاب كل من يثبت أنه يصلي أو يصوم ،فمن يثبت بأنه يصلي يتم سجنه ويعاقب أشد عقاب ،يقول أحد الذين خدموا في صفوف قوات النظام السوري: بأنه ومجموعة من زملائه كشف أمرهم في شهر رمضان المبارك بأنهم صيام، فقام الضابط المسؤول بإجبارهم على الإفطار وإلا سوف يحولون إلى سجن تدمر، أما ألفظ الكفر بالرب والدين فهي في كل جملة يتحدث بها الضباط وصفهم، أما الألفاظ القذرة بالعرض والأم والأخت فهي صباحا ومساء.
وقد نجح إعلام النظام السوري أيضاً في رفع شعار لا صوت يعلو فوق صوت المعركة لعشرات السنين، فحكم بقوانين الطوارئ والحديد والنار، وقمع أي صوت معارض، بحجة أنه في حالة حرب مع ما يسميه بالعدو الصهيوني.
وقد عاش السوريون أربعة عقود وهم غير قادرين على التجمع في الشارع بمعدل خمسة أشخاص، لأن قوانين الطوارئ تمنع أي تجمع يزيد عن خمسة أفراد، لأن ذلك يشكل خطراً كبيراً على الأمن القومي، وعلى عملية التصدي لإسرائيل برأي المخابرات الفاشية، مع العلم، طبعاً، أن النظام لم يطلق، على مدى أربعين عاماً، رصاصة واحدة باتجاه العدو المزعوم، لكنه كان يحكم بعقلية وقوانين الحرب.
والأنكى من كل ذلك أن النظام أوهم السوريين بأنه رأس الحربة العربية في مواجهة المشروع الصهيوني، وكان يضع أي سوري في غياهب السجون لعشرات السنين إذا فقط اشتبه بأن له علاقة، ولو من بعيد جداً بإسرائيل.
ولطالما قضى ألوف السوريين في السجون لمجرد الاشتباه بأنهم اتصلوا، ولو بطريقة غير مباشرة، بالعدو الصهيوني. وأعرف شخصاً أمضى سنوات في السجن بتهمة أنه أرسل رسالة معايدة إلكترونية إلى أقاربه في فلسطين. وهناك شخص آخر التقى بقريب له يعيش في فلسطين، التقى به في الأردن، فأمضى نصف حياته في الزنازين.
وقد ظن السوريون، وكل الظن إثم في هذه الحالة، أن النظام ألد أعداء إسرائيل في المنطقة، واتخذوا، بناء على ذلك، موقفاً معادياً جداً من إسرائيل، كذباً أو صدقاً، مجاراة لنظامهم الممانع والمقاوم . وحدث ولا حرج عن قوات النظام السوري الذي تربى منذ مجيئ آل الأسد إلى السلطة عام 1970 على عداء إسرائيل، فقد كانت عقيدته القتالية، وما زالت التصدي للصهاينة.
لكن المضحك في الأمر أن تلك القوات العقائدية لم يخض سوى حرب تحريك لا تحرير يتيمة ضد إسرائيل في عهد الأسد، وهو، منذ أربعين عاماً وأزيد، يستهلك سبعين بالمائة من الميزانية السورية وهو قابع في المعسكرات والثكنات، بينما اعتدت إسرائيل عشرات المرات على سوريا، ودمرت مواقع نووية واستراتيجية، وكانت تطير الطائرات الإسرائيلية فوق قصر الأسد في الساحل ودمشق كنوع من الاستفزاز، لكن النظام لم يسمح للقوات العقائدية بإطلاق رصاصة، فما بالك صاروخ مضاد للطائرات على الطائرات الإسرائيلية المغيرة.
فقد كانت العقيدة القتالية لقوات النظام السوري في واد، والواقع في واد آخر تماماً. ومن الواضح أن إسرائيل كانت تفهم اللعبة جيداً، بأن التحريض الإعلامي والعسكري الذي يقوم به النظام ضدها للاستهلاك الإعلامي فقط، وأن قوات النظام السوري ليس لمواجهة إسرائيل، بل لمواجهة الشعب السوري، بدليل أن القصر الجمهوري وقوات الحرس الجمهوري والكثير من الأسلحة الاستراتيجية موجودة على سفح جبل قاسيون مقابل جبل الشيخ الذي تحتله إسرائيل، والذي تستطيع ان ترى من فوقه حركة السيارات في شوارع دمشق.
بعبارة أخرى، فلو كان النظام يخشى من إسرائيل فعلاً، لما نصب أسلحته وحرسه الجمهوري على مرأى منها. وقد اتضح بعد الثورة أن السلاح الثقيل الموجود فوق جبل قاسيون المطل على دمشق كان هدفه إرهاب العاصمة تحديداً في حال تحركت ضد النظام.
وهذا ما حدث فعلاً، حيث كان القصف على ريف دمشق كله ينطلق من جبل قاسيون وطائرات النظام السوري لم تترك شبرا من أرض سوريا إلا وقصفته بكل أنواع السلاح تراوح بين براميل ومدفعية وسلاح كيماوي .