سوريا – مروان مجيد الشيخ عيسى
كتب الأستاذ حسين عساف الحمدان: عرفتها قاصة وشاعرة منذ أوائل سبعينات القرن الآفل ، كنت أتابع أنشطتها الأدبية في صالة المركز الثقافي بمبناه القديم التابع لمديرية الأوقاف بالحسكة فوق محال بريخان أيام كان مديره الأديب القاص وهيب سراي الدين ، وتابعت أنشطتها أيضاً في مبناه الحالي ، وكانت لقاءاتي بها عابرة لاتتعدى حضورأنشطتها أومشاركتها في أنشطة المركزالثقافية والأدبية..ولم ألتقها لقاءات مطولة إلّا في بيت أختنا الشاعرة المحترمة إيفيت تانوفي شهرنيسان 2021م حيث أجريت معهما جلسات أدبية استمرت عدة أيام ، تعرفت من خلالها إلى أعمال كلتا الأديبتين بغية الإشارة إليها في كتابي المقبل (الثقافة في الجزيرة السورية) ، وأهدتني الأديبة الراحلة في إحدى هذه اللقاءات بعضاً من كتبها.. وهي تترقب ما سأكتبه عنها ، وذكرتني بالكتاب المبسط في علم العروض للأستاذ محمود فاخوري الذي أهديته لها قبل ثلاثة عقود من الزمن ، وقالت : إنها انتفعت به كثيراً في كتابة الشعر.. عرفتها لبقة مهذبة لطيفة ، هادئة وحييّة ، ورأيتها حذرة جداً لأسباب أوجبتها ظروفها القاسية التي عاشتها .
أبصرت الأديبة الراحلة النور بمدينة الحسكة في تموز عام 1947ببيت جميل له بستان مثمر فواح بوروده ، يطل على نهر الخابور, وكانت صغرى الأبناء الثمانية: أربعة ذكور وأربع إناث والمدللة في أسرة متدينة متعلمة قدمت من قلعة مرة ، وهي قرية قديمة ، تقع شرق ماردين بين ماردين ودير الزعفران . تلقى أبوها تعليمه في مدرسة ديرالزعفران ، فتعلم اللغات العربية والسريانية والتركية وبعض الأجنبية والعلوم الدينية والرياضيات ، ورسم شماساً في ماردين على يد المطران نصري قصير، وعمل معلما في مدرسة كنيسة الأربعين شهيدا في ماردين ، وقدم مع ذويه في موجة النزوح بعد نكبة سفربرلك إلى الحسكة ، وفي عام 1925م جمّعت كنيسة السريان الأرثذوكس الأطفال , وكلفت الشماس إبراهيم يونان بتأسيس مدرسة لهم ، وبدأ بتعليم الصف الأول ، ثم علم بمدرسة السريان الكاثوليك ثم بمدرسة الأرمن الأرثوذكس ، ثم عين مدرسا منتدبا من قبل الحكومة السورية لديها ، فكان الشماس إبراهيم يونان أول معلم في مدارس مدينة الحسكة ، علم فيها عدداً كثيراً من أطفال الأسرالوافدة هم أجداد الأجيال المتعاقبة من أبنائها وأمها امرأة تقية ورعة تقرا الإنجيل ، وترتل المزامير ، تعلمت القراءة في المدرسة الإنجيلية ، وصارت معلمة مشهورة في ذلك الوقت.. في هذا الجو العائلي المتعلم المتدين نشأت الراحلة ، وورثت مع أفراد أسرتها عن أبيها طلب العلم وحب مطالعة الكتب ، وكانت تقرأ بنهم ماتوفرلها من كتب منزلها ثم ماتوفرلها من مكتبة المركزالثقافي العربي بالحسكة..
التحقت بمدرسة السريان الكاثوليك منذ 1952ــ 1953في صف الحضانة . وأنهت المرحلة الإبتدائية ـ شهادة الخامس عام 1958بنجاح باهر, كانت الأولى على طلاب المحافظة , كافأتها وزارة التربية برحلة صيفية إلى ألمانيا الشرقية , ونالت الشهادة الإعدادية عام 1962. ثم التحقت بدار المعلمات في ديرالزور للدراسة مدة أربع سنوات , فتخرجت معلمة عام 1966, ودرست في كلية التربية بجامعة دمشق , وتخرجت عام 1987, وكانت أول فتاة من الحسكة تتخرج في هذه الكلية. ثم علّمت في مدارس دمشق والحسكة…وانتقلت في التعليم من الإبتدائي إلى الصف الخاص من 1987 ـ1993ثم صارت معاونة مديرة إعدادية الجلاء من 1993 ـ 1995 . ثم مديرة الثانوية النسوية المهنية من 1995 ـ 2006 . ودرّست مادة التربية العملية للسنة الرابعة في كلية التربية بجامعة الفرات أعوام 2010 ـ2011.. بدأت مسيرتها العلمية بتفوقها الخاص في عام 1958، وأنهتها بتفوق طالباتها في عام 2003 عندما أحرزت مدرستها المرتبة الأولى على القطر في شهادة الفنون النسوية.. نالت التكريم غيرمرة في حياتها وبعد رحيلها ، وفازت بالجائزة الأولى في مسابقة القصة القصيرة التي أقامها اتحاد الكتاب العرب في الحسكة عام 1995م عن قصتها ” بعد رحيله الحزين “. وهي عضو فخري في اتحاد الكتاب العرب..وعضوفي جمعية صفصاف الخابور..
أربعة عقود أنفقتها في حياتها ، تصول وتجول في ساحة العمل التربوي والتعليمي معلمة ومربية ومديرة ، ونصف قرن أمضته في عمرها الذي امتد إلى خمسة وسبعين عاماً ، تخوض في معمعان الحراك الثقافي بالجزيرة السورية ..بنشاط دؤوب خدمة للتربية والثقافة والأدب ..كتبت القصة القصيرة والشعروالخاطرة، وتناولت أحداث قصصها موضوعات اجتماعية في قصص عدة مثل قصة «عيد الحب» ووجدانية وإنسانية مثل قصة «بعد رحيله الحزين» التي تتحدث فيها عن فجيعتها برحيل شقيقها..ووطنية وقومية مثل قصة «طفلة قانا الشهيدة» وقصة «أمي من فلسطين»، وقد تميزأسلوبها القصصي بالرشاقة وبالسرد في وصف الحدث الذي يبلغ أحيانا حد الإطالة..وبلغتها القصصية البسيطة جداً التي تنسجم مع أحداث قصصها ، والتي لاتقحم جملها بالحشواللغوي الفضفاض الذي يفسد تصويرالحدث. وهذا الصوت النسائي الذي شنفت له أسماعنا طويلاً ينتمي إلى جيل سبعينات القرن الآفل. عاشت الأديبة هدى بونان حياة الهموم والأحزان والمصائب والإحباطات ، ولم تجد لها متنفساً من عالمها الكئيب سوى الكتابة ، تفرغ فيها مابداخلها ، فتلونت كتاباتها بهموم حياتها ، كيف لا وقد توالت عليها النازلات منذ فجرحياتها ؟ : فجيعتها بوفاة والدها في آب 1949م بعد ميلادها بعامين.. فجيعتها بفيضان نهر الخابورالهائل في شهرشباط عام 1952م الذي دمّر بيت أسرتها الجميل ، موت شقيقها المثقف (صبحي) الحاصل على ثلاث شهادات جامعية : (أدب فرنسي ، تأريخ ، لاهوت) الذي انتحرغرقاً في نهر الخابور المجاورلبيتهم صباح يوم الأحد 24 حزيران 1999م عند جسرالبيروتي بالحسكة ، إحباط حلمها في الإنجاب بزواجها الأول الفاشل لدى إقامتها في دمشق معلمة في إحدى مدارسها الذي لم ترَ فيه شيئاً من الاستقرار إلّا في زواجها الثاني من المعلم اللطيف الخلوق ميرزا يوخنا أبي كرم أثناء إقامتها بمدينتها الحسكة لولا أنه انتهى عاجلاً برحيله الذي أدمى قلبَها…عاشت هدى يونان أواخر حياتها وحيدة غريبة منعزلة عن الناس في بيت بالحسكة مأجور موحش ، لا أنيس فيه ، ولا قريب عدا قلة من معارفها وصديقاتها مثل الشاعرة (إيفيت تانو) الأقرب إلى قلبها ، عاشتها تحت وطأة ضغوطات الحياة الثقيلة وأزمات واقعها التي لاتحتمل . ثم اضطرها المرض وضيق الحال أخيراً أن تلجأ إلى جمعية مارمنصورالخيرية بالحسكة التي أسهم أبوها مع غيره في تأسيسها عام ١٩٣١م ، فآوت فيها أياماً ، ثم لجأت أخيراَ إلى ابن أختها الإعلامي هشام شمعون بمدينة اللاذقية لمتابعة علاجها من مرضها العضال في مشفى تشرين الجامعي حيث توفيت فيه قرابة الساعة الثانية بعد ظهريوم الاثنين 7/ 11/ 2022م ، ودفنت في اللاذقية بعيدة عن مدينتها الحسكة . مأساة أديبتنا الراحلة تذكرنا بمأساة الأديبة (مي زيادة) صاحبة الصالون الثقافي الشهيرالمعروف بـ (صالون مي زيادة) التي عاشت أيضا حياة العزلة والكآبة أواخرحياتها في القاهرة بعد فقدها أبويها وأحبابَها ، مرضت ثم دفنت فيها بعيدة عن بلدها لبنان..وبرحيل هدى يونان خسرالحراك الثقافي في الجزيرة السورية صوتاً نسائياً مهماً لايُنسى . رحمها الله بقدرماقدمت للحركة الثقافية في الجزيرة السورية، وماقدّمت في تربية أجيالها من جهد وعناء وعطاء.