سوريا – مروان مجيد الشيخ عيسى
تعاني البلاد من شح كبير، في المواد النفطية، بعد تراجع الإمدادات من إيران، في حين فشل النظام في التغلب على هذه الأزمة، لتأمين المحروقات المخصص للشتاء، المفترض توزيعها خلال هذه الفترة.
كل عام نواجه نفس المعاناة، نحمل البيدونات بين أيدينا ونقف لساعات طويلة في الطابور للحصول على عشرة لترات من المازوت من محطات الوقود وبالسعر الحر، أي حوالي 6 أو 7 آلاف ليرة سورية، وهذا يفوق القدرة المالية لعامة الأهالي وبات مصدر قلق لهم حقيقة. أنا عن نفسي وعائلتي، في شتاء هذه السنة لا أعرف كيف سأدبر تكلفة المازوت، إنه مرهق ماديا ونفسيا، هكذا يشرح السيد علي الحسن، معاناته مع رحلة البحث عن وسائل التدفئة في فصل الشتاء كل عام.
سواء بدأ فصل الشتاء أم لا، يبدو أن الأمر لم يعد يهم الكثيرين، ليس لشيء، ولكن لأنهم لم يتبق لهم سوى تلك المشاهد التي عادة ما تكون أمام المدفأة في المنزل، أو وسائل أخرى لم يكن يحمل أحد همها مهما كانت مكلفة، فخلال السنوات الماضية ارتبط السوريون بمشاهد من ساعات طويلة يقضونها في محاولة للتغلب على البرد والصقيع الذي يتسرب عبر كل مسام إلى أجسادهم وهم في منازلهم، التي لا تصلها الكهرباء إلا ساعات معدودة كل يوم.
ومع اقتراب الشتاء كل عام، سرعان ما يبدأ المواطن السوري بحثه الدؤوب عن وسائل تدفئة في ظل زيادة ساعات التقنين الكهربائي، والانخفاض الحاد في مخصصات المحروقات، وقلة واحتكار الحطب من قبل التجار والسماسرة، وغيرها من المنغصات التي تحول بينه وبين الدفء. وحقيقة الأمر لا يبدو أن التقنين الكهربائي وحده هو ما يحول بين المواطن وبين هذه المدافئ، وإنما أيضا ارتفاع أسعارها في السوق إلى درجة بات اقتناؤها بالنسبة للكثيرين حلما بعيد المنال، لا سيما وأن القدرة الشرائية للمواطنين في انخفاض مستمر قياسا بالغلاء الذي تشهده مختلف السلع في الأسواق، فضلا عن هذا الغلاء الفاحش بأسعار وسائل التدفئة الكهربائية، شهدت جميع أسعار الملابس الشتوية هي الأخرى غلاء مماثلا، لم يكن بالحسبان.
علي الحسن (67 عاما)، المنحدر من أحد أحياء اللاذقية يروي معاناته مع رحلة البحث كل عام عن وسائل التدفئة لعائلته، فيضيف “الدفعة الأولى التي نحصل عليها من النظام تقدر بـ 50 ليترا، وهو ما يكفي لعشرة أيام فقط، وباقي أيام السنة أقضي نصف وقتي في رحلة البحث عن كمية ولو قليلة من المازوت، في سبيل تدفئة عائلتي وحمايتهم من برد الشتاء، وخاصة الأمراض كثيرة في الشتاء”.
الرجل الستيني، وهو موظف حكومي وراتبه لا يتعدى الـ160 ألف ليرة سورية، يتابع حديثه، “كل عام أصرف ما يقدر بـ 1.5 مليون ليرة سورية فقط على مازوت التدفئة، والحقيقة أنني إما أعمل بعمل إضافي، سواء أعطي دروسا خاصة للطلاب أو في أعمل على سيارة أجرة مقابل أجر ما، أو أتدين من قريب لي موجود في الخارج، وفي الواقع، لم أسدد هذا الدين منذ عامين. وفي كل عام أتدين منه، وهو يعلم الوضع السيئ والرديء في سوريا، وبالتالي يمد إلينا يد العون، ويقدر ظروفنا، ولا يطلب دينه ويقول لتنفرج على الناس بالبلد، ولولاه لكان وضعنا في الويل في كل شتاء.
حاليا كما نرى بدأوا بتوزيع الحصة الأولى من مادة المازوت، ولا ندري متى نحصل عليها لأننا كنا من المحظوظين في استلام الدفعة الثانية نهاية الشتوية الماضية، وإذا افترضنا أن الحظ حالفنا بعد شهر أو أكثر لا ندري، فهل كمية الـ ٥٠ ليتر كافية لدرء البرد عن أجسادنا طيلة فترة الشتاء.
سناء تردف في حديثها، أعتقد أن الأمر صعب للغاية، وهذا ما يضطرني كل شتاء إلى شراء عدد أكثر من المعاطف الشتوية ليتسنى للأولاد تبديلها طيلة الفترة، ولكن هذا العام تبدو الأسعار غير مناسبة بالنسبة لنا ولذلك غالبا ما نلجأ إلى الإستدانة لتغطية ما أمكن من متطلبات فصل الشتاء.
أمام كل هذه المعاناة اعتاد المواطن سواء في حلب أو غيرها من المناطق السورية على ابتكار الحلول والبدائل للتدفئة تحت ضغط التقنين الكهربائي ونقص المخصصات من مادة المازوت، ومن تلك الحلول الرائجة كان استعاضتهم عن مدافئ الوقود والكهرباء بمدافئ الحطب، ولكن من الصعب بمكان أن يلجأ المواطن إلى هذا الخيار هذا الشتاء لأن سعر طن الحطب كما علمنا يفوق المليون ليرة، ويعود سبب ارتفاع أسعار الحطب إلى عدة عوامل أهمها منع الاحتطاب والاحتكار، وزيادة تكلفة النقل وغيرها.