منوع – مروان مجيد الشيخ عيسى
يقول الأستاذ ياسين الصويلح :
تحتل ظاهرة الصراع على الجلوس في صدر المجلس مكانة كبيرة في ذاكرتنا وعقليتنا وفي حياتنا الاجتماعية .
فالبعض غالبا ما يستخدم جسده ومظهره العام بوصفه رأسماله الإجتماعي من أجل استخدامه في المجالس للإعتراف بمكانته الإجتماعية .
فالمجالس في المجتمع العشائري تعد فضاء مغلقا لتوزيع المكانات الإجتماعية . وبناء على هذه التقاليد صارت المجالس مسرحا للتنافس على الحظوة بالجلوس في الصدر ، بل والصراع الخفي أحيانا من أجل الحصول على الإعتراف بمكانة ذلك الشخص ، استنادا الى قدرته على الحصول على مكان جلوس يليق به . إذ يرى البعض أن مكان جلوسهم في المناسبات تعبيرا عن مكانتهن ، وإشارة إلى مجدهم ولذلك يكون التسابق إلى ذلك المكان واضحا ، لدرجة أن بعضهم قد يتعمد فكرة أسبقية الوصول لمنح نفسه أحقية الجلوس وضمان عدم إزاحته .
وهذا التهافت على الجلوس في الخط الأول ، مرض إجتماعي ابتلى به العرب بشكل عام منذ القديم . ولكن لو كنا في ساحة قتال ، هل سيتهافت هؤلاء إلى المقدمة ؟ ولماذا البعض يكونون في المؤخرة عند المواقف ، وفي المقدمة أثناء الجلوس ؟ فالتنافس على المكانة والصورة والموقع واللقب والمنصة ظاهرة مستشرية ويصرف فيها وقت وجهد كبيران ، بحيث تجعلنا نتناسى أنفسنا ونقفز على الأعراف والتقاليد .
حتى أثناء توقيع البيانات ، يلاحظ اهتمام كاتبيها بمواقع أسمائهم في قائمة موقعي البيان أكثر من اهتمامهم بما يتضمنه ذلك البيان . تجدهم يكتبون البيان ويحرصون على أن تكون أسماؤهم في مقدمة الموقعين ، في حالة أشبه ماتكون بحجز صدر المجلس لهم .
في المجتمع العشائري عادة ماينقسم المجلس إلى ثلاث فئات ذات رمزية إجتماعية ، وهي صدر المجلس وغالبا هم الضيوف ومن لهم تأثير إجتماعي أو وظيفي أو انتساب أسري . ثم يأتي إلى جانبهم عدد محدود من أولئك الذين يتسمون بأن لديهم تطلعات لأن يكونوا في مكان مجاور للصدر . ومن هنا تنشأ مسألة التزاحم على الجلسات الملاصقة لصدر المجلس ، حيث يتنافس الأشخاص المتطلعون إلى الحظوة قريبا من المقدمة ، خاصة ممن حققوا مكانة إجتماعية واقتصادية حديثة العهد ولا بأس بها ، ولكنهم بحاجة إلى الإعتراف الإجتماعي بمكانتهم . كما أن التزاحم على هذا المكان يمثل عاملا مهما في الحرص على الإقتراب من الرجل الأول في الحياة الإجتماعية ، أكان مسئولا أو زعيم طائفة أو شيخ عشيرة ، فكلما كان الشخص أقرب إليه اعتقد أنه أكثر مكانة ، عملا بالقول الشعبي :
جاور المسعد تسعد
أما الفئة الثالثة فهي الفئة العامة التي يجلس أفرادها في أماكن بعيدة ، وأسوأ مكان للجلوس هو القريب من الباب . وهذه الفئة تعتبر قوة صامتة لاتنافس أحدا ولكنها تراقب الأحداث من بعيد ، ويمكن لها تقييم النخب وتمنح الإعتراف لمن تشاء وتحجبه عمن تشاء .
فهم أشبه بجمهور المسرح الذي يقيم أداء الممثلين ويعترف بالبطل .
ولكن تبقى قيمة فرد قيمة ذاتية أولا وأخيرا ، فالكبير الواثق من نفسه ليس بحاجة أن يضيع وقته في الصراعات ، والمكان هو الذي يكبر به ، أينما جلس وكيفما جلس .
ومن هنا تبرز حقيقة قالها نابليون ، عندما دخل متأخرا في الحضور ، وعندما دعاه للجلوس كثير من الذين تنازلوا عن أماكنهم . كان رده :
صدر المجلس حيثما أجلس
وفعلا تحققت رؤيته ، حيث تحول مكان جلوسه الذي اختاره في مكان بعيد عن الصدر إلى مركز مؤثر في قيادة الحديث .
وهذا يعني أن المرء إذا عرف قدر نفسه فلن يؤثر فيه أين يكون مكان جلوسه ، ويصبح صدر المجلس هو المكان الذي أصر على الجلوس فيه ، وسينظر باستخفاف أو تجاهل إلى كل من يسير في هذه الطرق البسيطة التي تشير بوضوح إلى هشاشة أصحابها وإلى فقرهم الروحي وفقدان الثقة بأنفسهم