إيران – فريق التحرير
أطفال إيرانيون تركوا مقاعد الدراسة والتحقوا بسوق العمل مبكرا، فجمعتهم ورشة لإصلاح إطارات السيارات، لكن عصابة استغلت ظروفهم وأحلامهم الصغيرة، فكلّفتهم بالبحث عن كنز مطمور تحت بناية مدرسة الشمس التي تضم أطفالا مشردين. فماذا وجدوا هناك؟
غالبا ما تحقّق أفلام المخرج الإيراني مجيد مجيدي النجاحات المعتبرة في التظاهرات العالمية، وتُخلّف الانطباع الحسن في نفوس متفرجيها، ولعلّ فيلمه الجميل “أبناء السماء” (Children of Heaven) (1997) يكون عيّنة ممثلة لإبداع الرجل، فبفضله حاز على جائزة أفضل صورة في مهرجان مونتريال “أفلام من العالم” عام 1998،ونافس بقوة على أوسكار أحسن فيلم أجنبي.
كما مثّل فيلمه “لون الفردوس” (The Color of Paradise) (1999) نجاحا مهما بدوره، وغالبا ما تمثل إبداعاته صداعا في رأس النظام، وذلك لما تتسم به من جرأة في الطرح وعمق في تشخيص تكهنات السياسة الإيرانية، والمهارة في مراوغة مقصّ الرقيب.
عصابة الأطفال.. عودة إلى المدرسة للبحث عن الكنز
يمثل فيلم “أبناء الشمس” (Sun children) آخر إبداعات المخرج، فقد عُرض للجمهور أول مرة سنة 2020، وكما في “أبناء السماء” يتناول هذا الفيلم موضوع الطفولة الهشة عبر متابعة سيرة الأطفال علي وماماد وأبو الفضل ورضا، وكلهم تركوا مقاعد الدراسة لما واجهوه من الإهمال والتحقوا بسوق الشغل مبكرا، فجمعتهم ورشة لإصلاح إطارات السيارات.
لكن إحدى العصابات تستغل ظروفهم الهشة وأحلامهم الصغيرة، فتكلّفهم بالبحث عن كنز مطمور تحت بناية مدرسة الشمس التي تضم الأطفال المشردين وينفق عليها المحسنون، ويرسم رئيس العصابة الخطّة بدقّة، فلا بد أن يلتحق هؤلاء الصبية بالمدرسة بعلة تدارك زمنهم، ومن دهاليزها وفي أوقات الاستراحة يأخذون في الحفر، وبالفعل ينتهي قائدهم إلى “الكنز المقصود” بعد تخطي عقبات كثيرة، لكنه كنز مخالف لكل توقّع.
شكّل الفيلم نجاحا سينمائيا جديدا لهذا السينمائي البارع، فمثّل إيران في حفل توزيع جوائز أوسكار للعام 2021، وحاز الفتى روح الله زماني (14 عاما) الذي جسّد شخصية علي قائد الصبية، والطفلة الأفغانية اللاجئة شاميلا شيرزاد (13 عاما) التي جسدت شخصية بائعة تعمل في قطار الأنفاق؛ على جائزة أفضل ممثلين شابين في مهرجان البندقية.
أبطال التشرد.. تجسيد لمفاهيم الشعارات السينمائية
يمثل فيلم “أطفال الشمس” امتدادا لنهج مجيد مجيدي في ابتكار حكايات الطفولة، وعبر سبابة سرية يوجه المتفرّج إلى قضاياها، فقد كتب في إهداء الفيلم ما يلي: “إلى 152 مليون طفل عامل حول العالم، وإلى كل من يناضلون من أجل حقوق هؤلاء الأطفال”.
وجاءت الأحداث مؤكدة لهذا التّوقّع، فعرض وجوها من تشرد الصبية وبيّن تبعات انتزاعهم من طفولتهم والإلقاء بهم في عالم الكبار، فعلى خلاف التشريع الدولي الذي يضع الأطفال على رأس الشرائح الهشة في المجتمعات، وعلى خلاف الدول المتقدمة التي تضعهم في مقدمة أولوياتها؛ يبدو أطفال الشمس ضحية للمجتمع والدولة في الوقت نفسه، فافتقادهم لحماية الدولة صرفهم عن المدرسة وقادهم إلى التشرد، وانتهازية المجتمع استغلتهم في الأعمال الشاقة، وجشع رجال العصابات استدرجهم إلى عالم الجريمة.
غالبا ما تحقّق أفلام المخرج الإيراني مجيد مجيدي النجاحات المعتبرة في التظاهرات العالمية، وتُخلّف الانطباع الحسن في نفوس متفرجيها، ولعلّ فيلمه الجميل “أبناء السماء” (Children of Heaven) (1997) يكون عيّنة ممثلة لإبداع الرجل، فبفضله حاز على جائزة أفضل صورة في مهرجان مونتريال “أفلام من العالم” عام 1998،ونافس بقوة على أوسكار أحسن فيلم أجنبي.
كما مثّل فيلمه “لون الفردوس” (The Color of Paradise) (1999) نجاحا مهما بدوره، وغالبا ما تمثل إبداعاته صداعا في رأس النظام، وذلك لما تتسم به من جرأة في الطرح وعمق في تشخيص هنات السياسة الإيرانية، والمهارة في مراوغة مقصّ الرقيب.
الأطفال المختارون في الفيلم هم أطفال الشوارع الذين يواجهون ظروفا قاسية في إيران
وما يُحسب للمخرج مجيد مجيدي هو تعويله على أطفال شوارع حقيقيين، وتحويله السينما إلى ورشة لتأهيلهم نفسيا ومهاريا، وعهده لهم بالأدوار الرئيسية في فيلمه، فيجسّد عمليا البُعد النضالي الذي يعلنه السينمائيون، ولا يقتصر على رفع الشعارات والمبادئ بطريقة متعالية، ويضيف إلى السينما فضلا عن الفن والصناعة بُعدا اجتماعيا، ويقدّم نموذجا حيّا لكيفية إنقاذهم من براثن الاستغلال والانحراف، ومواجهة ظروفهم القاسية، ومنحهم الحق في التعلّم وتنمية المواهب.
مسبح الشمس.. دلالات النور والحياة والإرث الفارسي
يختزل المخرج مأساة هؤلاء الأطفال في لقطة الغطس ذات التشكيل الجمالي البديع التي تورد في بداية الفيلم، فيصورهم وهم يمرحون في المسبح الدائري الذي يبدو أقرب إلى صورة شمس في حالة استرخاء، ثم يأتي الرقيب فينهرهم ليهربوا بعيدا.
وجه الإبداع في هذا التشكيل البصري المعبّر، ففي الشمس دلالة على النور والحياة، والموروث الفارسي ذو الصلة بالمعتقدات الزرادشتية يجعلها رمزا للقداسة، وطرد “أبناء الشمس” من شمسهم حرمان لهم من حقهم في النور وفي الحياة.