سوريا – مروان مجيد الشيخ عيسى
عادة ما تنقسم المجتمعات البشرية إلى ثلاث طبقات اجتماعية رئيسة عليا وسطى و دنيا تتفاوت في المستوى الثقافي والبيئة الاجتماعية والمستوى الاقتصادي أيضًا الذي يسهم أحيانًا في تكوين الهوية الثقافية لفرد أو مجموعة أو منطقة سكنية.
وتقع الطبقة الوسطى أو المتوسطة اجتماعيًا واقتصاديًا وسط الهرم الاجتماعي وتمتلك من الموارد ما يمكنها من الحصول على مستويات معتدلة من الصحة والتعليم والمأكل والملبس وهي المجموعة أو الفئة المستعدة للعمل لتحقيق أهدافها وطموحاتها.
وتتكون هذه الطبقة في الوضع الطبيعي من الحرفيين وأصحاب المهن الحرة لكنها تتسع في سوريا لتشمل المهندسين والمعلمين والموظفين في كتلة غير متجانسة لكنها تتقاسم بعض الصفات المشتركة ومنها القدرة على تحصيل ما يمكنها من تغطية تكلفة ما تستهلكه
وإذا قارنا بين حضور الطبقة الوسطى خلال حكم حافظ الأسد وبشار الأسد فقد تراجعت الطبقة الوسطى وانحسرت اجتماعيًا واقتصاديًا في حكم بشار الأسد منذ عام ٢٠٠٠ إذ اشتغل الأسد الأب على ترسيخ التشابه والتماثل في حياة السوريين على مستوى ألبستهم وأطعمتهم ووسائل عيشهم لأسباب تتعلق بتجنب النعرات وترسيخ السلطة الأمنية التي أصبحت طبقة تنتمي للطبقة العليا أما عن عدم إبراز الفوارق الطبقية في عيون الفقراء فالكل متساوون أمام حكم حزب البعث ولكنهم متساوون في التعرض للظلم فقط.
ويستثنى من المساواة السابقة فئة رجال الأعمال والأمن والجيش والسياسة الذين نما نفوذهم وأُتخمت حساباتهم المصرفية بشكل أكبر خلال فترة حكم بشار الأسد
كان الآباء هم المتحكمين بممتلكات العائلة ومواردها ما منحهم القدرة على ممارسة دورهم الاقتصادي بشكل فاعل خلال السنوات الأولى للثورة السورية ثم انتقلت الأعباء المادية بعد ذلك إلى جيل الأبناء الذي أثبت قدرة أكبر على التأقلم مع المتغيرات في سوق العمل إذ استطاع كثير من الأبناء بعد عام ٢٠١١ تغيير مهنهم بخلاف الآباء الذين أبدوا مرونة أقل حيال ذلك.
ومع خسارة كثير من العائلات ممتلكاتها جراء القصف والعمليات العسكرية حظي الأبناء بالدور الاقتصادي في الأسرة مع محافظة الآباء على الدور الاجتماعي الرابط بين أفراد الأسرة.
فرغبة بالانفتاح الاقتصادي ظهرت في سوريا منذ عام ٢٠٠٠ ولكن سياسات تحرير الاقتصاد من هيمنة الدولة ترجمت لمصلحة رجال أعمال متنفذين في تلك الفترة ما أحدث خللًا في نموذج تحرير السوق.
وأدت هذه المعطيات إلى انحسار دور الدولة الاجتماعي والاقتصادي كما عززت التفاوت في مستوى المعيشة بين الناس ما مهد لاحقًا وشكل بيئة خصبة لانطلاق الثورة
وإن ما يحكم طبيعة العلاقة الاقتصادية والاجتماعية بين السوريين الموزعين في داخل البلاد وخارجها هو عمق الروابط والصلات العائلية أو الاجتماعية إذ دعم السوريون المغتربون السوريين الذين بقوا في سوريا وزودوهم بالمال ما حقق دورًا وظيفيًا بتحسين الوتيرة الاقتصادية ليس لبعض لعائلات فحسب بل أيضًا للنظام الذي استفاد منهم باعتبارهم عنصرًا داعمًا للعملة الصعبة
فأغلبية السوريين ينظرون إلى المغترِب باعتباره محظوظًا أو مجبرًا على مغادرة البلاد ولا يملك قرار البقاء أو الرحيل.
فمن الأفضل التصالح مع فكرة وجود طبقات في المجتمع السوري مؤكدًا في الوقت نفسه أن الطبقة الوسطى التي كان ينتمي إليها كثير من الناس أصبحت فقيرة
وإن تواصل السوريين المقيمين في الداخل بالسوريين المقيمين في الخارج تأثر بالوضع المعيشي فاختلاف الاهتمامات وسعي السوريين داخل البلاد لتحصيل لقمة العيش جعل الاهتمامات بين الناس مختلفة وبالتالي سبب اختلافًا في الثقافة وأسلوب مناقشة الأمور وتناولها كل حسب ظروفه فمن يمشي في شوارع سوريا يلاحظ الفوارق الطبقية الكبيرة بين الناس فبعد الثورة واستغلال الوضع القائم في جميع أنحاء سوريا انتقلت عوائل من الطبقة الوسطى أو حتى المسحوقة إلى مصافي المليارديرية وتحولت عوائل من الغنى إلى الفقر بسبب الدمار الذي دمر بيوتهم وممتلكاتهم وباتوا يعيشون على المساعدات.