سوريا – مروان مجيد الشيخ عيسى
في حالة الدول المستقرة كليا، يؤدي ترنح إحدى المؤسسات الرئيسية التي تشكل عصب الحياة للمواطنين إلى نتائج سلبية للغاية على الحكومات والشعوب معا، إلا أن تلك التداعيات لا يمكن مقارنتها بمخلفات الحروب وآثارها التي تدمر شعبا بأكمله بحاضره ومستقبله، كما في الحالة السورية، التي كان يعاني شعبها قبل الثورة من انهيار المؤسسات الرسمية للدولة، وانتشار الفساد والمحسوبيات وغياب العدالة الاجتماعية والقانون، وبعد انتفاضة السوريين للمطالبة بحياة أفضل على كافة الأصعدة، رد النظام بتدمير الشعب نفسه، مقابل الحفاظ على السلطة، فكانت النتائج كارثية على السوريين داخل البلاد في مدن وبلدات النزوح وفي اللجوء أيضا.
فقد تداول ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي تسجيلاً مصوراً يظهر مجموعة من النساء والأطفال وهم يتراكضون في أحد الحقول الزراعية بعد انتهاء موسم البطاطا، بهدف جمع ما تبقى من حبات البطاطا “العفارة” لاستخدامها كغذاء لعدم قدرتهم على تأمين متطلباتهم اليومية.
ووفقاً للفيديو الذي رصده ناشطون، فقد هرع عدد من الأطفال والنساء والعائلات المحتاجة إلى أحد الحقول المزروعة بمحصول البطاطا في قرية كفر ناصح بريف حلب الغربي، وبدأوا بجمع ما تبقى من حبات البطاطا “التعفير”، بسبب غلاء أسعارها وعدم استطاعتهم شراءها أو الحصول عليها.
ويضطر سكان المخيمات في أرياف حلب وإدلب إلى انتظار أصحاب الأراضي الزارعية حتى انتهائهم من جني محاصيلهم ليتوافدوا بالمئات لجني بقايا المحاصيل “التعفير” مثل البطاطا والفستق العبيد والبصل.
أم أحمد وهي من قاطني مخيم بقرية كفر يحمول قالت إنها مجبرة على المجيء مع أطفالها وبشكل يومي إلى الأراضي الزراعية الممتدة من كفر يحمول الى بلدة زردتا ورام حمدان وجني بقايا المحاصيل الزراعية.
وأضافت أنها تعمل منذ الصباح الباكر ولساعات طوال من أجل تامين كمية جيدة بالتعاون مع أطفالها تقدر بنحو 20 كيلو يومياً، حيث تبيع قسماً منها وتبقي القسم الآخر لأولادها.
من جانبه، بيّن أبو خالد أن فترة التعفير قصيرة تبدأ بعد انتهاء أصحاب الأراضي من جني محاصيلهم، وما يجبر سكان المخيمات أوضاعهم الصعبة وقلة فرص العمل وتدني الأجور في حال وجد العمل.
وأضاف أن قاطني المخيمات لا حيلة لهم سوى الذهاب مع أطفالهم لجني بقايا محاصيل المزروعات مثل البطاطا والفستق عبيد وغيرها.
وتشهد مناطق الشمال السوري أوضاعاً اقتصادية ومعيشية قاسية في ظل ارتفاع الأسعار الجنوني وغلاء تكاليف المعيشة وعدم توفر العمل للشباب والرجال.
فالتهجير القسري والتغيير الديموغرافي في الخريطة السورية والنسيج الاجتماعي، بدأت ملامحه تظهر اليوم نتائج مأساوية أكثر على الأبواب في حال استمرار الأوضاع على ما هي عليه منذ سنوات.
فالمناطق في الشمال الغربي من البلاد، تعاني من كثافة سكانية مرتفعة للغاية مقارنة بالمساحة الجغرافية المتوفرة، وهو ما أدى إلى ازدحام السوريين ضمن مخيمات النزوح وسط بيئة حياة لا تتناسب مع الاستقرار المعيشي والاقتصادي وحتى التعليمي، وسط غياب أي تأثير حقيقي وفعال في إيجاد الحلول المحلية، وغياب الحلول الدولية للقضية السورية، وهو ما يجعل المواطن السوري الحلقة الأضعف والأكثر دفعا للنتائج الكارثية التي آلت إليها الأوضاع.